المؤتمر الطبّي للشرق الأوسط في «الأميركية»
لم يعد مفهوم الصحّة في العالم محدوداً بمؤشرات مرضيّة أو بتقنيات طبيّة بل تشمل المفاهيم الجديدة الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية للصحة العالمية. يشكّل الطبّ الاجتماعي (Social medicine) حقلاً متعدّد التخصصات لدراسة العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المؤثّرة في الصحة بغية تعزيز الصحة في العالم بعدل. وتختلف تعريفات الصحة العالميّة (global health) بين قضايا صحيّة عابرة للحدود، أو بين واقع الصحة في العالم أو بين تعزيز الصحة وتحقيق العدالة بين الأفراد عالميّا. يعرض عميد كلية العلوم الصحيّة في «الجامعة الأميركية» في بيروت الدكتور إيمان نويهض، خلال أعمال المؤتمر الطبّي السادس والأربعين للشرق الأوسط الذي ينظمه المركز الطبّي التابع للجامعة بالتعاون مع «كليفلاند كلينك»، الذي افتتح أمس ويستمر حتى غدٍ، تاريخ مفهوم الصحة العالمية بدءاً من طبّ الإستوائي (tropical medicine) إذ اهتمّ مستعمرو الشعوب بالصحة العامة حماية لجيوشهم ولأفرادهم، إلى الصحّة الدولية بعد مرحلة الاستعمار، إذ ساعدت الدول المستعمرة شعوب المناطق الفقيرة صحيّا من خلال تأمين المساعدات وغيرها. ثمّ بدأ ظهور مفهوم الصحّة العالمية في التسعينيات انطلاقاً من أن القضايا الصحية غير محصورة ببلد أو بمنطقة جغرافية بل يجب العمل على توفير الصحة كحقّ للجميع وتأمين العدالة. يكثر الحديث اليوم، وفق نويهض، عن الصحة العالمية بسبب العولمة والتغيّر المناخي، وسرعة انتقال الأفراد بين البلدان، وتزايد معدّل الأمراض غير الانتقالية، وغيرها. يشير البروفسور في «جامعة western cape» في جنوب أفريقيا ديفيد ساندرز إلى أن العولمة تؤثّر سلبا على الصحة العالمية من خلال براهين عدة: عدم المساواة بين الشعوب، حالات العنف، انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية. يسجّل العالم فوارق في المؤشّرات الصحيّة مثل متوسط العمر المأمول الذي ارتفع في معظم بلدان العالم من دون الدول الأفريقية التي ما زالت تسجّل أيضا معدلات مرتفعة لوفيات الأمهات والأطفال. ويموت سنويا 26. مليون طفل في العالم بسبب سوء التغذية التي تشكّل السبب الثالث لوفيات الأطفال. في المقابل، يواجه العالم ارتفاع معدّل السمنة والأمراض غير الانتقالية (السكري وغيرها). وهناك نزاع بين المقاربة الإكلينيكية التي ترتكز على معالجة الأمراض بعد ظهورها، وبين مقاربة الصحة العامة التي تهتم بسبل الوقاية من الأمراض وتحديد الأسباب. ترتبط الصحّة العالميّة بضعف الأمن الغذائي، خصوصا مع زيادة نسبة استيراد الأغذية، وارتفاع معدّل استهلاك الأغذية المصنّعة غير الصحيّة التي تحتوي على كميات مرتفعة من الملح والدهون. وتهدّد الحركة التجارية الليبرالية وهيمنة شركات قليلة على معظم الإنتاج الغذائي العالمي الأمن الغذائي وتوافر الأغذية الصحية للجميع. وتؤثّر حالات العنف في العالم، وتناول الكحول وارتفاع معدّل حوادث السير على مؤشرات الصحة العالمية بطريقة سلبية. في المقابل، تشجّع العولمة، وفق ساندرز، القطاع الخاص وليس القطاع العام. بينما تشير الدراسات العلمية إلى أن تعزيز القطاع الخاص لا يؤدّي إلى تحسين المستوى العام للصحة، إذ يفتقد الكثيرون القدرة على الاستفادة من خدمات القطاع الخاص. ينقل ساندرز عن البروفسور مايكل مارموت في كلية لندن الجامعية أن «السياسات السيئة في قطاعات اقتصادية وغيرها هي المسؤولة عن عدم تمتّع الكثير من الأفراد في العالم بصحّة جيدة». تشمل سبل مواجهة الأثر السلبي للعولمة على الصحة العالمية، وفق ساندرز، تغيير مقاربة الخدمات الصحيّة، وإعادة النظر بالسياسات التجاريّة، وتعزيز حركة المجتمعات ورفع الوعي. يقول ساندرز إنه لا يمكن فهم الصحّة العامة ومؤشّراتها من دون الأخذ في الاعتبار المحدّدات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المؤثّرة. يشير الأستاذ في كلية العلوم الصحيّة في «الأميركية» الدكتور سامر جبّور إلى أهميّة إدراج المحدّدات الجديدة للصحة في مقاربتها في المنطقة العربيّة ومنها لبنان، حيث ما زال مفهوم الصحة العامة في تلك المنطقة محصوراً بالتقنيات من دون التعمّق بالعوامل الاجتماعية والقضايا السياسية التي تحدّد السياسات الصحيّة وغيرها. يؤدّي الاعتراف بالمحدّدات المؤثّرة، وفق جبّور، إلى تعزيز مقاربة أكثر شمولية للصحة العامة وتحسينها، وإلى تقارب المفاهيم بين البلدان، وتخفيف الفوارق بين الفئات في الدولة ذاتها وبين الدول نحو نظام صحّي أكثر عدالة. ويساهم رفع الوعي عند الطلاب وعند الفئات الاجتماعية كافة في تعزيز تلك المقاربة المغايرة للمفاهيم التقليديّة للصحة العامة. يلحظ الأستاذ المحاضر في كليّة الطبّ في «الجامعة اللبنانية» الدكتور غسان عيسى أهميّة دور المجتمع المدني في تعزيز الصحة ليس عبر المطالبة بتأمين الخدمات الصحيّة فحسب بل بربط المجتمع المدني بالقضايا الأساسيّة، وبالسياسات الأكاديمية والتنفيذية صوناً لحقّ المجتمعات في المعرفة، المشاركة، الرقابة والعدالة الاجتماعية. ملاك مكي