يمضي عمر درويش ملك أوقاته متنقلا بين بساتين الزيتون المنتشرة عند الأطراف الشمالية لبلدة كترمايا في محلة عين التحتا التي اختارها ليزهد فيها عن الدنيا وتحديدا عن باقي انحاء البلدة التي تذكره بالمجزرة التي ارتكبتها اسرائيل في السابع من حزيران عام 1982 أثناء اجتياحها لبنان في عملية »سلامة الجليل«. يحيا منذ ثمانية عشر عاما، بعيدا عن البلدة في عزلة يحاول فيها ان ينسى او يتناسى قدر الامكان انه فقد في المجزرة عشرة أشخاص من عائلته: رفيقة دربه زوجته وولديه وحفيدته التي لم ينعم بكلمة »جدو« منها كثيرا، وصهره واثنين من أولاد شقيقته وابن عديله واثنين من أولاد عمه، إضافة لخمسة أشخاص وجدت جثثهم في كاراج ابنه من دون ان يتم التعرف عليهم. ولم يوفره الاعتداء فأصيب إصابات بالغة في انحاء جسمه ووجهه وعينيه وأمضى فترة طويلة في المستشفيات من دون ان يستطيع الطب محو آثار الجريمة عن جسده، فتجده اليوم متكئا على عصاه مثقلا بعبء جراح لا تندمل ومدججا بهمّ يضنيه ليلا ونهارا. لا ضرورة للاعتذار من »العم« عمر عن سؤالنا عن المجزرة فجراحه ظلت طوال هذه السنين دامية، وتنبئنا نظرته بأن الزمن وقف عاجزا عن جعله يكمل حياته بشكل طبيعي، ويتجلى هذا الامر عندما نعلم انه لم يطأ أرض المجزرة او محيطها منذ تاريخ حصولها. ويمضي معظم وقته متأملا ما حصل ومتمنيا الموت »ما بدي شي من الديني، بدي الله ياخذ وديعتي بيكون احسن شي إلي«. ولأنه لا يفكر نهائيا بزيارة البلدة او المرور بها، يسلم هذا الرجل السبعيني بأنه »يوم اللي بيموت ياخذوني عالضيعة اما هلق ما عندي استعداد مر فيها أبدا«. نسأل رب »العائلة الشهيدة« إذا كان قبض تعويضا بعد المجزرة، فيرد رد الزاهد بكل شيء »وحياة محمد واللي جمعنا بغير ميعاد، ما عارف شي، أنا ما بتعاطى بشي ابدا، وهياهم الناس اسأليهم الموضوع ما بيعنيني، اللي قبضوا واللي ما قبضوا ما دخلني، كل اللي بدي ياه إنو الله يقرّب ساعتي وبكون عندها مبسوط«. يودعنا عمر ملك بابتسامة شقت طريقها بصعوبة الى شفتيه، خاصة ان غدا (اليوم) ذكرى المجزرة والجرح عنده مفتوح أبدا، يمسح وجهه الشاحب بكفيه متمتما كلمات لا أحد يعرف مغزاها سواه. المجزرة ذاكرة اهالي كترمايا مبرمجة على تاريخ السابع من حزيران عام 1982، فتراهم يعودون إليه بشكل عفوي، وتجدهم أحيانا ينسون ان للبلدة تاريخا آخر غير تاريخ الشهادة والدم. في عصر ذلك اليوم المشؤوم من شهر حزيران، كانت البلدة تترقب بحذر الاخبار التي تصلها عن الاجتياح الاسرائيلي، ولم يخطر ببال احد من اهلها انها ستكون عرضة للقصف نظرا لخلوها من المراكز العسكرية والمظاهر المسلحة، خاصة ان البلدات التي تضم هذه المظاهر لم تقصف. كان عدد كبير من اهالي كترمايا مجتمعين في خلية جامع البلدة لتقديم التعازي بالشقيقين رفيق وصافي علاء الدين اللذين استشهدا بالقصف الاسرائيلي على طريق خلدة قبل يوم من المجزرة، ولم تكن الساعة قد تجاوزت الخامسة عصرا. ويصف أبو نجيب محمد علاء الدين، شقيق الشهيدين ساعة المجزرة »كنا عم نقرا الفاتحة على اخواتي ورجعنا علابيت، اللي وصلوا معنا زمطوا من الموت واللي كانوا بالطريق ماتوا لأنو الغارة صارت فجأة«. غارتان اسرائيليتان شنتا يومها على البلدة بفارق لا يزيد عن الدقيقتين بين الاولى والثانية، واستهدفتا حي الجامع في وسط البلدة وهو حي سكني وتجاري شعاعه يزيد عن الخمسمئة متر، وتواصلت الغارات الوهمية على البلدة حتى اليوم التالي للمجزرة. إثنان وثلاثون شهيدا من أبناء كترمايا سقطوا ضحية المجزرة عدا خمس شهداء لم تعرف هويتهم كانوا في زيارة للبلدة، هذا الى جانب عشرات الجرحى الذين اصيبوا في الغارة، المشهد واحد لا يتجزأ، يتذكره اهالي البلدة بشيء من الحسرة تحولت فيه ساحة الجامعة مقبرة جماعية دفن فيها الناس تحت الركام. عشرات المنازل استوت اسطحها مع الارض، واخرى تصدعت بفعل الغارات، محلات تجارية هدمت على اصحابها وأخرى تضررت في مبناها ومحتوياتها، سيارات لم تعد تشبه اي وسيلة نقل. كان الطريق الساحلي مقطوعا ومعه برزت استحالة نقل الجرحى الى مستشفيات بيروت او صيدا، فكان لا بد من نقلهم الى البلدات المجاورة وخاصة شحيم حيث كان يوجد عدد من المستوصفات تولت معالجة الجراح الطفيفة، في حين نقل الجرحى ذوو الحالات المتقدمة والخطرة الى مستشفيات بعقلين وعاليه. أول شيء فعله اهل كترمايا هو نقل الجرحى في سياراتهم الى المستشفيات، فتشوا عن المصابين بين الأنقاض وبدأوا بتأمين وسائل نقلهم فلم يوفروا الشاحنات التي حمل بعضها اعدادا كبيرة من الجرحى، ويقول رئيس نادي كترمايا الثقافي الاجتماعي عماد عبد الرحيم الذي شارك يومها، مثل كل الاهالي في نقل المصابين »توفي كثيرون تحت الركام لأن استمرار الغارات منعنا من انتشالهم، فكنا نبحث عن مصدر الصوت ونجد الجرحى، ومن لم نجده توفي متأثرا بجراحه ووجدناه لاحقا عندما ازيل الدمار«. استمرت عملية اسعاف المصابين حتى ساعة متأخرة من الليل ونقلت آخر جريحة عند الحادية عشر ليلا الى المستشفى، وعاد الاهالي الى البلدة لرفع الجثث من تحت الابنية المنهارة، وانقسموا، كما يقول ابو نجيب، »ناس يبحشوا قبور وناس يلموا شهدا«. ولم يحظ شهداء مجزرة كترمايا بمراسم دفن تليق بهم، فقد تم دفنهم ليلا وعلى وقع الغارات الوهمية، ولأن الوضع كان متشنجا في البلدة لم يفكر الاهالي بتخصيص مدفن لشهداء المجزرة فكانوا يدفنونهم حيثما امكن حتى ان عشرة شهداء دفنوا معا في مقبرة كان احد عجائز القرية قد جهزها له ولزوجته بعد وفاتهما. وتعرضت جثث الشهداء للتشويه كما ان صعوبة الوصول اليها نتيجة القصف جعلتها عرضة للنهش من قبل الحيوانات، وبعضها ظل أياما تحت الركام قبل إزالته. رسالة رعب يرجح أهالي كترمايا ان المجزرة كانت رسالة وجهها الاسرائيليون للإقليم ككل، فهي المنطقة المدنية الوحيدة التي قصفت، في حين ان الاماكن الاخرى التي تعرضت لضربات العدو كانت مواقع عسكرية كما حصل في مزبود عندما تم قصف مدفع للجيش العربي الذي كان مرابضا فيها آنذاك ووصلت الرسالة الاسرائيلية الى عنوانها وأدت مبتغاها في إثارة الرعب بين اهالي كترمايا واقليم الخروب فهاجر عدد كبير منهم، كما ان مرور الجرحى عبر قرى الاقليم وصولا الى المستشفيات زاد من خوف الاهالي وأثار موجة من الهلع بينهم. وظل أبناء بلدة كترمايا بشكل خاص تحت وقع الصدمة فلم تستثن المجزرة احدا منهم، فكانت المصيبة واقعة على الجميع والشهداء يخصون كل أبناء البلدة وفجيعتها بهم لا توصف. وبرغم ان عددا لا بأس به من الاهالي هربوا خوفا من الغارات إلا ان نسبة كبيرة منهم اختارت البقاء فيها. تعويضات وحقوق مهدورة ثمانية عشر عاما مرت على المجزرة في كترمايا وبرغم ذلك لم ينل أهلها التعويض اللازم، وهم الذين قدموا 32 شهيدا لا تقدر حياتهم بثمن ولم يتقاضوا تعويضات عن منازلهم المدمرة التي بلغ عددها خمسين منزلا، ولا عن تلك التي تضررت بشكل كبير او المحلات التجارية التي دمرت ووصل عددها الى عشرين محل تقريبا إضافة لأخرى اصيبت بشكل غير مباشر. ويشير عبد الرحيم الى انه في »العام 1996 حصل اهالي الشهداء على تعويضات خصصتها لهم وزارة المهجرين وتراوحت بين 6 و7 ملايين ليرة لبنانية، وقد عمد النادي يومها الى تزويد الوزراء بالأسماء كي لا يتم استثناء احد«. اما بالنسبة للمنازل المهدمة فقد فتح ملف في الوزارة عام 1997 وتم إحصاء المنازل ودفع الصندوق المركزي للمهجرين الدفعة الاولى من التعويضات لأصحابها وبلغت يومها ستة وثلاثين مليونا، اما المنازل المتضررة فلم يتم شملها بالتعويض. ويوضح عضو النادي وعضو بلدية كترمايا المهندس محمد نجيب حسن انه »بعد مراجعة الصندوق المركزي حول هذا الموضوع جاءت الإجابة بأنه سيتم البحث فيه بعد إقفال ملف المنازل المدمرة وحتى الآن لم يقفل هذا الملف وبالتالي الملف الثاني مؤجل حتى إشعار آخر؟؟ ويؤكد حسن انه »تم التعامل مع كترمايا بدون مساواتها بغيرها من القرى المتضررة لجهة التعويضات وخاصة اعادة الإعمار، فما يطبق في الدامور مثلا لجهة انظمة اعادة إعمار الأبنية لا يطبق في بلدتنا، فهناك سمح للاهالي ببناء سبع طبقات بينما في كترمايا منعوا بناء اكثر من طابقين وتم إيقاف المنازل المخالفة«. ويشير عبد الرحيم الى ان البلدة لم تأخذ حقها على مر السنين »فعندما حصلت المجزرة أرسل النائب وليد جنبلاط مساعدة مالية للبلدة بصفته الشخصية وكانت هي المساعدة الوحيدة التي تلقاها الاهالي، كما قامت شركة »اوجيه« بتكليف من الرئيس رفيق الحريري الذي كان يومها في السعودية، برفع الأنقاض، بينما كانت الالتفاتة الرسمية الوحيدة نحو البلدة المتمثلة بالدفعة الاولى من التعويضات والتي لم تكن لتأتي لولا تحريك النادي، لقضية المجزرة عبر إحياء المهرجانات السنوية في تاريخ وقوعها.