As Safir Logo
المصدر:

»المردائيون (المردة)« لعادل إسماعيل المردة آريون والموارنة ساميون

المؤلف: بزون احمد التاريخ: 2000-06-12 رقم العدد:8623

الكتاب: المردائيون (المردة): من هم؟ من أين جاؤوا؟ وما هي علاقتهم بالجراجمة والموارنة؟ الكاتب: عادل اسماعيل الناشر: دار النشر للسياسة والتاريخ، بيروت .0002 يتبين لقارئ المؤرخ عادل اسماعيل في كتابه الجديد »المردائيون (المردة)«، بالفعل، كم ان ما يعتبر من الثوابت اللبنانية ما زال عرضة للاهتزاز، وان ما يرد في تاريخ لبنان المعاصر من مسلمات يحتاج الى الكثير من التصويب والتدقيق. فموضوع المردة وتاريخهم تؤسس عليه نقاشات في سياسة وسلوك طائفة أساسية في لبنان هي الطائفة المارونية، فالآراء المتباينة حول تاريخ المردة هي في حد ذاتها صورة عن الخلافات السياسية حول طبيعة انتماء لبنان الى المنطقة العربية او انفصاله عنها، او على الأقل صورة لطبيعة علاقة طائفة بمحيطها. الآراء التي يناقشها عادل اسماعيل في كتابه تدخل في ما يحيط تاريخ المردة من »خرافات وأساطير وأوهام«، حول مواطنهم وتطابقهم او انفصالهم عن الموارنة والجراجمة. الموضوع معقد بسبب عدم توفر وثائق ثابتة لتوكيد وجهات النظر المتقابلة، لكن عادل اسماعيل هنا يحاول قدر الامكان ان يكون مقنعا ومتساهلا في أسلوب معالجته لموضوع شائك. المردائيون والعرب يرتكز المؤلف في بحثه على مصادر يونانية، متوقفا عند أبرز مؤرخ يوناني ذكر المردائيين ودعاهم »المردائيتاي« في كتابه »تاريخ الاحداث الجارية« هو تيوفاس الذي اعتبرهم جنودا نصارى كانوا في خدمة الامبراطور البيزنطي وأنهم محاربون أشداء »زرعوا الرعب في مختلف أنحاء المنطقة الممتدة من بيت المقدس الى شمال سوريا«، ووصفهم بأنهم كانوا يشكلون »الجدار الفولاذي المنيع« لحماية الامبراطورية البيزنطية ضد الزحف العربي القادم من الجنوب أثناء الفتح، أي من البلاد السورية والعراق. ويعتبر تيوفاس ان المردائيتاي كانوا مزعجين جدا للدولة العربية، وهو قدّم معلوماته بعد 130 سنة من الاحداث التي تكلم عليها، مستفيدا من وثائق رسمية، أي انه كان أقرب مؤرخي المردة الى تاريخهم، على ان المصادر اليونانية حسب اسماعيل تحدد هوية المردائيتاي بأنهم اسم واحد لشعب واحد، نفذوا إرادة قيصر الروم بمغادرة مناطقهم في جبال لبنان والمواقع المجاورة، وقبلوا ان ينتشروا في مناطق بعيدة عن حدود الدولة العربية، وذابوا بعد ذلك في شعوبها (ص25). يستخدم اسماعيل هذا الاستنتاج من كتاب تيوفانس للرد على البطريرك الماروني اسطفان الدويهي والأب لامنس والمطران يوسف الدبس والأب بطرس ضو، وكذلك المؤرخ الألماني نولدكه، الذين اعتبروا ان المردائيين هم أنفسهم الموارنة وان هذين الشعبين هما شعب واحد. قبل ذلك عمد المؤلف هنا، الى فتح المصادر العربية التي أتت على ذكر الموضوع من قريب او بعيد، خالصا الى ان البلاذري والمؤرخين العرب أمثال المسعودي وابن الأثير والطبري والسيوطي وياقوت والوافدي وابن عساكر... تحدثوا جميعا عن »الجراجمة« ولم يأت أحد منهم، لا قولا ولا تلميحا، على ذكر المردائيتاي، وان الجراجمة كانوا أحيانا في خدمة الفاتح العربي كعيون وجواسيس، وأحيانا ينقلبون عليه ويتعاونون مع الروم (ص44)... هؤلاء الجراجمة، الذين اعتبرت المصادر الاكليريكية المارونية التي ناقشها المؤلف واعترض عليها، انهم يتطابقون مع الموارنة والمردة وانها تسميات مختلفة لشعب واحد. وبالمرور بما قاله ابن العبري الذي اعتمد على ما قال تيوفانس والمصادر اليونانية في الموضوع، نأتي على الترجمة العربية لكلمة »مردائيتاي«، التي أصبحت »مردة« في صيغة ابن العبري معتبرا الصيغة صوتية اسمية، من دون ان يكون لها أي معنى او صفة، فهو لم يفسرها كما فعل البطريرك اسطفان الدويهي الذي أراد اشتقاقها من فعل »تمرّد«، وهي ليست نفسها كلمة »مردة« في قاموس اللغة العربية التي هي جمع »مارد« (ص48، 49). المصادر المارونية ناقش موضوع المردة أحبار كبار من الطائفة المارونية ومؤرخون كانوا جميعا من رجال الدين المسيحيين، يأتي الكاتب على ذكر آراء العديد منهم أمثال البطريرك اسطفان الدويهي وأساقفة ابن القلاعي والسمعاني والحاقلاني ونقولا مراد والدبس ودريان، والأب بطرس ضو من الكنيسة المارونية، كما ذكر مؤرخين من الارساليات الاجنبية الكاثوليكية أمثال الآباء شيخو ولامنس وتوتل والكرملي. رأى اسماعيل ان عددا من هؤلاء أجمعوا على توكيد التطابق بين الموارنة والمردة والجراجمة وعلى انهم شعب واحد بتسميات مختلفة. واعتبر في ذلك التوجه انحيازا لحركة قومية كانت تتماشى وانبعاث الفكرة القومية في أوروبا والعالم العربي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ثم في الثلث الاول من القرن العشرين. واجهتها، في الاوساط الفكرية المسيحية أفكار علمانية، برعاية البساتنة واليازجيين وعدد آخر كبير من الأعلام الموارنة في لبنان وبلاد المهجر، دعت الى بعث القومية العربية على أنها أفضل غطاء فكري إتني وتاريخي واجتماعي للطوائف المسيحية في الشرق للتخلص من الحكم العثماني (ص54). البطريرك الماروني اسطفان الدويهي أبرز المؤرخين اللبنانيين الذين أثاروا، في القرن السابع عشر، قضية المردائيين (المردة). واعتبر، في كتابه »تاريخ الموارنة«، »ان الموارنة وصلوا الى أرمينيا من أجل تدمير الجدار الفولاذي المنيع. ولهذا السبب سمّوا بالمردة أي المتمردين الثائرين العصاة، لأنهم رفضوا الخضوع لأوامر الامبراطور البيزنطي جوستينيانوس ولم يقفوا في وجه تقدم العرب والمسلمين. هذا التفسير أيده البطريرك بولس مسعد في كتابه »درة المنظوم« وكذلك المطران يوسف الدبس في كتابه »الجامع المفصل« وفي دراساته التاريخية الاخرى. ورأى اسماعيل ان الاثني عشر ألف مقاتل الذين نقلهم جوستينيانوس الثاني من جبل لبنان ووزعهم على جزر البيلوبونيز وعلى مناطق أرمينيا وبمفيليا وأضاليا وغيرها من مناطق آسيا الصغرى وبلاد القفقاس، لم يكونوا موارنة وإنما كانوا من المقاتلين المردائيين الذين سماهم ابن العبري المردة كمرادف لفظي مستعرب او سرياني لكلمة مردائيتاي اليونانية (ص58). ويرد الكاتب على رأي المطران يوسف الدبس الذي يطابق بين المردة والجراجمة والموارنة ويعتبر أنهم كانوا من سكان جبل لبنان، مفصلا ما جاء عن تاريخ المردة متناقضا مع تاريخ الموارنة، »فلم تذكر المصادر البيزنطية او العربية السريانية ولا مصادر المستشرقين، ان الموارنة كانوا مسيطرين، في النصف الثاني من القرن السابع الميلادي، على المنطقة الممتدة من جبال الجليل الى جبال أنطاكية، لأن الموارنة كانوا، كما يؤكد معظم المؤرخين، مقيمين آنذاك في منطقة وادي العاصي ولم ينقلوا الى لبنان الا على دفعات متتالية تم أهمها في القرن العاشر الميلادي. وما نعرفه ويؤكده المؤرخون البيزنطيون، وفي طليعتهم تيوفانس، هو وجود المردائيتاي في تلك المنطقة. ولو كان الموارنة هم المردة لذكر أولئك المؤرخون اسمهم ولو مرة واحدة. وهذا ما لم يحصل« (ص69). بين العاصي وبلاد فارس واذا كان المردة هم الموارنة فهذا يعني أنهم لم يأتوا الى جبال لبنان من وادي العاصي فقط، وانما أيضا من شمال بلاد فارس، وميريا، وبمفيليا وأرمينيا وغيرها من بلاد القفقاس. وهذه النظرية تخالف أقوال المؤرخين الذين يؤكدون ان الموارنة نزحوا الى لبنان من وادي العاصي شمال سوريا، موطنهم الاول حيث نشأ مار مارون وتلامذته، وكان لهم فيه كنائس وأديرة عديدة مزدهرة (ص77). ويشيد الكاتب بالحس النقدي للأسقف الماروني يوسف دريان (المتوفى العام 1920) الذي اعترض على المطابقة بين الجراجمة والمردة والموارنة ورفض اعتبارهم شعبا واحدا، بل أكد انهم شعوب مختلفة، ويعتبر انه (أي دريان) كان يملك نزاهة علمية جعلته يرقى فوق أي اعتبار قومي او طائفي (ص79). واعترض الكاتب على مقولات الأب بطرس ضو المطابقة لمقولات الدويهي ودبس، وعلى كلامه حول دور المردة في الدفاع عن »القضية المسيحية في الشرق« واتهمه بتسييس مسألة المردة لمحاولة ربطها بأحداث وظروف الحرب اللبنانية التي اشتعلت العام 1975، بل اتهمه بالتحريض لدى قوله في »تاريخ الموارنة«: »واليوم لن يحفظ كياننا وحريتنا الا قوتنا الذاتية، قوة إيماننا وقوة سلاحنا وقوة اتحادنا وقوة وقوفنا صفا واحدا بوجه الخطر ببسالة وشجاعة. فعلى كل ماروني ان يكون جنديا بالمعنى الروحي والمادي مثلما كانت الحالة في أيام المردة الأبطال..«. وردا على اعتبار الأب ضو تاريخ الموارنة تاريخ قتال وحروب رأى عادل اسماعيل في الموارنة »شعبا مسالما، متحضرا، متسامحا وبنّاء« (ص113)... »وهم لم يكونوا »ثوارا على مدى التاريخ« وانما دعاة خير وسلام« (ص136). وفي الخلاصة، اعتبر عادل اسماعيل ان المردة وصلوا الى لبنان قبل الفتح العربي، وان كلمة »مردة هي تعريب او سرْيَنة لكلمة »مردائيتاي« اليونانية، ولا تشتق من فعل »تمرّد«. وان لا علاقة بين المردة والجراجمة، فهما شعبان متباينان في العرق والمذهب واللغة، ولا تطابق بين المردة والموارنة، فالمردة آريون من أصل فارسي ميدي، والموارنة ساميون من أصل عربي او آرامي. ويتابع اسماعيل ان المردة يتكلمون لهجات هي خليط من الفارسية والميدية والاغريقية القديمة، والموارنة يتكلمون السريانية والعربية. والمردة وثنيون تنصروا واعتنقوا، على التوالي، مذاهب متعددة حسب تقلب أوضاع الكنيسة وانتشار الهرطقات في العهود البيزنطية الاولى، أما الموارنة فخلقيدينيون كاثوليك.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة