As Safir Logo
المصدر:

تشابه «عجائبي» بين الحالتين الجزائرية والسورية!

كتاب جديد يروي «العشرية السوداء»

جزائريون يؤدون عرضاً مسرحياً يتناول احداث الثورة ضد الاستعمار الفرنسي، خلال احياء الذكرى الخمسين للاستقلال في العام 2012. (رويترز)
المؤلف: الادريسي شهاب التاريخ: 2013-05-21 رقم العدد:12483

ثماني سنوات مرت على إقرار «قانون الوئام المدني» في الجزائر، الذي أريد من خلاله قلب صفحة الأزمة الوطنية الكبرى التي شهد «بلد المليون شهيد» ذروتها خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي، وما زال تاريخ هذه الحقبة غامضا، إذ لا يخرج أغلب ما كتب حولها عن التحيز السياسي والحزبي. في هذا السياق، تعتزم الخبيرة في شؤون الإرهاب الدكتورة دالية غانم يزبك نشر كتابها «سوسيولوجيّة العنف في الجزائر»، الذي يشرّح الأزمة الجزائرية، وهو عبارة عن أطروحة دكتوراه لدى جامعة «فرساي» الفرنسية، استغرق تحضيرها أربعة أعوام كاملة من البحث والتقصي حول الحرب المجنونة، التي أودت بحياة 150 ألف قتيل على الأقل. يأتي الكتاب، الذي اطلعت «السفير» على بعض فصوله وأجرت حواراً مطولا مع كاتبته، غنيا بالمعطيات اللافتة، ولا يسع قارئه إلا أن يتوقف عند ذلك الشبه «العجائبي» بين العديد من فصول الأزمة الجزائرية الغابرة ونظيرتها السورية القائمة. تبدو الأزمة السورية سلسلة متصلة من الأحداث الكبيرة المتعاقبة، والمشابهة لـ«العشرية السوداء» في الجزائر. و لذلك تأتي الأوراق المكتوبة عن الأزمة الجزائرية شبيهة لهذه اللحظات: جزئية، لحظية، ملأى بالانفعال، مستثمرة في الموقف العابر، قاصرة عن رؤية الصورة الكاملة والمسار العام. «ربيع الجزائر» يوم الخامس من تشرين الأول 1988، خرجت تظاهرات غاضبة في الجزائر تطالب بالإصلاح وإنهاء حكم الحزب الواحد، وقد سقط فيها 500 شخص، وانتهت بإقرار التعددية السياسية واعتماد الانفتاح السياسي والاقتصادي. اكتسحت «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» صناديق الاقتراع في الانتخابات البلدية في 12 حزيران العام 1990، والجولة الأولى من الانتخابات التشريعية في 26 كانون الأول 1991. مارس الجزائريون التصويت العقابي ضد «جبهة التحرير الوطني»، وتعاطفوا مع الإسلاميين بدافع التديّن الذي ترسخ في المجتمع خلال الثمانينيات، معلقين الأمل على «الإنقاذ» في تحقيق العدالة والمساواة. لم يتأخر رموز «الإنقاذ» في إظهار أجندتهم الخاصة، وهذا ما يفسر خسارتهم لمليون صوت بين الانتخابات البلدية والتشريعية. وقبل إجراء الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية، ألغى الرئيس الشاذلي بن جديد العملية الانتخابية برمتها، وتنحى بعدها عن الحكم. اعتادت أدبيات «الإنقاذ» على تصوير الجنوح إلى العمل المسلح كردة فعل آنية غير مخطط لها إزاء قرار إلغاء العملية الانتخابية، إلا أن الكتاب يشير إلى شواهد تناقض هذا الطرح، فبمجرد فوزها في الانتخابات البلدية، شرعت «الإنقاذ» في حفر الأنفاق في البلديات التي سيطرت عليها، وهذه الأنفاق المجهزة بشكل جيد لعبت دورا محوريا في الأعمال المسلحة فيما بعد. وحيث أن إصدار الهويات الشخصية في الجزائر عمل تتولاه البلديات، فقد استفادت «الإنقاذ» من العمل البلدي أيضا في إصدار ثماني إلى عشر هويات شخصية مزورة لكل مسلح، ما ساعد مقاتليها في التنقل. وقبل العمليتين الانتخابيتين بسنوات، أسس الأصوليون حركات كشفية، نظمت تدريبات بدنية قاسية للفتيان في الجبال ذاتها، التي أصبحت في ما بعد قاعدة للمسلحين. في كثير من المناطق، حظيت الجماعات الأصولية بدعم مادي ومعنوي من غالبية المواطنين: كان بعض هؤلاء يتستر على المسلحين ويعالج جرحاهم، فيما يقدم لهم البعض الآخر الشاحنات حتى يقيموا ما اشتهر يومها بـ«الحواجز الوهمية»، وهي حواجز «طيارة» كانت تنصب على الطرق، للاطباق على كل من يحتمل أن له علاقة بالدولة. بلغ تواطؤ السكان مع المسلحين درجة أن يتصل بعضهم بقوات الجيش والشرطة للتبليغ عن وجود مسلح في منطقة ما، وذلك بغرض استدراجها إلى كمائن محكمة. المتيجة... «ريف العاصمة» هي منطقة ساحلية تمتد على مسافة 100 كيلومتر، من الأطلس التلي حتى مصيف بوزغرة، وتمتد جنوبا حتى جبل شونوا، مع عرض يتراوح بين كيلومترين و18 كيلومترا، وهي تضم 150 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، وقد ساعدت طبيعتها الجغرافية والنباتية المسلحين على الاختباء والتنقل، ليضعوا العاصمة تحت ضرباتهم المفاجئة. تضم المتيجة ما عرف بـ«مثلث الموت» الذي تمتد قاعدته بين بليدة وبومرداس، وتشكل الأحياء الغربية (العشوائية) للجزائر العاصمة رأسه القاتل، الذي يتدلى 16 كيلومترا فوق بلدة بن طلحة الاستراتيجية، باعتبارها المعبر المفتوح إلى داخل العاصمة، التي لم تكن بعيدة عن الاشتباكات التي وصلت في أحد الأيام إلى القصبة في وسط المدينة. اعتمدت الدولة إزاء «المناطق المستقلة» ما يسميه الباحث السياسي الفرنسي لويس مارتينيز بـ«إستراتيجية الاضمحلال»، القائمة على ترك هذه المناطق لمصيرها لتتفسخ من الداخل، حيث انهار الاقتصاد فيها، وأصبحت تحت رحمة فوضى السلاح والمسلحين. في العام 1995، انقلب المزاج الشعبي في «المناطق المستقلة» ضد المسلحين، وكانت الانتخابات الرئاسية في آخر العام نفسه، التي عرفت مشاركة واسعة وأتت بيمين زروال رئيسا للجمهورية، المحطة التي جعلت الانقلاب ناجزا. جاء هذا الانقلاب نتيجة طبيعية لسلوك المسلحين مع المواطنين في مناطق انتشارهم، حيث مارسوا بحقهم القتل والعقاب التعسفي والإذلال: كان يكفي أن تحوم شبهة التعامل مع الدولة حول مواطن ما، بل حتى حول مسلح ما، حتى يصدر قرار سريع بتصفيته. هذه الحجة استعملها قادة المسلحين أيضا في خضم صراعات النفوذ بين الجماعات المسلحة وبين أجنحة الجماعة الواحدة. بدأ السكان يجدون في أحيائهم جثثا ورؤوسا وأوصالا بشرية لمجهولين، ما أثار لديهم شعورا أكبر من التوجس بكثير. مارس المسلحون أيضا كل سياسات التضييق على الحريات الفردية للمواطنين. وبعد تعاظم هذه التجاوزات، سارع مواطنون إلى طلب السلاح من الدولة، مشكلين ما عرف بـ«قوات الدفاع الشعبي»، وهو ما جر على منتسبيها اتهام المسلحين لهم بموالاة «الدولة الكافرة»، لكن هؤلاء كانوا شديدي التحفز، إذ أن طليعتهم كانت من أقرباء أشخاص قضوا على يد «الإرهابيين». بعد ميل ميزان القوى لغير صالح المسلحين، وصدور فتاوى تكفر المجتمع بأسره بعد انتخابات 1995، بدأت مرحلة المجازر الواسعة في الجزائر. دفع السكان ثمنا باهظا لتواطؤ بعضهم سابقا في قضية البلاغات الكاذبة، إذ كثيرا ما التزم الجيش بعدم التدخل رغم وصول نداءات إليه، التزاما بالتعميم الصادر عن قيادته. أكبر المجازر كانت مجزرة ابن طلحة، التي ذبح فيها 189 شخصاً بحسب المصادر الحكومية، و417 شخصا بحسب المصادر الأهلية. كيّفت الدولة تكتيكاتها لمواجهة متطلبات المرحلة: رفعت درجة التنسيق مع «قوات الدفاع الشرعي»، ورفعت واردات السلاح السنوية من 662 مليون دولار في العام 1988، إلى 4,586 مليار دولار في العام 2000. اعتمد الجيش بشكل أكبر على المروحيات الهجومية والطائرات من دون طيار وناقلات الجند المصفحة، وعزز نشاطه الاستخباري في مواجهة المسلحين، وهو ما يفسر أنه باستثناء «أميرين» فقط، فإن حياة «أمراء» المسلحين بعد تنصيبهم كانت تتراوح بين 6 و12 شهرا فقط. بحلول العام 2000، استطاعت الدولة القضاء على الجماعات المسلحة، وأقر «قانون الوئام المدني» باستفتاء عام، لكن ندوب الأزمة ما زالت غائرة في الإنسان والمجتمع الجزائريين. على المقلب الآخر من الوطن العربي، ربما من المبكر جدا توقع ظهور تاريخ واف للأزمة السورية، يستحق هذا الاسم، لكن كتاب غانم يشكل رافدا مهما لمن شاء أن يكتب عن الأزمة السورية من باب التاريخ المقارن، أو حتى لمن شاء أن يقرأ أحواله الآنية من باب إن «العاقل من يتعظ بغيره». شهاب الإدريسي

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة