لم يرضخ سهل عكار لكل محاولات إشعال الفتنة، التي أطلت برأسها مراراً في البلدات والقرى المتداخلة مذهبياً، والمنقسمة سياسياً بشكل عمودي، منذ العام 2005. فكان الوجهاء من الطرفين يشكلون الإطفائية لكل شرارة نار، حاول الكثيرون تأجيجها عبر استفزازات شبه يومية عند أي حدث أمني على الحدود مع سوريا، أو توترات أمنية في بعض مناطق الشمال، فضلا عن بثّ الشائعات التي تحذر من الجار المختلف مذهبياً، والفتاوى التي تدعو إلى التسلح والجهاد ونصرة المستضعفين. وبعيداً من التجاذبات السياسية، والشحن الطائفي والمذهبي الذي ترتفع وتيرته مع أي استحقاق سياسي أو أمني، تحافظ قرى وبلدات السهل، مع بعضها البعض، على علاقات الجيرة وحسن الجوار، إذ، وعلى الرغم من التباينات الواضحة في الموقف السياسي الذي تعمق وتجذر منذ بدء أحداث سوريا، ومن انقسام اللبنانيين بين مؤيد للنظام السوري ومعارض له، فإن خطوطا حمراء قوامها العيش الواحد لا تزال تحكم منطقة سهل عكار. تتلاشى كل الخلافات السياسية أمام المساحات الزراعية الشاسعة التي تبدأ من بلدة تل عباس، المقسومة بين غربي وشرقي، مروراً ببلدة الحيصة والمسعودية، حكر الضاهري، تل بيري، تلحميرة، السماقية، العبودية، العريضة، ضهر القنبر التي يسكن غالبيتها مواطنون علويون مع جيرانهم السنة، الذين يتوزعون على بلدات الشيخ عياش، الشيخ زناد، تلمعيان، تلحياة، سرار، بلانة الحيصة، القليعات. ينكب أبناء المنطقة على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم على زراعة السهل، وجني المحاصيل بهدف كسب لقمة العيش. فلطالما تقاسم أهالي سهل عكار من سنة وعلويين الفقر والإهمال، وتجاهل المعنيين المزمن لمشاكلهم الاجتماعية وهمومهم الاقتصادية، فوَحَّدَهم البؤسُ الظاهر على طبيعة حياتهم، والمنازل التي يقطنونها والطرق التي يبدو بأنها شقت بحكم الضرورة يوم كان للآغوات سطوة وسلطة في سهل عكار الذي كانت ملكيته تعود لعائلات العلي، العبود، المرعبي، القدور والعثمان. إلا أن خصوبة سهل عكار لم تنعكس على تلك القرى التي تمتاز بحرمان مزمن جراء تخلي الدولة عنها، الأمر الذي حول أنظار المواطنين إلى الداخل السوري، مثلهم مثل غالبية القرى الحدودية، فلجأوا إلى سوريا طلباً للعلم والاستشفاء، وأقاموا التجارة البينية على الحدود، فضلاً عن المؤسسات التجارية والمصرفية التي ازدهرت بالقرب من المعابر الرسمية في الشمال (العريضة والعبودية)، وتحديدا معبر العبودية، الذي يعد المعبر الأول في الشمال، فتنشط عبره حركة الترانزيت بين لبنان والبلدان العربية. بمحاذاة مجرى النهر الكبير الفاصل بين لبنان وسوريا، تتوزع قرى سهل عكار الثماني عشرة. تبدو المسعودية التي يطلق عليها «عاصمة العلويين»، كونها أكبر تجمع للعلويين في عكار، وتضم 4400 نسمة، واضحة في خياراتها السياسية، حيث ترتفع صور الرئيس السوري بشار الأسد جنباً إلى جنب مع الأمين العام لـ«الحزب العربي الديموقراطي» علي عيد، وابنه رفعت. المشهد أكثر ألـــفة في قــــرى وبلـــدات السماقية، العبـــودية، العريــــضة، حيث تتجاور صور الرئيس الحريري والشهيد وســـام الحسن، مع صور الرئيــــس بشار الأســــد وعلي عــــيد، في الأحيـــاء التي تضــــم أبناء المذهبـــين، البـــاب على البـــاب، ولا يحـــلو للجـــار إقـــامة الأفراح إلا بحـــضور جاره، وكـــذلك الحـــال في أوقات الأحزان. في حكر الضاهري، ترتفع صور الشهداء الذين سقطوا في جبل محسن، وتحديداً صورة المربي سليمان البريصي وإبن أخته العسكري علي عيسى العلي اللذين قضيا إثر خروجهما من جبل محسن بعدما قصداه للاطمئنان على عائلتهما، خلال جولة العنف الـ 16 في طرابلس. الجميع شارك في تشييع الشهيدين وفاعليات الطائفة السنية استنكروا الاعتداء الذي استهدف مدير «مدرسة حكر الضاهري»، الذي لطالما عرف بتفانيه في عمله وحبه لأبناء المنطقة من دون تمييز. ولبلدة الشيخ عياش حصتها أيضا من «الشهداء»، فترتفع بعض الصور واللافتات للشاب أحمد شهاب (35 عاماً)، الذي سقط في مدينة القصير، «تمنى الشهادة في سبيل الله فنالها»، عبارة مكتوبة على إحدى الصور القليلة المرفوعة عند مفترق الحي الذي يقود إلى منزل العائلة. في البلدة تكتم شديد حول الحادثة، إذ وعلى الرغم من أن العائلة أقامت مجلس عزاء «لشهيدها»، إلا أنها لا تحبذ الحديث عن الموضوع، «ففي النهاية نحن نقطن في منطقة متداخلة ولا نريد مشاكل مع الجوار بسبب خلافات سياسية»، كما تقول عائلة شهاب. «لا نخاف من الجار بل من الأغراب في المنطقة»، عبارة يرددها فاعليات سهل عكار على اختلاف انتماءاتهم السياسية والمذهبية. يتفق الطرفان على ضرورة محاربة الفتنة، والقرارات تتخذ «شورى» في ما بينهم وذلك عبر اجتماعات تعقد دوريا في مركز «اتحاد بلديات سهل عكار» في كفر ملكي، الذي يرأسه خالد فياض. تتكثف اللقاءات في أوقات الأزمات وتحديدا عندما تشهد طرابلس توترات أمنية بين منطقتي جبل محسن وباب التبانة، وذلك خوفا من نقل الاقتتال المسلح إلى قرى سهل عكار. «الشائعات كثيرة والفتنة جاهزة»، يقول رئيس بلدية تلبيرة عبد الحميد صقر، فيجري بث شائعات وشائعات مضادة في الوقت نفسه بهدف جرّ الفريقين إلى الاقتتال، لكن فاعليات المنطقة يعملون فورا على «تدارك الأمور وضبط الشارع». ويضيف: «لا يمكننا أن ننكر أن الخوف تملك العقلاء من كلا الطائفتين في الفترة الأخيرة بسبب طول الأزمة في طرابلس وخروجها من المحاور التقليدية، خصوصاً أن بيانات عدة خرجت تؤكد الهجوم على القرى العلوية وتحريرها وتهجير العلويين منها، وضمها إلى ما يسمى بـ«ولاية الشام». وفي الوقت نفسه، خرجت بيانات تؤكد أن العلويين يتسلحون ويستعدون للهجوم على السنة. وكان من الطبيعي أن نأخذ البيانات على محمل الجدّ، كي لا نقع في المحظور، وكنا دائما ننجح في ضبط شبابنا، وتوجيه رسالة إلى المندسين مفادها اننا موحدون لا يفرقنا شيء». «نحن جيران وأحباب منذ سنين طويلة» يقول مختار السماقية (غالبية علوية) عبد الله درويش، مؤكداً «أن الخلافات السياسية شيء والعيش المشترك شيء آخر، وكل ما يشاع عن قرى السهل غير صحيح، وبعض القرقعة لا تولد طحينا لأن الوجهاء وفاعليات المذهبين أكبر من أي فتنة تحاك للمنطقة». ويضيف: «الاعتداء على الآخر غير موجود في قاموسنا. ونحن نعيش تحت كنف الدولة وغالبية شبابنا في المؤسسة العسكرية». أما عن الوضع في سوريا فيؤكد درويش «أن شيئا لم يتغير بالنسبة لنا، حركة العبور من والى سوريا لا تزال كما هي، والناس يقصدون الداخل السوري للحصول على خدمات الاستشفاء»، لافتاً إلى «أن لقمة العيش لا تميز بين علوي وسني. والدليل أنني رافقت بنت الجيران ندى وهي من الطائفة السنية إلى محافظة طرطوس، حيث أجرت عملية جراحية لاستئصال الزايدة بـ400 ألف ليرة لبنانية، بينما لو كانت ستجريها في لبنان لكانت ستدفع ثلاثة أضعاف المبلغ». تكثر الشائعات حول بلدات تلمعيان، تل حياة، بلانة الحيصة، القليعات، الشيخ زناد، وهي جميعها قرى سنية واضحة في خياراتها السياسية الداعمة لـ«تيار المستقبل»، ولـ«الثورة» في سوريا. إلا أن فاعليات تلك البلدات لا تتأخر في أخذ أي مبادرة لدرء الفتنة والمحافظة على أمن منطقة السهل عموما، وهي تؤكد «أن لا وجود لقطيعة مع جيراننا مهما كانت الأسباب، والدليل أن اجتماعات رؤساء البلديات المنضوية ضمن «اتحاد بلديات سهل عكار»، تعقد دوريا بمشاركة كل الأطراف وكل مرة في بلدة مختلفة. وذلك بحضور رئيس «اتحاد بلديات سهل عكار» خالد فياض، الذي يؤكد بدوره «أن قرى وبلدات سهل عكار اعتادت على العيش مع بعضها البعض، وأهلها ورثوا حبّ الجار عن أجدادهم. ولا يمكن للخلافات السياسية مهما تعمقت أن تفرق بين الأخوة»، مشيراً إلى «أن بعض الإشكالات البسيطة التي وقعت على مدار الأعوام الماضية ليست ذات أهمية ونحن نقوم بمعالجتها على الفور منعا من دخول طابور خامس واستغلال الأمور». حق حصري تتربع بلدة حكر الضاهري على حرف مجرى النهر الكبير، بالقرب من الجسر التاريخي الذي يربط بين لبنان وسوريا الذي يشكل ممراً لعبور مئات الفلاحين اللبنانيين إلى الأراضي الزراعية المملوكة وفقا لسندات عقارية، باسم أهالي بلدة حكر الضاهري، التي لها 285 هكتاراً داخل سوريا، و20 هكتاراً داخل الأراضي اللبنانية. الأمر الذي أعطى صك براءة لأهالي حكر الضاهري دون سواهم حتى بعد قيام الجيش السوري بتشديد الإجراءات الأمنية على الحدود. ويشهد الجسر عبور مئات الفلاحين والأساتذة والعمال، الذين يبرزون الاستمارات الخاصة بهم، والتي يحدد فيها: الهوية، طبيعة العمل، إفادة من المدرسة أو المعمل في لبنان. أما الفلاح اللبناني ولأنه مالك داخل سوريا فيحظى بكل حقوق الفلاح السوري، لجهة دعم المزارع بالمازوت والبذار، والتعويضات، والتسليفات الزراعية. حتى أن المحاصيل الزراعية يتم بيعها في بلدات السودا، الرنسية، خربة الأكراد، كرتو، شاص وغيرها من البلدات الواقعة ضمن نطاق محافظة طرطوس. «لدينا حق حصري»، بحسب ما يؤكد مختار حكر الضاهري علي عبد العزيز علي، لافتاً النظر إلى «أن أبناء القرى المجاورة في سهل عكار حاولوا أن يحذوا حذونا، ولكن لا يمكنهم ذلك، لأن لأبناء حكر الضاهري في سوريا أكثر مما لهم في لبنان وغالبية أراضينا هي في الداخل السوري، وبالتالي نحن نعتاش من سوريا، ونحسد على هذا الأمر، لأن المزارع اللبناني لا يحظى بالتقديمات التي يحظى بها ابن حكر الضاهري من السلطة السورية. وضع معيشي سيئ اللعنة الكبرى طالت أهالي القرى الحدودية في سهل عكار بسبب الإجراءات التي اتخذتها السلطات السورية، لجهة إغلاق الحدود عند معبرَي العريضة والعبودية في الشمال، بوجه الشاحنات المحملة بالضائع، فمعبري العبودية والعريضة يعدان المنفذ الأساس لمختلف مناطق الشمال إلى سوريا، ومنها إلى باقي الدول العربية. تغير المشهد في بلدة العبودية (40 في المئة من السكان هم من العلويين) 90 درجة، عمّا كان عليه قبل الأحداث في سوريا، حيث تغيب مظاهر الزحمة وتنعدم حركة العبور بين البلدين، إلا في ما ندر من قبل شاحنات النقل الخارجي التي عمد غالبية سائقيها إلى تغيير وجهة سيرهم عبر منطقة المصنع، كما تغيب الباصات السياحية التي كانت تنشط في نقل الركاب عبر سوريا إلى مختلف الدول العربية. لا شيء يوحي لسالكي الطريق البحرية انطلاقا من منطقة العبدة أو بوابة عكار كما كان يطلق عليها، مروراً ببلدات السهل وحتى الحدود اللبنانية ـ السورية عند معبر العبودية، أن هذه الطريق «دولية». وبات مشهد طوابير السيارات الخاصة وزحمة اللبنانيين الذين كان يعجّ بهم معبر العبودية طيلة أيام الأسبوع، من مشاهد الماضي التي يذكرها يومياً أصحاب المؤسسات التجارية بحسرة كبيرة على الحال التي وصلوا إليها، بعدما أجبرت مؤسسات عديدة على التخلي عن موظفيها، في محاولة لخـــــفض حجم التكاليف مقــــابل تدني حجــــم الإنتاج. وتختصر تلك الحركة بموقعها ومكانها كل حركة العبور بين لبنان وسوريا، فالعبودية هي المنفذ الأساس في الشمال لمئات الشاحنات اللبنانية المغادرة إلى سوريا أو المعدة للتصدير الخارجي والترانزيت، حيث يوجد معبران إضافيان في الشمال، هما العريضة في ساحل عكار، والبقيعة، أو ما يعرف بـ«معبر جسر قمار» في وادي خالد. ولكن المعبرين غير مجهزين لشاحنات النقل الخارجي، حيث يتم عبور الأشخاص والسيارات الخاصة فقط. «دفعنا ثمن الثورة في سوريا غاليا»، يقول صاحب مكتب التخليص الجمركي مفيد المصموعي، من بلدة العبودية، مؤكداً «أن خسارتنا منذ عامين فاقت الـ80 في المئة. فقد كنا ننجز ما يقارب الـ20 الى 50 معاملة في اليوم. أما اليوم فلا ننجز أي معاملة، ذلك الوضع أثر على المستثمرين من كلا الطائفتين». وأكد «نحن جميعاً في مركب واحد. ونحن ندرك أنه إذا غرق أحدنا فسوف يغرق الآخر بكل تأكيد، والهمّ اليوم هو في كيفية تحسين الواقع الاقتصادي، لأن المؤسسات التجارية باتت عاجزة عن الاستمرار في ظل الواقع القائم، كما أن البعض منها قد أقفل كليا».