As Safir Logo
المصدر:

فصل من رواية إبراهيم أصلان «صديق قديم» أو «الصاحبان» غير المنشورة

المؤلف: اصلان ابراهيم التاريخ: 2013-05-17 رقم العدد:12480

ما يقرب من عام ونصف عام منذ أن رحل إبراهيم أصلان، لكن عطاياه لم تنته. ترك أصلان ثلاثة كتب مخطوطة بخلاف مئات المقالات التي كان ينشرها أسبوعيا في جريدة «الأهرام».. الكتاب الأول روايته «صديق قديم جدا» التي نشر بعض فصولها مسلسلة... وكان قبل رحيله قد اعدها للنشر وأدخل عليها العديد من التعديلات.. واحتار في تسميتها. هل يكتفي بالعنوان الذي نشره بها مسلسلا أم يختار «الصاحبان» عنوانا جديدا... لم يستقر على أي عنوان يختار... وفأجأته التكنولوجيا أثناء عمله على الكومبيوتر الخاص به فحذفت الرواية بتعديلاتها الجديدة.. وبقي النص الأول يحتار ابنه هشام في نشره بدون التعديلات أم ينتظر مهندسا بارعا يستعيد الملف المفقود. الكتاب الثاني «انطباعات صغيرة حول حادث كبير».. وهي مشاهدات أصلان عن الثورة المصرية ، كتب فيه أصلان سوى عن تلك التفاصيل الصغيرة غير الدالة على أننا أمام «ثورة» ولكن هناك «جوا عاما» يحرك الأحداث.. سنجد المرأة التي اعتادت تنظيف السجاد من شرفتها.. وتفاجأ ذات صباح بأن دبابة تقف أسفل الشرفة، أو العجوز الذي أغلق بابه عليه وقت الثورة ولم يعد ينظر من شرفته، أو بائع الفاكهة الذي اعتاد أن يضع إلى جوار مقاطف الخضر سَبَتاً خالياً يلقي فيه الثمار المعطوبة كي يتخلص منها آخر النهار، ويأتي رجل عجوز كل صباح ويركع إلآ جوار هذا السَبَت وفي يده سكين صغيرة حادة وينتقي بعض هذه الثمرات ويستأصل ما بها من عطب يتركه بالقفص، ويأخذ ما تبقى منها مهما كان ضئيلا ويسقطه سليماً في حقيبة مفتوحة إلى جوار قدمه، عن بائعة الجرجير التي كان السؤال الذي يشغلها: هو صحيح خد كل الفلوس بتاعتنا وخبأها بره؟ عن الديكتاتورية وكيف يمكن أن تدمر عقلاً بشرياً؟ اما الكتاب الثالث «تمارين على الابتسامة» وهو عنوان اختزنه أصلان طويلا لكتاب ما سوف يكتبه، وجمع الكثير مما كتب تحت هذا العنوان. ويتبقى عدد من القصص القصيرة القليلة التى لا تشكل كتابا مستقلا. ننشر هنا بعض النصوص التى تركها أصلان ولم تجمع بعد فى كتاب. مقاطع من «صديق قديم» 1- بعدما عدت من نيابة الموسكي لم أكن قلقا. كنت وضعت الخطاب بيدي في صندوق البريد الخاص بهم. ليس معقولا أن ينكروا تسلمهم له. جعفر عمران رجل ودود وكلما رآني يسألني: «إيه أسعار البوستة النهاردة؟». وعندما رأيته أمام المبني حدثته عن التحقيق الذي جري وهو تطلع إلي وقال أنه لا يعرف شيئا واقترح أن أسأل البلتاجي وانصرف. وعندما سألت سعيد السفرجي عن البلتاجي قال أنه المدير المسئول عن الشركات ومكتبه في ميدان الأوبرا وأعطاني العنوان. -2- ذهبت إلي ميدان الأوبرا وأخبرت الأستاذ البلتاجي عن الخطاب والنيابة وأكدت له أنني وضعته بيدي في الصندوق وأنه مظروف حكومي صغير ولونه اصفر وهو هز رأسه وقال إذا ظهر خطابا بهذا الوصف سوف أعرف وربت علي كتفي عند الباب وانصرفت. عندما ذهبت وتوفيق إلي المقهي وجدنا خليل المحامي يتفرج علي من يلعبون الدومينو وطوق الجلباب مفتوح علي صدره. أخذناه جانبا وشرحت له كل ما حدث وكتب البيانات علي ظهر ورقة الغلاف الداخلي لعلبة السجاير وتركنا وقام يواصل الفرجة. -3- عندما التقينا خليل مرة أخرى قال إنه رأى جعفر عمران ولكنه لم يتحدث معه وذهب إلي ميدان الأوبرا والتقي البلتاجي مدير الأعمال وتكلم معه. ثم أضاف أنه لم يفعل ذلك إلا بعد ذهابه إلي قسم الموسكي واطلاعه علي المحضر وحديثه مع كاتب الجلسة، وقال أن هذا الخطاب وراءه موضوع خطير جدا. جعفر عمران كان اتفق مع الحكومة علي القيام بمشروع كبير. وكان عليه أن يدفع مبلغا ضخما من المال كثمن أو إيجار أو تأمين، وهو أعد شيكا بهذا المبلغ وأرسله، في ذلك الوقت اكتشفت الحكومة أن العملية ليست سليمة وبها تلاعب، وما أن وصلها الشيك حتي وضعته في مظروف وأعادته اليه مع إنذاره بإخلاء الموقع، وفي الموعد تم الإخلاء فعلا وهو رفع قضية مطالبا بتعويض ضخم، بحجة أنه أرسل الشيك في موعده والحكومة قبلته ولم تعيده له في الموعد المحدد في العقد. خليل قال أنهم يظنون في النيابة أنني قبضت قرشين من عمران وتواطأت معه في هذا الموضوع، وقال أنهم سوف يبعدونني عن منطقة التوزيع بعد عدة أيام، ثم يحولونني إلي خبير الخطوط لمعرفة إن كنت وقعت علي الإيصال أم لا. سألته عما قاله البلتاجي وأخبرني إنه أنكر موضوع الخطاب طبعا ولكنه شعر من الكلام إن الحكومة لو سجنتني فإن الشركة ممكن تعوضني وقلت: تسجني إزاي؟ إنت اتجننت؟ قال: أنا باحكي لك اللي حصل. -4- حولوني إلي مكتب بريد الجيزة لكي أجلس بعيدا عن الخطابات وأقوم بالرد كتابة علي استفسارات الجمهور حول خطاباتهم المسجلة التي لم تسلم سواء كانت منهم أم إليهم، وذلك بالرجوع إلي الدفاتر بتواريخها وإيصالاتها الملصقة. وكان المكتب عبارة عن عدة دكاكين مغلقة الأبواب ما عدا بابا واحدا يطل علي الطريق العام. وأنا كنت أجلس إلي مكتب خشبي صغير في طرقة داخلية بين إحدي حجرات المكتب ودورة المياه. وكان كل من يتجه إليها يمر علي وهو يفك أزرار البنطلون وكل من يغادرها يمر علي وهو يدخل قميصه أو يغلق هذه الأزرار، وفي هذا الممر الضيق كانت الرائحة خانقة ولا تطاق، وكان مقهي في الجانب الآخر من الطريق أمام المكتب مباشرة. كانوا يضعون مقاعد علي الرصيف وأنا خرجت جلست في الهواء علي أحد هذه المقاعد. مع الوقت صار هذا هو موقعي المعروف ومن يريدني يجدني هناك. كنت أحضر صباحا أوقع وأذهب أشرب الشاي أو القهوة وأراقب الناس وأفكر في حكاية الخطاب والنيابة وفي أشياء أخري كثيرة متعلقة بنفس الموضوع. -5- مع ترددي بين المقهي والمكتب،كنت لاحظت واحدا نحيلا يرتدي سترة رمادية قديمة، يعطي وجهه لجدار داخلي ويتكلم وحده كلاما موصولا عبارة عن فحيح غير مفهوم. كنت أراه من الجنب وهو يقوم بحركات عصبية كأن يغلق عينيه ويفتحهما ويرفع حاجبيه أو يضم شفتيه إلي الأمام ثم يسبحهما الي الجانبين ويوسع فمه. كان يشبك يديه وراء ظهره ورأسه حليق بالماكينة. في البداية لم أهتم كثيرا لأن مثل هذه النماذج التي تتحدث للجدران أو لنفسها لا تخلو منها قاعة من قاعات المصلحة. -6- كنت أمضي ساعات العمل جالسا بالمقهي ثم أدخل المكتب أوقع وأعود إلي البيت. وكانت أمي تتجول بالشقة علي غير هدي بعدما عصبت رأسها، بينما إخوتي الصغار يتابعونني في الشقة وقد رفعوا وجوههم الي. كانت هي تستقبلني بعينين شبه دامعتين وكنت أبتسم لها وأحاول أن أخفف عنها وأفتح الراديو الذي أغلقته طول النهار، حينئذ يظهر شيء من الاطمئنان على أخوتي ويلعبون داخل الشقة وخارجها. لم أكن حكيت لأبي شيئا عما جري. كنت أعرف أن أمي حكت له وكذلك توفيق. كنا نبتسم لبعضنا بعضا إذا التقت أعيننا ثم ينشغل كل واحد بأي شيء. كنت آكل وحدي معظم الوقت. قبل خروجي الى المقهي، كنت أراه بعدما انتهي من قيلولته يجلس علي الكنبة في آخر الصالة يلف سيجارته بعناية ويتشاغل بقراءة الجريدة. كان يعرف أصدقائي ويثرثر معهم بينما سيطرت علي علاقتي به حالة من الحرج والارتباك. كنت أحبه بطبيعة الحال وإذا انفردت به لا أجد ما أقوله. كلامه لي أيضا كان ودودا ومقتضبا لا يتيح فرصة للأخذ أو الرد، الأمر الذي كان يرضيني لأنه ينهي انفرادي به في أسرع وقت. كان يتحدث عني مع بعض أصدقائي وتوفيق يخبرني أنه يسأله عني وعن البنات والسهر والمخدرات. لقد انتهي الأمر بأن صرنا نتعايش باستحياء في المرات التي نلتقي فيها داخل الشقة. وعندما كان يقرأ الجريدة كانت أمي ترمقني في لوم وتهمس لي: أحك لأبيك -7- اقتربت متمهلا من الكنبة. جلست وقلت: عرفت اللي حصل؟ قال: سمعت كان طوي الجريدة ووضعها إلي جواره، وثني رجله ووضع مرفقه علي ركبته العالية، بينما تدلت المسبحة من أطراف أصابعه وانتبه لي تماما. كنت أجلس بطريقة غير مريحة لأني استدرت بنصفي الأعلي لكي أوجه كلامي إليه. قصصت عليه ما جري كله في اختصار. رجل أعمال كبير من سكان المنطقة دخل مشروعا مع الحكومة واتفق معها علي دفع مبلغ من المال. والحكومة اكتشفت أنه تلاعب في الوقت الذي وصلها المبلغ المتفق عليه. لو تسلمته في المدة القانونية يصبح المشروع ساريا، لذلك لم تتسلمه بل ردته له بشيك في خطاب حكومي. وأخلوا المشروع ورموا معداته في الأرض العراء. وهو تسلم الشيك وانتظر حتي انتهت المدة القانونية ورفع قضية يطالب بتعويض عن رمي المعدات وتنفيذ العقد لأنه سدد التزاماته في المدة القانونية والحكومة قبلتها. ولما الحكومة قالت إنها ردت له الشيك قبل انتهاء المهلة، قال هو إن ذلك لم يحدث ولم يتسلم شيئا. سمعني وقال: لكن هو تسلم الجواب اللي فيه الشيك. قلت: آه. ووقع على الإيصال؟ هززت رأسي نافيا. التفت الي بعينيه الجميلتين، ومقدمة رأسه الخالية من الشعر. قلت: أنا اللي وقعت وكان عندما يفكر يضم شفتيه ويمدهما إلي الأمام، وبعدما فعل ذلك قال إن خليل المحامي أخبره أن النيابة تظن أن الرجل أعطاك قرشين لكي توقع مكانه. علمت أنه يسأل من ورائي، وقلت له إن خليل المحامي حمار واعتدلت في جلستي. وهو التفت وقال: يعني الرجل لم يعرض عليك فلوسا. قلت: لا طبعا. قال: الله. أمال إيه اللي خلاك توقع. ما أنا قلت لك انه طلب مني في حالة وصول مسجل، أوقع بداله. هز رأسه وقال: أيوه صحيح. وتناول الجريدة. بعدما تركته وقمت، لمحت أمي ترمقني من بعيد. (كاتب مصري)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة