As Safir Logo
المصدر:

لسنا من الماو ماو!

المؤلف: الشهال نهلة التاريخ: 2013-05-22 رقم العدد:12484

تحذير: «كل تشابه بين هذه القصة ووقائع أخرى هو محض صدفة، وغير مقصود». هكذا كان يرد في مقدمة الأفلام قبل أن تفلت الأمور، وتقضي ثقافة «يوتوب» وأقرانها على هذه الاحتياطات القانونية. وقصة الماو ماو التي عادت هذه الأيام إلى السطح مع خروج الوثائق البريطانية من فترة الحجر القانوني عليها، تستحق المتابعة لغِناها بالعبر، ولو أن البشرية جمعاء أثبتت تكراراً أنها لا تعتبِر. ومن يراجع نفسه، يفعل مضطرا بحكم قوة قاهرة، ويسعى أثناء المراجعة الاضطرارية تلك إلى تحوير المعطيات وتشويهها بما يلائم مصالحه، ويخفف الأضرار عنه، كقول المستعمر البريطاني إنها كانت «حرباً أهلية» بدلالة وجود كينيين يقاتلون معهم، ومحاولاتهم حصرها بإثنية معينة وليس بـ«كل» الكينيين (هناك توجد إثنيات لا طوائف... هل يذكركم هذا بشيء؟). فقصة الماو ماو تستحق المتابعة والاهتمام، ليس فحسب من منطلق الشغف بالمعرفة عموماً، بل لتشابه الوقائع بين أمثلة لا رابط جغرافياً أو زمنياً بينها. الموضوع يهمنا لأننا محاطون بإسرائيل ـ انظر الانزلاق اللغوي ذا الدلالة: في الواقع البحت، نحن نحيط بها! ـ التي ينطبق عليها معظم ما يرد في قصتهم، ولأننا نعيش كل يوم وسط ما يجري في حمص وحلب ودرعا، وأخيرا في القصير (هذا إذا لم نذكر سوى سوريا التي وصل فيها «الامر» الى حدود «استثنائية»). في التعابير المتداولة يقال: «لسنا من الماو ماو»، أو «هذا لا يجري في الماو ماو»، بما يوحي في آن بالفظاعة، وبمجاهل غير معروفة وقد لا يكون لها وجود. وهذا بذاته من آثار طغيان السردية الاستعمارية التي تنجح في إحاطة ما تريد بأغلفة من صنعها هي بقصد تجريد الواقع. مارسته هوليوود على امتداد تاريخها، وفي كل أفلام الكاوبوي البطل والهندي الأحمر الشرير، صاحب الطقوس الغرائبية المتوحشة... ثم يُهزم. بينما الماو ماو قصة تخص كينيا، الواقعة على شاطئ افريقيا الشرقي. وتخص فترة حديثة من التاريخ، يمكن القول إنها راهنة، تقع في منتصف القرن العشرين، وليس في قرون غابرة كحالة سكان الأميركتين الأصليين. وهي قصة استعمار وتحرر وطني، رافقتهما كالعادة ممارسات يجري في كل مرة الاندهاش من بشاعتها. التسمية نفسها قُصد منها السخرية والإحالة الى لفظ يوحي بالبدائية، ثم تبنتها حركة «جيش ارض كينيا وحريتها» التي ناضلت بين الفترة من 1952 إلى 1963، تاريخ إعلان استقلال كينيا عن بريطانيا. ويؤرخ لهزيمة تلك الانتفاضة في 1956، ولكن لا يوجد من يمكنه اعتبار استقلال كينيا منحة أخلاقية من بريطانيا، لا نتاج نضال هؤلاء الكينيين. وقد طمعت بريطانيا العظمى بأرض كينيا «الأخصب في العالم»، والملائمة لتربية المواشي، والتي يسمح مناخها للبيض بالعيش فيها بمتعة. ومنذ إعلانها مستعمرة في 1920 (بعد فترة «حماية» بدأت في النصف الثاني من التاسع عشر)، حتى الاستقلال، قال، بكل جدية أو وقاحة (كما تشاؤون) نواب في خطب موثقة في البرلمان إن «شرعية وجود الأرض بيدنا مؤكدة بفعل الإنجاز»، أي بفعل الاستيلاء الواقعي عليها، مما يبدو مبسطاً أمام السردية الإسرائيلية عن «أرض بلا شعب الخ...» وعن الوعد الإلهي. بل قال بعضهم إن «المدرسة الوحيدة هنا هي الرصاص، إخضاع الأفارقة بالسيف»، رداً على بدء السكان، ومنذ 1921، بالتقدم بشكاوى لدى «المحكمة العليا الكينية» (انحراف بريطاني أو ديموقراطي مودرن آخر: ما حاجتهم لإرساء مثل هذه في بلاد تستعمرونها)، تتعلق بمصادرة أراضيهم بكثافة هائلة وبتشغيلهم بالسخرة. المحكمة اعتبرت وقتها المصادرة «شرعية»، وفق القانون البريطاني: انظروا الحلقة المفرغة! (وهل يذكركم ذلك بشيء؟؟). فاوضت وزارة الخارجية البريطانية بالسر، بدءاً من 2002، جمعية من المقاتلين الماو ماو السابقين، ممن بقوا أحياء، إلا أنها ظلت تماطل وتتكلم عن «فظاعات متبادلة» (هل هذا يذكركم بشيء؟؟)، ومسؤولية متقاسمة (وهذا؟)، وتسعى للفلفة الأمر بمنح المتضررين المباشرين ـ وهم طاعنون في السن وفي غاية الفقر ـ تعويضات مالية تسكتهم وتطوي الصفحة بالستر... الى أن وقعت في الحيز العام مطلع هذا العام، الـ8 آلاف وثيقة التي كانت مخبأة بعناية في صناديق مهملة في مركز فرعي، على أمل أن تبقى مغفلة. فيا للقوم المجانين، تجبرهم بيروقراطيتهم، أي البنية المؤسسية للدولة، ووجود أصول متبعة، على توثيق كل شيء! وهو ما يرجح أنه ينطبق على الإسرائيليين الذين ما زالوا يخفون الكثير، بحجة ضرورات الأمن القومي وحالة الطوارئ، ولكن المتحفزين للكشف كثر، وكل القصة / القصص ستنكشف حتماً. بينما نهب الأميركيون الوثائق، فور احتلالهم للعراق، ونقلوها إلى بلادهم، وأخفوها جيداً، وعبثوا بها، وسربوا ما يعجبهم منها، متراجعين بشكل فاضح عن تعهدات بوضعها في الحيز العام، برغم أنها مشوهة حتماً لسيادة الخوف حتى لدى كتبتها. ويقال إن أجهزة الأمن السورية، المتعددة والمتنافسة أحياناً، تحتفظ بكل شاردة وواردة، منذ ما قبل وصول «البعث» إلى السلطة، وإنها بحق تُمثَّل ذاكرة البلاد، الأمر الثمين في ظل أنظمة بوليسية متعاقبة حالت دون امتلاك العامة للمعطيات، بل دون تصدي أي كان للاستقصاء وللأرشفة، وهما مستحيلان في الشروط السائدة منذ عقود... فلا يمتلك سواها الوقائع، بما فيها تلك الأبسط والأكثر براءة، كتطور أعداد التلامذة مثلاً، أو بعض الأرقام الديموغرافية والاقتصادية.. وليس فحسب المعطيات السياسية «الخطيرة». انكبَّ الصحافيون والباحثون على ما ظهر من وثائق. طفت على السطح فظاعات المستعمرين في محاولتهم لقمع انتفاضة السكان (توقعوا أن ينهونها بـ«ثلاثة أشهر»، هل يذكركم ذلك بشيء؟؟). بدت وحشية الماو ماو، مضرب المثل، كنقطة في بحر وحشية السادة البيض المتحضرين، وكرد فعل دفاعي. يا ألله! لقد وضعوا بين 80 ألفاً و300 ألف كيني (انظر الفارق في الرقم الذي يُنبئ ليس فحسب بمحاولات تقليص حجم المذبحة، بل بكيف أن عَدّ السكان الأصليين لم يكن دقيقاً، فهم «كمية» وليسوا أفراداً) في معسكرات يبدو أن بعض الضمائر الحية البريطانية وصفتها من حينها بأنها «غولاغ» على الطريقة الستالينية أو معسكرات إبادة نازية. هناك تُركت تنتشر أمراض وبائية قاتلة كالسل والتيفوئيد، وجرى استغلال من يمكن استغلاله كقوة عمل. واحتجز الأطفال (والنساء أيضاً). وألقيت فوق كينيا في الفترة ما بين 1952 و1956، ستة ملايين قنبلة من الجو!! وبالطبع كان ذلك يجري وسط إعلان حالة الطوارئ (هل...). وتقول المعلومات أن بين المعتقلين الذين عذبوا بتفنن وتعرضوا للإخصاء (للرجال) وللاغتصاب (للجميع)، الجد المباشر للرئيس الأميركي باراك أوباما، المتوفى، الذي روت قصته زوجته سارة. ما يخشاه البريطانيون، أن يضطروا للتعويض عن «حالات» أخرى، لا نهاية لها: اليمن، سوازيلاند في أفريقيا، وغويانا البريطانية، إلى آخر قائمة طويلة. ويساندهم في الامتناع مستعمرون آخرون كالفرنسيين والاميركان وغيرهم. والمضحك أنهم يأخذون الفضيحة بروح رياضية، فيقولون إن المثال «مفيد في إسناد وتعزيز القيم والممارسة الديموقراطية»! عادة ما تجري معاقبة الأطفال على الكذب الفاضح، ولكن ما العمل مع هؤلاء! ... الخلاصة: نحن إذاً من الماو ماو!

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة