As Safir Logo
المصدر:

الطرق «الآمنة» في سوريا.. ضربُ خيال ومجازفة

باصان مدمران في المنطقة الصناعية في القابون في ريف دمشق بعد سيطرة القوات السورية عليها امس الاول (رويترز)
المؤلف: عنجريني صهيب التاريخ: 2013-07-08 رقم العدد:12523

لم يعد الحديث عن توسيع الأزمة السورية للمسافات بين السوريين حديثاً مجازياً فحسب، بل تحول الأمر حقيقةً على أرض الواقع. فمع امتداد المواجهات المسلحة على رقعة واسعة من البلاد، خرجت عدة طرقات دولية التي تربط بين المحافظات السورية من الخدمة، وبات لزاماً على وسائط السفر أن تبحث عن طرقات بديلة، بغض النظر عن جاهزيتها، توخياً لسفر آمن نسبياً، بعدما بات الأمان شبه المطلق الذي كانت البلاد تباهي به في زمن مضى ضرباً من المنسيَّات. ^طريق دمشق ــــ الساحل: لا مستجدات جذريّة لم يطرأ أي تغيير جذريّ على الطريق الواصل بين دمشق والمحافظتين الساحليتين طرطوس واللاذقية. فباستثناء بعض التغييرات البسيطة، والتي تفرضها بعض الحوادث الأمنية بين وقت وآخر، بقي المسارُ ثابتاً. من دمشق عبر بعض مدن ريفها مثل النبك ودير عطية، ثم الانعطاف عبر «تحويلة حمص الكبرى» باتجاه الساحل: بعض مدن ريف محافظة طرطوس، ثم طرطوس المدينة، فبعض مدن ريف محافظة اللاذقية، وصولاً إلى مدينة اللاذقية. لا تُلاحظ مظاهر مسلحةٌ على طريق دمشق-الساحل، باستثناء بعض القوافل العسكرية التي تعبر أحياناً بين دمشق وحمص، فيما يقتصر وجود الحواجز العسكرية على مداخل المدن الساحلية، وتتسمُ إجراءاتها بالصرامة، عبر تفتيش السيارات المسافرة بعناية، والتدقيق في هوية المسافرين، إلى درجة تجعل فترات الانتظار على مداخل تلك المدن تتجاوز الساعتين في بعض الأحيان. ^ طريق اللاذقية ـــ حلب: كلّ شيءٍ تغيّر على النقيض من سابقه، تغير طريق السفر بين مدينتي اللاذقية وحلب بشكل جذري، فباتت المسافة التي يقطعها المسافر بينهما أكثر من 500 كيلومتر بدلاً من المسافة الأصلية (185 كيلومتراً)، وصارت الرحلة بين المدينتين تستلزم حوالي عشر ساعات، بدلاً من ساعتين ونصف الساعة على الأكثر عبر الطريق القديم، أو ساعة ونصف الساعة عبر أوتوستراد أريحا الذي لم يُوضع في الخدمة سوى أشهر قليلة، قبل أن يتعرّض إلى دمار كبير، وحالات تخريب مستمرة، كان آخرها قبل حوالي أسبوع، حيث قامت مجموعة مسلحة بنسف «جسر بسنقول»، مبررةً ذلك بأنه وسيلة لـ«منع الجيش النظامي من استخدامه لاستقدام تعزيزات عسكرية». وفي المحصلة، صارت السيارات اليوم تتجه من اللاذقية نحو طرطوس، ثم تمر عبر مدينة حمص، لتلتفّ بعدها حول حماه متحاشية طريق حمص-حماه الدولي، عبر طرق بديلة تمرُّ بمدينتي السلمية ومورك، لتبدأ بعدها رحلة الطرق الفرعية في مناطق ريف إدلب، وهي في معظمها طرقات لا تسمح للسيارات بأن تتجاوز سرعتها معدل الـ50 كيلومتراً في الساعة، علاوةً على عشرات الحواجز التي تقيمها المجموعات المسلحة، ولا تزيد المسافة الفاصلة بين حاجز وآخر في بعض الأحيان عن كيلومترٍ واحد. داخل مدينة حمص، تسلك السيارات المسافرة مساراً محدداً تتخلله عدة حواجز للجيش السوري. التناقض الذي عاينّاه بين المناطق التي مررنا بها كان هائلاً، مرّ بنا الباص عبر شوارع لم تترك الحرب عليها أثراً يُذكر، المحال مفتوحة، حركة المواصلات العامة مستمرة، والسكان يعيشون حياتهم اليومية، وكان كافياً لتغير هذه الصورة الانتقال من شارع إلى شارع لنشاهد «حمص أخرى»، لا أثر للحياة، أبنية مهدمةٌ بالكامل، وأخرى بشكل جزئي. ^ مشاهدات ومفارقات [ في محطة انطلاق اللاذقية حصلت مشادة كلامية بين سائق الباص وبين سيدة كانت تجلس في المقعد الأول، حيث أصر السائق على تبديل مقعدها، ولم يحدث ذلك إلا بعدما أوضح السبب الذي بدا كافياً لتشكيل «رأي عام» داخل الباص، فرض عليها الإذعان إلى رغبة السائق الذي رفع صوته بالصراخ «بترَوحي حالك وبتروحينا، ريف إدلب مليان حواجز نصرة (جبهة النصرة) وممنوع يشوفو بنات بأول الباص، لأنو الرجال قوامون على النساء». [ بعدما غادر الباص محطة انطلاق اللاذقية، وقبل أن يفارق المدينة، توقف في أحد الشوارع فترة كانت كافية ليتم ملء المستوعبات الخاصة بحقائب المسافرين بكميات كبيرة من أكياس الخبز، وباثنتي عشرة اسطوانة غاز منزلي (من دون الاكتراث بما يشكله ذلك من خطورة على أمان المسافرين). وبطبيعة الحال، فإن هذه البضائع كانت في طريقها لتباع في السوق السوداء في حلب، إذ يتوافر الغاز المنزلي في اللاذقية وبسعر 900 ليرة سورية للأسطوانة الواحدة (حوالي 4 دولارات)، فيـــما تُباع في حلب بخمسة آلاف ليرة سورية بالحد الأدنى. نظرياً، فإن نقل هذه البضائع يُعتبر ممنوعاً بهذه الطريقة، لكنّ الرشاوى تبدو كفيلة بالتفاهم مع عناصر الحواجز العسكرية. أما حواجز المجموعات المسلحة فهي لا تهتم أصلاً بتفتيش حمولة الباص، بل تكتفي بالتدقيق في هويات المسافرين. [ تشكل مدينة مورك في ريف حماه حداً فاصلاً بين منطقتي سيطرة على طريق اللاذقية-حلب المستحدث. فمع مغادرة المدينة يختفي أي وجود لحواجز الجيش السوري، ولا تظهر هذه الحواجز مجدداً إلا عند مدخل مدينة حلب، فيما يمتلئ الطريق بعشرات الحواجز المسلحة التابعة لميليشيات معارضة مختلفة. * يُنبه معاون السائق المسافرين بالقول «دخلنا مناطق الجيش الحر يا شباب»، فتسارع فتاتان تجلسان على مقربة منا بارتداء حجابين، وتقوم إحداهما بارتداء قميص بأكمام طويلة، بالتزامن مع قيام معاون السائق بإيقاف تشغيل شريط الفيديو الذي كان يعرض فيلماً عربياً. ^ طريق حلب ـــ دمشق: «السفير» شاهدة على حادثة اختطاف تبلغ المسافة الأصلية بين حلب ودمشق حوالي 360 كيلومتراً، وكان زمن الرحلة بينهما في الأيام الخوالي لا يتجاوز أربع ساعات، لكنَّ رحلتنا استغرقت 13 ساعة!. ومثل سابقه، بات الطريق يمر عبر عدد من قرى ريف إدلب، ثم بعض قرى ريف حماه، ملتفاً عبر مورك والسلمية ليخترق حمص، ثم يتابع بعدها عبر الطريق الدولي، قبل أن ينعطف عبر «ضاحية الشرطة» المجاورة لمدينة حرستا، داخلاً دمشق عبر طريق التل-معربا، تحاشياً لنيران «قناصي حرستا» التابعين لـ«الجيش الحر»، والذين دأبوا مؤخراً على استهداف أي سيارة في مرمى نيرانهم. وصل عدد الحواجز المسلحة التي أوقفتنا بين حلب ومورك 36 حاجزاً، تركز معظمها في ريف إدلب. وعند قرية الخوين، طلب منّا مسلحون يستقلّون ثلاث سيارات التوقف، وصعد اثنان منهما إلى الباص. سوء حظ المسافر الجالس في المقعد الأول جعل صعودهما يتزامن مع إمساكه بهاتفه الخلوي غالي الثمن «iphone 5». فالهاتف بدا السبب المنطقي الوحيد الذي دفع بأحد المسلحين ليطلب من المسافر محمّد صهريج دون سواه إبراز بطاقته الشخصية، وبعد إلقاء نظرة شكليّة عابرة طلب منه النزول معه من الباص. وبعد دقيقتين عاد أحد المسلحين ليطلب من السائق المغادرة قائلاً «بدنا نسألو كام سؤال، استنوه عند مفرق التمانعة (القرية التالية)». وبطبيعة الحال لم يجد السائق بداً من الإذعان. توقفنا عند مفرق التمانعة حسب التعليمات، وبعد أقل من عشر دقائق ظهرت «دوريّة» مسلّحة، يستقلّ أفرادها سيارةً مزودةً برشاش «دوشكا»، وتوقفت بمحاذاتنا سائلة عن سبب وقوفنا هنا. اقترب السائق وعدد من المسافرين كنّا من بينهم لشرح القصة للمسلحين، كانت سيارتهم من ماركة «نيسان»، وعلى لوحتها علم الاتحاد الأوروبي، وتحمل الرقم «sls px 133»، وعلى مقدمة السيارة وضعت عبارة «الهيئة الإسلاميّة السورية». بعد شرح القصة، ابتسم «رئيس الدورية» وقال بلهجة محليّة «لا تنتظرو ع الفاضي، هدول قطاعين طرق، بكرة بيتصلو بأهلو وبيطلبو فدية»! وعلى الفور بادرناه بالتساؤل «ليش تاركينن يخطفو الناس؟»، فأجاب بكلام كثير ملخصه أنهم يسعون لوضع حد لهم، لكنهم لا يستطيعون التفرغ لذلك، فهم مشغولون بخوض معارك مع النظام، وكان ينبغي على السائق ألّا يمرّ بتلك القرية أساساً، ثم طلب منّا المغادرة فوراً. انطلق الباص وسط حالة وجومٍ خيمت على المسافرين، فيما راح نسيبُ المخطوف الذي كان يسافر معه يصرخُ بهستيريا. وأمام إلحاحه عُدنا للتوقف داخل قرية التمانعة، أملاً في أن ينفذ المسلحون كلامهم ويرسلوا بالشاب إلى القرية. لكنّ ساعةً من الانتظار لم تأتِ بنتيجة، وأكّد خلالها عدد من أبناء القرية أن تلك المجموعة عبارة عن قاطعي طريق، وأنهم اعتادوا اختطاف بعض المسافرين ممن تبدو عليهم «آثار النعمة» بالطريقة عينها، والتواصل مع أسرهم للحصول على مبالغ مالية في مقابل إطلاق سراحهم. استمرّت الرحلةُ بعدَها من دون حوادث تذكر. وكما في الرحلة السابقة اختفى الوجودُ المسلح مع دخولنا مدينة مورك، وعادت حواجز الجيش، وكان وجودها الأكثر كثافة ذلك الذي شهدناه منذُ دخولنا «ضاحية الشرطة»، إذ مررنا بـ17 حاجزاً عسكرّياً حتى وصــــولنا إلى وســـط مدينـة دمشق.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة