As Safir Logo
المصدر:

حكي جردي

لمن ضيّع الاتجاه

المؤلف: الساحلي بومدين التاريخ: 2013-04-25 رقم العدد:12464

الرجال الذين يبنون بيوتنا وينضجون خبزنا ويزرعون ويقطفون خضارنا وفاكهتنا ويخيطون ملابسنا وينظفون شوارعنا، اولئك الفقراء السوريون الهاربون إلينا لكي يحتموا من المذبحة ممتنعين عن غمس أيديهم بدم أهلهم، هؤلاء الساعون وراء مالٍ يسدّ رمقاً لكنه لا يشبع ولا يغني، يتعرضون في مناطق شتى في لبنان للاعتداء من قبل بعض العنصريين الحاقدين على مرأى ومسمع القوى الأمنية والسياسية التي لا تحرك ساكنا. ما يجري بحقهم ليس بريئاً، هل يجري الضغط عليهم للعودة إلى قراهم وبيوتهم حتى يكونوا مزيدا من الحطب في المذبحة الكبرى. تعقّلوا وفكروا في أحوال الناس يا أولي الأمر والنهي، وتذكروا كم اشتكى لبنانيون في الاغتراب من عنصرية تمارس عليهم في أربع رياح الأرض. **** مقام السيدة زينب في القاهرة يحظى برعاية الدولة المصرية، ويؤمّه ملايين المصريين والعرب سنويا. الغالبية المطلقة للزائرين من أبناء الطائفة السنية. يزوره أيضا شيعة وأقباط. على مدى قرون، استأنست السيدة بحضورهم في جنباتها طالبين شفاعة وحجيجا. لم يذكر التاريخ القريب أن أحدا هاجم مقامها لأسباب مذهبية أو طائفية. يقابل مقام القاهرة مقام دمشق في سوريا، ويتشابهان في الحال والأحوال. أخذتني أمي هناك في صغري. أتذكر تماما كيف ربطتني بقفص الضريح ليلة كاملة وباتت بجانبي وهي تتضرع طالبة شفاعتها لتشفيني من داء مفاصل كانت تعتقد بأنني مصاب به. وأتذكر أن بعضا من أهالي قرية الفاكهة السنية القريبة كانوا معنا في البوسطة نفسها. لاحقا صرت أقصد المقام في مواسم معينة، هناك التقيت وتعرفت بآخرين أغلبيتهم من غير الشيعة . شفيعة الفقراء والمرضى وذوي الحاجة في دمشق - كما سيدة القاهرة - لا تحتاج حماية من أحد، هي حفيدة الرسول الخارج من قريش، ذلك الفخذ الذي ينتسب إليه الامويون في الشام . **** صار واضحا أن دول العالم كله تتقاتل على أرض سوريا. وقود المعركة هو الشعب السوري المغلوب على أمره. طرفا الحرب المباشران تحوّلا إلى وكلاء داخليين لأطراف خارجية لم ولن تعنيها يوما مصلحة هذا الشعب الفقير الباحث عن لقمة عيش مغمّسة أبداً بالدم. لن يحدّد القتال الدائر رابحا، الرابح يُحَدّد في حسابات وتسويات بعيدة عن الأرض السورية. ما يجري في سوريا اليوم مذبحة، يتسابق طرفاها على الفوز بمرتبة القاتل الأكبر. ليتوقف اللبنانيون جميعا عن الاشتراك في مذبحة الشعب السوري، وكفانا ما صار عندنا من أيتام وأرامل وثكالى، وما الخوف إلا من الآتي في حال إصرارنا على الاشتراك وقودا في حروب الآخرين، لأن الآتي سيكون أعظم من دون أدنى شك. **** مطلع هذا الشهر، أي بعد ستة أشهر من بدء العام الدراسي، وقبل شهرين من إجراء الامتحانات، حضر أحد المجازين إلى إحدى المدراس الرسمية حاملاً كتاباً موقعاً من مدير عام في وزارة التربية يتضمن تعاقدا للمجاز مع المدرسة بعدد معيّن من الساعات. طبعا رغبات المدير العام أوامر لا يجرؤ مدير مدرسة على رفضها بالرغم من عدم خضوعها لأي معيار أكاديمي، وهي ستنفذ حتما باقتطاع عدد هذه الساعات من تعاقد مدرّسين آخرين يقومون بتعليم هذه المادة لطلابهم منذ بدء العام – مهزلة تربوية وتعليمية – ولا يجرؤون على الاعتراض لأن تعاقدهم في السنة الدراسية القادمة صار قريبا، وقطع الأرزاق دون شك عقوبة من يعصى أوامر الباب العالي . ********* أهالي الهرمل لم يناموا ليلة تبادل المخطوفين بين آل جعفر وعرسال عبر صفقة كانت القوى الأمنية عرّابا لها في قرية اللبوة. تجوّل الموكب العائد بعد منتصف الليل في شوارع الهرمل وأطلق مسلحوه آلاف الأعيرة النارية مثيرين رعبا وهلعا كبيرين. اعتقد أهالي الهرمل بداية أن مزارع شبعا تحررت وثمة من يحتفل... هم بكل الأحوال يتقدمون بالشكر الجزيل لهم على عرض الأعيرة النارية الذي أمتع الأطفال والمرضى كثيرا، ويُذكّرون عموماً أنه يوجد بجوار "بوابة فاطمة" الجنوبية لافتة كتب عليها فلسطين المحتلة ورُسِمَ سهمٌ يدلّ على الدرب لمن ضيّع الاتجاهات.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة