كتاب
يعتبر عالِم النفس مصطفى صفوان (1921) من أهم المحلّلين النفسيين من مدرسة جاك لاكان الذي التقى به العام 1949، وقد أمضى حياته في فرنسا بعدما غادر مصر العام 1946. لم تأتِ شهرة الفيلسوف المصري من تعريبه لسفر سيغموند فرويد "تفسير الأحلام"، ولا من نقله الى العربية "مقال في العبودية المختارة" للمؤلف الفرنسي إيتيان دي لا بويسيه فحسب، وإنما من أفكاره المثيرة للجدل ومطالبته بنشر العامية كلغة كتابة وهو الذي ترجم إلى المصريّة مسرحية عطيل لشكسبير (1998). لمصطفى صفوان قائمة طويلة من المؤلّفات الصادرة بالفرنسية من بينها "الجنسانيّة الأنثويّة" (1976)، و"فشل مبدإ اللّذة" (1979) و"اللاّشعور وكاتبه" (1982)، و"الطّرح وشوق المحلّل" (1988)، و"دراسات في الأوديب" (1994)، و"الكلام أو الموت" (1999) و"ضيق في التّحليل النّفسيّ" (2000)، و"عشر محاضرات في التّحليل النّفسيّ" (2001) و"ندوات جاك لاكان" (2001) و"البنيوية في التحليل النفسيّ" (2001). نُقل كتابه "الكلام أو الموت" الى العربية، أما بقية مؤلفاته فما زالت بعيدة عن القارئ العربي، ربما لأن التحليل النفسي يشكل هاجساً بالنسبة لبعض دور النشر والمعربين. "لماذا العرب ليسوا أحراراً" (دار الساقي ــ 2012) عنوان جديد للمحلل النفسي اللاكاني دخل أخيراً المكتبات العربية، وهو في الأساس نص إنكليزي نقل الى الفرنسية العام 2008. عرّب الكتاب الجديد أستاذ علم النفس في الجامعة اللبنانية سابقاً مصطفى حجازي، وقدم له مقدمة وافية، سعى فيها لإبراز أهم الإشكاليات والفرضيات التي عمل عليها صفوان في قراءته لثلاثية اللغة والكتابة والاستبداد في العالم العربي. وكي نعطي المقدمة حقها العلمي من المهم التدليل على بعض المصطلحات والخلاصات الأولية التي خرج بها صاحب الأطروحة الشهيرة "التخلف الاجتماعي وسيكولوجية الإنسان المهدور"، إذ يتحدث عن اللاوعي الثقافي على غرار اللاوعي الفردي، وعن ثلاثية التجريم والتحريم والتأثيم الهادفة الى إخضاع الجماهير وغرس أخلاق الطاعة. يدعو المؤلف لإحلال العامية الى جانب الفصحى، لغة السلطة، ويقرأ البنى التي تؤبد الاستبداد في العالم العربي عبر منهجية تفسيرية متعددة الجوانب. تأتي أهمية الكتاب بتزامنه مع التحولات المفصلية التي تمر بها دول الحراك العربي وما أنتجته من تداعيات على مستوى الحضور الكثيف للسلفيات والأصوليات الإسلامية التي درسها صفوان في "إشكاليات المجتمع العربي ــ قراءة من منظور التحليل النفسي " وهو عمل مشترك مع البرفسور في علم النفس عدنان حبّ الله. تنهض فرضيته الأساسية على تفسير العلاقة بين اللغة والكتابة والقهر السياسي. لا يتوانى المؤلف عن رصد تجليات المكبوت السلطاني/ اللغوي على اعتبار أن العربية الفصحى تقف حاجزاً أمام فهم العامة للنصوص المتعالية ومن ضمنها القرآن. ينقد صفوان مقومات الاستبداد السياسي وأركانه في العالم العربي من زوايا عدة. لا يكتفي في قراءة أسانيد الطغيان على المستويات التقليدية المعروفة، إذ يقدم تحليلاً لعلاقة السلطة باللغة والكتابة والنصوص وتجييرها لترسيخ سلطة المستبد. الفصحى التي أحبها لم تمنعه من الرهان على ضرورة إيجاد أدب رفيع من اللغة الدارجة. يرى المؤلف أن "لغة القلة النخبوية" تخدم السلطة واستبدادها وسيطرتها على الجماهير"، ما يستدعي تبسيط الأنا اللغوي المتعالية عبر نقل النصوص الدينية والقانونية والادارية الى لغة الشعب وإلاّ ستحتاج دوماً الى وسيط أو مفسر لها. ربما يدرك صفوان أنه يخوض معركة خاسرة، أقله في المدى المنظور، خصوصاً أن دعوته تتعرض لرفض ثنائي من قبل السلطتين الزمنية والدينية. يخلص صفوان الى أن الثورة الثقافية المصاحبة للثورة الصناعية لم تقم في أوروبا إلاّ بعد الثورة على اللاتينية، لغة الكنيسة ولغة النصوص المقدسة. نقلُ مارتن لوثر على سبيل المثال الانجيل الى اللغة الالمانية الشعبية، قلص احتكار رجال الدين لمعرفة المقدس والتأويل. وبناءً على هذا التحول المعرفي الدراماتيكي الذي خبرته الشعوب الأوروبية يطالب صفوان بتكريس النزعة الإنسانية في الألسنية العربية، ناقداً الاعتقاد الواسع الانتشار الذي يذهب الى أن هذا المبدأ لا يمكن تطبيقه على لغة القرآن العربية التي هي "لغة الله"، وهذا الاتجاه في رأيه خاطئ "حتى ليمكنني القول بأنه من الكفر أن نعمم قصور الكائنات البشرية على الإله ومن الواضح أنه من خلال اختيار نبيه، اختار الله اللغة التي أراد إرسال رسالته بواسطتها... لقد تكلم العبرية مع ابراهيم وموسى وتكلم العربية مع آخر أنبيائه، ولكن لم يخترها لأنه يتكلم العربية، وهذا الاختيار للغة هو أمر ثانوي". يجترح صفوان مصطلح "الدولة البدائية الحديثة" للدلالة على الأنظمة الاستبدادية السائدة في العالم العربي، ويحدد خصائصها، فهي أولاً تكرس ما أسماه " الاعتقاد الطبيعي بنظام المقدس"، وثانياً لا تقبل اقتسام السلطة، وثالثاً ترفض أي ضبط حقيقي لسلطة الحاكم، ورابعاً، تلهث وراء ضمان الاستقرار واستمرار الحكم على حساب الاستقلال الوطني والنمو الاقتصادي وبناء الانسان. يتساءل مرجع التيار اللاكاني المشغول بقضية تحرير الانسان العربي، كيف استطاعت الولايات المتحدة الإبقاء على قوتها؟ ويخرج بالنتيجة التالية أن الدستور الأميركي الذي وضعه الآباء المؤسسون من أمثال جيمس ماديسون، جون آدمز، توماس جيفرسون، وجيمس ولسون، استطاع تمتين الرباط بين الوطن والدولة وذلك بالترافق مع الايمان الذي لا يتزعزع بالطابع المقدس للحرية الفردية. إن اللغة الفصحى لها دور حاسم في تأزيل الاستبداد باعتبارها مفارقة للجمهور وملتصقة بالنخبة ما يؤدي الى إقامة الحواجز المعرفية بين الناس. قد تشكل هذه الخلاصة فحوى الفرضية التي انطلق منها مصطفى صفوان، وتضعنا أمام إشكاليات أخرى، فهل يمكن للغة العامية مناهضة بنى الطغيان ومقوماته وكيف طالما أنها تمالئ الاستبداد؟ وهل تمتلك اللهجات المحكية الأدوات اللازمة لنقل القرآن مثلاً الى لغة الشعب كي يصبح إدراكه سهلاً عليه؟ وإذا كانت الفصحى تمارس القمع بمعناه المعرفي (أو عنف اللغة) أليس من الأجدى أنسنة قواعدها وتبسيطها بغية تسهيل معرفتها بدل الخوض في معارك العامية وتعدد مشاربها؟ والى أي مدى تشكل الفصحى فعلاً حاجزاً أمام معركة التحرر؟ وهل يمكن الحديث عن احتكار نخبوي للغة الفصحى؟ ألم تقلص المدارس والجامعات الفوارق المعرفية بين النخبة والجمهور بصرف النظر عن نسب الأمية المتفاوتة بين بلد عربي وآخر؟ لا يمكن القول إن لغتنا الفصحى ميتة ومستبدة لأنها تحتكر النطق باسم النصوص ومن ضمنها النص القرآني، ربما تحتاج لغة الضاد الى حركة ثورية من الداخل تجعلها قادرة على استيعاب الجديد وعلى مواكبة التطورات الهائلة التي شهدتها وتشهدها اللغات العالمية.