مع غروب الشمس وانطلاق مدفع الإفطار أمس، مرت مليونية «استرداد الثورة والكرامة» في القاهرة بهدوء، محققة شعار «سلمية، سلمية»، التي دعا إليها «التحالف الوطني لدعم الشرعية»، الذي يتكوّن من 40 حزباً وحركة وائتلافاً، وتشكل جماعة «الإخوان المسلمين» غالبيته العظمى. وظهراً، وبينما كان الآلاف من المطالبين بعودة الرئيس المعزول محمد مرسي، يتحركون في اتجاه مكاني الاعتصام الرئيسيين في القاهرة (ميدان رابعة)، والجيزة (ميدان النهضة)، للمشاركة في المليونية والإفطار مع المعتصمين لليوم الخامس عشر على التوالي، كانت عناصر من الجيش قد عزَّزت وجودها على مداخل المحافظتين، وفي محيط مباني الحكومة، والبرلمان ومقار الحرس الجمهوري، والمنشآت العسكرية، وعدد من الوزارات الحيوية، ومبنى اتحاد الإذاعة والتلفزيون، والمصرف المركزي. في حين تأخر، إلى ما قبل المغرب بنحو ساعة، توافد الداعين للإفطار أمام قصر الاتحادية وميدان التحرير تلبية لدعوة «حركة تمرد» و«جبهة الإنقاذ الوطني» للإفطار مع المعتصمين هناك تأييدا لعزل مرسي، ثم زاد الحضور كثافة بعد المغرب بقليل. في ميدان رابعة.. هكذا كان المشهد «بعشرين، بعشرين.. العلم بعشرين»، هكذا ظل حماصة، بائع الأعلام في ميدان رابعة ينادي. لا يخفي حماصة سعادته بالتحول الذي حصل بعدما دعت منصة الاعتصام الجميع إلى حمل أعلام مصر، فقط، تعبيراً عن تغير خطابها للحديث عن الديموقراطية بالأساس، بينما أصبح الحديث عن عودة مرسي، رئيساً، كصدى للحديث عن الشرعية والديموقراطية والحرية. حماصة خبير في الاعتصام وشؤونه، كان من أوائل الباعة الذين وجدوا في الدعوة للاعتصام أمام مسجد رابعة العدوية قبل أسبوعين باباً للرزق في شهر رمضان الذي يقل فيه العمل نهاراً. وبخبرته، يلخص المشهد «أرزاق، كنا نبيع صوراً للرئيس الدكتور مرسي بكثرة، وأعلام السعودية الخضراء، وعلم مصر أقل، اليوم علم مصر، علم مصر، الكل يريد علم مصر، بعت كل ما كان لدي، وأحضرت دفعة بعتها هي الأخرى، أرزاق». أثر «التحول» في الخطاب الصادر من منصة الاعتصام لا تخطئه عين، فصور مرسي قلت جداً، وأعلام مصر طغت على المشهد. أعلام مصر لم تكن التجارة الوحيدة التي راجت هنا أمس. «عم رجب» سائق الأوتوبيس (الحافلة)، من بني سويف، هو الآخر يعتبر الاعتصام والإفطار الجماعي باباً من أبواب الرزق، «الحال صعبة، الجماعة المشايخ اتفقوا معي لأنقلهم بعد صلاة الجمعة من بني سويف، ونرجع بعد صلاة التراويح، ربنا يستر ولا يحدث ضرب وتكسير». المخاوف نفسها عبر عنها ناصر العرباوي، سائق من الشرقية، والذي أشار إلى أن «شارع النصر» قبالة رابعة، تحول الى موقف هائل للحافلات التي حملت أنصار «الإخوان» من كل محافظات مصر لحضور مليونية «الزحف». وبالرغم من تحول خطاب متحدثي المنصة من الحديث عن عودة مرسي إلى «بكائية» على الديموقراطية، واستهجان ما وصفوه بـ«الانقلاب العسكري»، إلا أن الجموع هنا ما زالت تتحدث عن وجوب عودة مرسي، ومحاكمة القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي. «مفيش حل تاني، مرسي لازم يرجع»، هكذا عبر مهندس البترول رامي مؤمن (26 سنة) عن تصوره للحل، مؤكداً أن الدولة لن تتحمل الضغط أكثر من هذا. يدلل رامي على قوة الإسلاميين، وعدم مقدرة الدولة على تحمل ما يحدث في سيناء، مستطردا «ندين ذلك طبعاً، لكنها طبيعة البدو في التعبير عن غضبهم». القيادي في جماعة «الإخوان» عصام العريان، كان منشرحاً وهو يؤكد أنهم سيواصلون الاعتصام، «نحن باقون، صامدون هنا حتى تتحقق مطالبنا». ويكمل من دون أن أسأله «نحن لا نخاف السجون، نحن معتدى علينا». فسألته: هل ستقدم «الجماعة» على خطوات تصعيدية، فأجاب «كل الاحتمالات مفتوحة». أما القيادي الإخواني محمد البلتاجي، فقد تركز حديثه حول نقطة واحدة هي الهجوم على أميركا واتهامها بمناصرة الحكم العسكري، على حد وصفه. حضور النساء كان أكثر كثافة من الأيام الماضية. زينب حراز، الطالبة في «جامعة المنوفية»، تعتبر أن مرسي بمثابة «أب لكل المصريين»، وهي موقنة من «نصر الله لكل الحاضرين والغائبين المؤمنين بضرورة عودة مرسي». جمال الدلاش، من المحلة، معتصم منذ ثلاثة أيام، وينوي البقاء حتى آخر الشهر الكريم، معتبراً أن قضاء شهر الصيام في الاعتصام والقيام، بالرغم من المتاعب والمصاعب، شيء جميل، خصوصاً أنه بصحبة «إخوة كرام». ويأسف جمال على أنه سيضطر للعودة إلى بيته وعمله بعد انقضاء رمضان لأن إجازته تكون قد انتهت. ويؤكد أن غالبية المصريين تؤيد مرسي، لكن الإعلام «الفاسد» يشوه الصورة ولا ينقل الحقيقة. مجموعة من شبان مدينة حلوان، أجمعوا على أن الخطوة المقبلة هي الذهاب إلى ميدان التحرير و«أخذه»، على حد وصفهم، مؤكدين أنه الميدان الأهم «فقط ننتظر الفرصة»، وهو الرأي الذي شاركهم فيه القيادي الإخواني محمود الراعي، مشدداً على «التشاور والتباحث في ذلك أولاً».