تختلف التفسيرات كثيراً حول أسباب فشل الاقتصاد الشيوعي في الاتحاد السوفياتي السابق ودول اوروبا الشرقية، منذ أواخر الثمانينيات وبعد سنوات طويلة من النجاح المتواصل. فلا يمكن اتهام الغرب بتفشيل تجربة الاقتصاد الشيوعي، اذ ان الاقتصادين حاولا علنا تفشيل بعضهما البعض وكان الفوز للاقتصاد الحر. فالاقتصاديات الشيوعية فشلت في الواقع من الداخل، أي أفشلها مواطنوها ومؤسساتها وشركاتها. وما يدعو للعجب هو ان اقتصادين فقط في عالمنا اليوم ما زالا يوصفان بالشيوعيين، وهما الكوري الشمالي وكوبا. والجميع يعرف ان مصيرهما محتم أي ان كوبا لا بد وان تنتقل الى النظام الحر بعد كاسترو وربما معه، وان كوريا الجنوبية ستبتلع الشمالية بهدوء تماما كما حصل في المانيا منذ سنوات قليلة. ولا بد من ان تشكل التجربة الالمانية المثال الذي ستبنى عليه كوريا، مستفيدة من تجربتها الكبيرة ومتعلمة من أخطائها. فكلفة التوحيد ستكون كبيرة تماما كما حصل ويحصل في المانيا مع التصحيح البطيء لاقتصاد جانبها الشرقي. أما الاقتصاد الكوبي، فبدأ ينفتح تدريجيا على الاستثمارات الخارجية اذ ان هنالك اليوم اقتناعا عاما بأن الشيوعية الماركسية لا تستطيع تلبية الحاجات المادية المتزايدة للكوبيين. ولا ننكر طبعا ان الضغط الكبير الممارس منذ سنوات من قبل الاميركيين لتسريع انتقال كوبا الى النظام الحر الكامل سيعطي نتائجه الاكيدة قريباً. وفي الواقع حقق النظام السوفياتي نجاحات اقتصادية كبيرة منذ انتهاء الحرب العالمية الاولى وحتى السبعينيات. وترافق النمو القوي مع زيادة في العدالة الاجتماعية واستقرار اقتصادي لافت للنظر، وهذا لم يحصل حتى في أهم المجتمعات الغربية. وكان الخوف كبيرا من امتداد النظام الاقتصادي الشيوعي الى العديد من دول العالم الغربي كفرنسا وايطاليا، وكاد يحصل ذلك. فارتكز النظام على الصناعات الثقيلة التي وظفت اليد العاملة ودفعت بالاقتصاد صعودا. واذا قارنا الوقائع الاقتصادية الاميركية والسوفياتية لسنة 1971، يتبين لنا قوة الاقتصاد الشيوعي حتى بالمقارنة مع أقوى اقتصاد في العالم. فالناتج الوطني الفردي كان 4830 دولارا اميركيا في الولايات المتحدة مقارنة ب2240 دولارا في الاتحاد السوفياتي. واذا قارنا الانتاج الزراعي بين الدولتين لسنة 1971، نشاهد مثلا تفوقا أميركيا في الحبوب واللحوم وتفوقا سوفياتيا في إنتاج القمح والبطاطا، أما في إنتاج المواد الاولية، فأميركا سبقت الاتحاد السوفياتي في إنتاج النفط والغاز الطبيعي والكهرباء، والعكس كان صحيحا فيما خص الفحم والفولاذ. فماذا حصل حتى انقلبت الوقائع وبدأ العد العكسي السلبي والسريع للاقتصاد السوفياتي؟ ان تطور النظام الاقتصادي العالمي باتجاه الخدمات والصناعات الخفيفة والالكترونية او الصناعات المحتوية للتكنولوجيا المرتفعة المتقدمة عجل في أجل الشيوعية الاقتصادية التي لم تستطع التأقلم مع الواقع الجديد، بل حلمت خطأ باستمرار الواقع. طبعا لم تكن الانظمة الشيوعية متشابهة مئة بالمئة وانما كان هنالك حد ادنى من العوامل المشتركة التي تميزت جميعها بها. ان فشل الاقتصاد الشيوعي، بل عمليا زواله بدأ من أواخر الثمانينيات، عائد في رأينا الى العوامل التالية مجتمعة: اولا: المركزية الاقتصادية، أي التخطيط الكامل لكل عوامل وجوانب الاقتصاد من قبل الحكومة المركزية، فالتخطيط بوجهيه الملزم والتوجيهي فشل تماما وكاملا في كل الدول التي اعتمدته. فلا يمكن لأية دولة في العالم ان تمتلك كل المعلومات الكاملة والتفصيلية التي تسمح لها بإدارة الاقتصاد او حتى توجيهه من مركز القرار. ونتعجب من الاصوات العربية التي ما زالت تطالب حكوماتها في العام 2000 بتأسيس وزارات او أجهزة تخطيط او تصميم بعد التجارب الغنية والكبيرة التي حسمت الخيارات في هذه المواضيع. ثانيا: نوعية الانتاج السيئ أي ان الشيوعيين ركزوا على كمية الانتاج وأهملوا نوعيته. فكان يتوجب على الشركات تبعا للخطط المركزية ان تنتج كميات معينة ومحددة من السلع، مما دفعها الى إهمال النوعية وإنتاج العدد المطلوب ضمن الخطة. ومن السهل فهم هذا الواقع بمقارنة مباشرة وسهلة بين نوعية السلع الاستهلاكية المنتجة في أميركا والاتحاد السوفياتي في السبعينيات، والامثلة كثيرة منها الفوارق بين السيارات السوفياتية والاميركية والتي تؤكد على النوعية المتفوقة للسلع الاميركية او الغربية عموما. ان النظام الذي اتبع في الاتحاد السوفياتي والذي ارتكز فقط على الاهداف الكمية للمؤشرات الاقتصادية كان حافزا قويا لتردي النوعية. فما كان ممكنا في الماضي لم يعد كذلك في الثمانينيات والتسعينيات، اذ أصبح في متناول المواطنين الشرقيين في زمن العولمة رؤية ما يستهلكه الغربيون عبر التلفزيون والصحف والمجلات وبالتالي يرفضون ما يقدم لهم. ان غياب الابتكار في الانتاج عجل ايضا في زوال النظام الاقتصادي الشيوعي، اذ لم تستطع الشركات التأقلم مع متطلبات المواطنين وتطور التكنولوجيا في ميادين الاتصالات والمعلومات والمعلوماتية. ثالثا: غياب الحوافز المادية على أنواعها التي تدفع الجميع الى إعطاء أفضل ما لديهم. كما ان التزام السلطة السياسية المبدئي بتحقيق العدالة او المساواة الاجتماعية الكاملة ألغى إمكانية اعتماد نظام حوافز مادية فاعل ومتطور. ففي الايام الاولى للثورة الشيوعية، خاصة في الاتحاد السوفياتي، كان الالتزام السياسي بتحقيق أهدافها الدافع الاكبر للإنتاج والعطاء. وكانت التضحية في سبيل انتصار العقيدة السياسية هي الاساس، اذ كانت الحوافز المادية ثانوية او غائبة في معظم الاحيان. أما الموازين، فلم تنقلب الا بعد ان شاخت الثورة وغاب الوهم ليحل محله الواقع الاقتصادي الاليم. رابعا: كانت الدولة الشيوعية تقدم للمصانع عوامل إنتاج كافية من محروقات ومواد أولية على مختلف أنواعها كي تستطيع إنتاج ما هو محدد لها بل مطلوب منها في الخطة المركزية. وكان هنالك دائما قلق بشأن استمرارية توافر هذه العوامل الاساسية للانتاج، مما دفع بالشركات الى تخزينها تحسبا للمستقبل. فالتخزين كان مجانا أي دون اية كلفة مالية او مادية تذكر. خامسا: فإذا كان ممكنا للنظام المركزي الشيوعي بفضل تطور الاتصالات الحصول على معلومات كاملة بشأن التكنولوجيا الحديثة، فليس بإمكانه تحديث معلوماته بشأن حاجات ورغبات المواطنين او العاملين والموظفين في الشركات المختلفة. كل المعلومات بشأن القاعدة الانسانية في المجتمعات تجمع عبر شبكة تفصيلية لا مركزية تسمح باتخاذ القرارات المناسبة والصحيحة. سادسا: الاسعار الخاطئة، أي غير الناتجة عن عمليات العرض والطلب، فأسعار السلع والخدمات تصبح دون فائدة أي لا تعكس ندرتها، كما ان أرباح المؤسسات المعلنة لا تعد تعني شيئا. والنظام المحاسبي يصبح خاطئا أي لا يمكن تقييم الانتاج والاستهلاك والادخار وغيرها من المؤشرات الوطنية العامة الرئيسية. فكيف يمكن اتخاذ قرارات حكيمة في ظل غياب كامل للمعلومات الصحيحة. سابعا: معظم القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كانت تصدر من السلطة المركزية تبعا للولاء السياسي او لمصلحة استمرار الوضع القائم، فعدم وجود منافسة حرة وشفافة تعطي أفضل النتائج في كل الميادين والقطاعات أطلق رصاصة الرحمة على النظام الاقتصادي الشيوعي.