من سمات فيلم »سينما باراديزو« انه كلما ذُكر عنوانه تتبعه تلقائيا ابتسامة على الوجوه نستشف منها ذكرى جميلة وشعورا بالرضا ومشاعر اخرى كثيرة تجد مصدرها في هذا الفيلم. إلا ان »سينما باراديزو« له وقع على عشاق السينما مختلف عن الانطباع الجيد والاستحسان الذي يلاقيه لدى الجمهور العريض. وعشاق السينما هم هؤلاء الذين يعيشون حالة شغف دائم مع هذا الفن من دون ان يفصلوا بين حياتهم اليومية وبين هذا العالم الآخر في موازاة الواقع. وهؤلاء، بشكل خاص، هم من يخاطبهم هذا الفيلم الذي يختزن ذاكرة السينما ومن خلالها الذاكرة الشخصية والجماعية عبر رحلة حنين الى البدايات. وهي رحلة اكتشاف وتعلّق، رحلة الدهشة الاولى وسحر الصورة ثم بناء علاقة تواطؤ مع الامكنة وشخصياتها. المكان: ايطاليا الزمان: اواخر الحرب العالمية الثانية الجو العام: لم يرجع كل الجنود الى عائلاتهم بعد، البطالة متفشية، والفاشيون يشتمون الشيوعيين قائلين لهم: »اذهبوا الى ستالين ليعطيكم العمل«. لا وجود للتلفزيون بعد، والاخبار السياسية وصور الجنود المفقودين تبث على شاشة السينما الوحيدة الموجودة في البلدة. الجمهور في غالبيته اميّ، ولا يفهم بالتالي شيئا من النصوص المكتوبة التي تمهّد مثلا لفيلم يشرح حال الصيادين الايطاليين الذين لا يجدون شيئا يأكلونه في آخر النهار مع ان شباكهم تخرج ملأى من البحر. لكن الجمهور يريد ان يتسلى وان يحلم، فيتدافع الى داخل الصالة المعتمة بحثا عن الضحك او الرومنطيقية، بانتظار القبلة الممنوعة. فكاهن البلدة، الذي يشاهد مسبقا كل الافلام، يدق جرسه الصغير شاجبا كل قبلة ومشيرا الى عامل العرض كي يقتطعها. أما الاطفال فمنهم من ينشغل بممارسة العادة السرية اثناء العرض، ومنهم من تتسمّر اعينه على الشاشة. وحده »سلفاتوري« لا يكتفي بمتعة المشاهدة من مقعده في الصالة، بل يشغله الضوء المنبعث من غرفة العرض والماكينة السحرية التي يصرّ على ابعاده عنها »الفريدو« عامل العرض. لكن »سلفاتوري« عنيد، وتغريه لعبة السلطة من خلال التحكم بالعرض، وعبثا يحاول الفريدو اقناعه بالابتعاد عن هذه المهنة لكي لا يصبح مثله، دوما وحيدا، يشاهد الفيلم نفسه مائة مرة، لكن الولد يفرض نفسه دوما بالحيلة، ويصبح الاثنان صديقين ويتعلم الصغير المهنة، الى ان يفقد الفريدو بصره في حريق يقضي على صالة السينما، فيحل سلفاتوري مكانه مع انشاء الصالة الجديدة. يتمكن الفتى الصغير من التمرد على الرقابة ليعرض الافلام بكاملها من دون اقتطاع مشاهد التقبيل. ويكبر سلفاتوري مع نصائح الفريدو، ويأتي دوره ليغرم ويختبر القبلة الاولى ثم الخيبة التي ترافقه طوال حياته. ويحين الوقت لكي ينطلق الفتى نحو افق جديد، نحو مستقبل خارج البلدة. الفريدو هو الذي سوف يدفعه الى الرحيل طالبا منه وعدا بألا ينظر الى الخلف ألا يعود ابدا. ومع رحيل سلفاتوري، تنتهي مرحلة من الذاكرة الجماعية. فالمخرج والكاتب غيسبّبي تورناتور يضع هنا نقطة تحوّل. سلفاتوري سوف يصبح مخرجا هاما، وصالة سينما باراديزو سوف تفقد جمهورها مع مرور السنين وتحوّل الناس الى التلفزيون او الصالات الحديثة. لكن خبر وفاة الفريدو سوف يعيد سلفاتوري الى ذكرياته وامكنة طفولته في زيارة اخيرة يعود منها بهدية اخيرة تركها له صديقه: فيلم جمع فيه كل مشاهد التقبيل التي اقتطعها طوال سنوات الرقابة. هذا المونتاج الذي يختم فيلم »سينما باراديزو« جاعلا عيني سلفاتوري تدمعان، يتوّج فيض المشاعر المجتمعة داخل هذا الفيلم. فدموعه هذه تعود الى كل لحظة فرح وحزن وحب وفراق لكل شخصيات الفيلم، من الوالدة التي بكت زوجها الجندي الذي لم يعد من الحرب، ثم بكت ابنها الغائب في المدينة منذ ثلاثين عاما ولا يسأل عنها، الى حزن الفريدو الذي مات وحيدا، الى سلفاتوري الذي فقد حبه الاول والوحيد وفقد معه سعادته طوال حياته، الى الشيوعي الذي هاجر مع عائلته الى المانيا مرغما ومضطهدا فيما نظراته معلّقة على ساحة بلدته... وفي النهاية نرى ان حياة سلفاتوري لم تكن إلا فيلما حافلا بالافلام. »سينما باراديزو« (1988) اخراج غيسبّبي تورناتور. مترجم الى الانكليزية، يعرض غدا في السابعة في مشغل سينما »الخط المباشر« سبيرز ملك يموت. ويسبق هذا الفيلم عرض فيلم قصير بعنوان »يوميات انت« لربيع مروّة وجورج خوري.