As Safir Logo
المصدر:

أسياس أفورقي: القامة الطويلة والظل القصير

المؤلف: ابو فخر صقر التاريخ: 2000-06-10 رقم العدد:8621

ليس في افريقيا زعيم اكثر طولا من أسياس افورقي الا عبدو ضيوف. ولا يوجد في افريقيا دولة أفقر من اريتريا الا الصومال. وعلى الرغم من وطأة حرب الاستقلال ومعارك الجوار وانقسام البلد الى مسلمين (52$) ومسيحيين (47$) وأرواحيين (1$)، فإن أفورقي لا ينفك ساعيا الى تأسيس نظام علماني من طراز خاص؛ فهو يحاول ان يطور ضربا من العلمانية بلا ديموقراطية، لأن الاحزاب، في المثال الاريتري، هي صورة من صور الانقسام القبلي والطائفي، وربما تكون العلمانية مخرجا ممكنا من الانقسام الطائفي الحاد، وطريقة يمكن اختبارها للوقاية من حروب اهلية مقبلة. العلمانية، بحسب أفورقي، جسر للعبور من اريتريا ذات التاريخ المنقسم الى اريتريا المتطلعة صوب الانصهار والوحدة. وهي، في الحال الاريترية، ليست عقيدة بل اداة. انها السلم الامثل للارتقاء الى دولة متماسكة في منطقة شديدة الانقسام والتخلف. ومع ان الرجال طويلي القامة صاروا بلا فائدة منذ اختراع السلم، الا ان أسياس افورقي، الطويل القامة، يجازف بعلمانية شكلية فقط؛ فهو، على سبيل المثال، قرر ان تكون العطلة الاسبوعية في بلاده يومي السبت والاحد. وهذا القرار أثار غضب المسلمين، فانقلب قراره »العلماني« الى نقيضه، أي الى تحفز طائفي وتوثب ديني مضاد، وزاد الانقسام الداخلي حدة والنسيج الاجتماعي تهتكا. الماركسي المختلف ولد أسياس أفورقي في أسمرة سنة 1946، ونشأ في عائلة كثيرة العدد تعتاش على المرتب الحكومي البسيط للوالد الموظف. وبعد ان أنهى دراسته الثانوية التحق بجامعة أديس أبابا، لكنه لم يلبث ان غادرها ليلتحق بجبهة التحرير الاريترية. وعندما سافر الى سوريا سنة 1966، التقى عثمان صالح سبي الذي تمكن من تأمين التحاقه بدورة عسكرية في الصين بمساعدة سورية. قرأ أفورقي بعض الادبيات الماركسية في جامعة أديس أبابا، وبدأ مع رفيقه رمضان محمد نور، في اثناء تدريباتهما في الصين، التخطيط لتأسيس حزب ماركسي لينيني. ثم تابعا، بعد العودة الى ارتيريا، انشاء الخلايا الأولى. وفي العام 1970 أسسا في عدن نواة الحزب الذي عمل أفراده في اطار الجبهة الشعبية لتحرير اريتريا التي ظهرت الى الوجود جراء الانشقاق على قوات التحرير الاريترية سنة 1976 حيث تولى رمضان محمد نور موقع الامانة العامة فيها. وعندما اصبح افورقي الامين العام للجبهة سنة 1987 أعلن حل ذلك الحزب وذوبانه في الجبهة الشعبية. العربي المختلف كانت سوريا أول دولة عربية احتضنت الثورة الاريترية ودعمتها بالتدريب والسلاح والاعلام، وفتحت لها المعسكرات والمكاتب والمنشآت الخاصة بالجرحى، ووضعت حقيبتها الدبلوماسية تحت تصرفها في بعض الاحيان. ولم يقتصر الدعم على سوريا وحدها، بل ان منظمة التحرير الفلسطينية واليمن والعراق ساندوا الثورة الاريترية ايضا. وأسهمت هذه المساندة المتمادية في تمكين مقاتلي الجبهة الشعبية من الاطباق على العاصمة أسمرة في أيار 1991. لكن، ما ان اوشكت اريتريا على اعلان استقلالها رسميا في أيار 1993، حتى كانت الامور تنقلب رأسا على عقب. ففي شباط 1993 فوجئ الجميع بوصول أفورقي الى اسرائيل مغمياً عليه، وكانت الذريعة انه اضطر الى الانتقال الى اسرائيل لتلقي العلاج العاجل جراء اصابته بالملاريا الاستوائية. تراجع حضور الثورة الاريترية كثيرا في عهد الدكتاتور الأثيوبي منغستو هيلا مريام، وكادت هذه الثورة تخبو تماما. فالاتحاد السوفياتي كرس هايلا مريام ثوريا ماركسيا ومسحه بدهن الاممية، ثم أوقف دعمه للاريتريين. وانثنت كوبا وجمهورية اليمن الديموقراطية الى دعم النظام الاثيوبي الجديد. وفي هذه الاجواء راح أسياس أفورقي يقدم نفسه عربيا متحمسا مناهضا للحكم في عدن وللسياستين الكوبية والسوفياتية في افريقيا، فنال حظوة لدى بعض الحكومات العربية وتلقى دعمها. لكن أفورقي ما عتم بعد ان اقتحم الثوار الاريتريون أسمرة في أيار 1991، ان أدار ظهره للعرب، فاستبعد العرب الاريتريين من المراتب القيادية في الجبهة الشعبية، وأحل محلهم التيغرينيين، ورفض الانضمام الى جامعة الدول العربية، ومنع تدريس اللغة العربية واستعمالها في المعاملات الرسمية وفي دوائر الدولة الجديدة. من نكران الذات إلى نكران الجميل قاتل أسياس أفورقي 24 عاما متواصلا من اجل حرية اريتريا، وحاز احترام الكثير من القوى السياسية والثورية في العالم، وفي مقدمها الثورة الفلسطينية. ومن غرائب الامور ان أسمرة تخلو، اليوم، من سفارة فلسطينية في الوقت الذي توجد فيها سفارة لإسرائيل. ولعل العرب فهموا عروبة اريتريا فهما مغلوطا. ولعل الذهن ينصرف، عند الكلام على العروبة في اريتريا، الى المسلمين فيها، فتصبح العروبة، والحال هذه، مدعاة للانقسام الاهلي لا عامل توحيد وطني. ان الرئيس أفورقي، ازاء هذا الواقع، يرغب حتما في تجنيب اريتريا المزيد من الانشطارات، فتراه يتجاوز مقولة العروبة (= الاسلام) الى العلمانية كإطار يمكنه ان يجمع ويوحد شتات القبائل الصحراوية الاريترية. لكنه، في سعيه المشروع هذا، يحط من قدر العروبة ويعلي من شأن التيغرينية. حتى انه، عندما غزت قواته جزيرة حنيش اليمنية في 15/12/1995، لم يتورع عن الاشارة الى ان أسمرة لا تبعد عن مكة اكثر من 500 كلم، اي في مرمى الصواريخ البعيدة المدى. لم يتمكن أحد من تكسير أنف العسكرية الاريترية الجديدة، والعنجهية التي تطاولت كثيرا بعد احتلال جزيرة حنيش. وذاق ميليس زيناوي طعم العلقم من رفيقه القديم أسياس أفورقي. فالاثنان ترافقا في احدى الدورات العسكرية في كوبا، والاثنان عادا بعد الدورة الى بلديهما وقد صمم كل واحد منهما على قتال منغستو هايلا مريام. أراد زيناوي تخليص اثيوبيا من الدكتاتورية، وأراد أفورقي تخليص بلاده من اثيوبيا. وبدلا من ان يحفظ أفورقي لزيناوي صنيعه بادره بالحرب وتمكن من احتلال بعض الأراضي الاثيوبية. وعند ذلك شعر أفورقي بأن قامته ازدادت ارتفاعا وصارت أطول من قامات الجميع. غير ان زيناوي لم يركن الى الضيم ولم يقعد عن اعداد عدة الحرب. وفي حزيران 2000 كان ميليس زيناوي يمرغ أنف العسكرية الاريترية في الوحل ويعيد أراضيه المحتلة، ويرغم أسياس أفورقي على اعادة النظر في طول قامته كي لا يتوهم انها تطاولت حتى صارت على قياس ظله عند أشعة الغروب.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة