كتاب
طُلِبَ إلى ابن الجوزي (1186ـ1257م)، وقد دخل إلى قاعة تُقام فيها شعائر المأتم الحسيني في حلب، أن يرقى المنبر ليتكلم، ففعل وقال: وَيْلٌ لمنْ خصماؤهُ شفعاؤهُ والصُورُ في حَشَرِ الخلائقِ يُنفخُ لا بدَّ ان تَرِدَ القيامةَ فاطمٌ وقميصُها بدمِ الحسينِ ملطخُ قَتْلُ الحسينِ حرَّك الثورات في العالم الإسلامي، في بَيْتَيْ ابن الجوزي ذكرٌ ليومِ الحشرِ وليوم القيامةِ. الإسلام مستقبلي مشغول بالحساب وبالقيامه وبالصُّور. أي بالمصير. ورد ذكر القيامة في القرآن في أكثر من سبعين آية، وورد ذكر يوم الحساب في ما يقارب أربعين آية. وورد ذكر الحشر كمثل يوم الحساب تقريباً وذكرت كلمة الصُور في عشرة مواضع. كان الصوفيون في الإسلام مشغولين بالآخرة. في عمق الوجدان الإسلامي انشغال عميق بالآخرة وبيوم الحساب وبيوم القيامة. ولكن هذا الانشغال الوجداني لم يمنع فئات كثيرة من المسلمين من التكالب على الدنيا وزخرفها، ومن القيام بالثورات المدمرة طلباً للدنيا باسم الدين، لا طلباً للآخرة. لقد سُخّر الفكرُ الديني للحصول على السلطة وما توفره من مالٍ وجاهٍ وسلطانٍ.. وأهم محرك وأهم غطاء للمطامع الوصولية كانت فكرة من نسل الحسين. فقد كان كل ثائر وكل طامع يتذرع بادّعاء انه المهدي المنتظر وبأنه المخلص، وبأنه إمام العصر الحق، وبأنه من نسل الحسين أو من نسل الحسن بن علي بن أبي طالب، كما فعل القرامطة والحشاسون والزنج وغيرهم من طلاب الحكم. وتاريخ الدولة الفاطمية ونشأتها من عناوين لهذا المسار. أوردت السيدة أميرة فرحات في كتابها الفاطميون وآثارهم في مصر، تأريخاً موجزاً لانطلاق الدعوة الفاطمية في المغرب. وقد قام بهذه الدعوة رجل قادر ادّعى انه المهدي المنتظر من نسل الحسين بن علي بن أبي طالب وصدقه واتبوعه وناصروه حتى أسس دولة عجيبة في مسارها وسياستها الاجتماعية والثقافية والعسكرية. حتى قال العقاد بشأنها: «إذا استثنينا الحضارة المصرية الأولى في أيام الفراعنة، جاز ان يقال إن حضارة مصر في عهد الفاطميين لم يعرف لها نظير بعد الميلاد... إن الحضارة في أيام الفاطميين، كانت مصرية خالصة، ومن ثمَّ لم تتكرر في وطن آخر على هذه الصورة... «وتصدق كلمة الحضارة هنا على كل حضارة تقاس بمقياس الثقافة أو مقياس الصناعة أو مقياس الثروة أو مقياس الشؤون الاجتماعية». فلم توجد في مكتبةٍ بعد مكتبة الإسكندرية خزائن للكتب كالخزائن التي وجدت في القصر الشرقي... وكان في كل قصر مكتبة... وكان الخليفة يزور المكتبة العامة.. وأنشئت دار للحكمة ودار العلم... وشاعت بين العامة ثقافتهم التي ترضيهم... وفي عهدهم (الفاطميين) اصلحت الدواوين ونُظِمَت وسائل الري وأعيدت مساحة الأرض... وتقدمت الفنون والصناعات وتنافس الفنانون والصناع في هندسة البناء... وبالغ الوصّافون في وصف العجائب. ولكن عجائب ألف ليلة وليلة كانت كالنسخة المنقولة من ذخائر القصور... لولا ان نسخة الحقيقة كانت هي الأعجب والأبدع من نسخة الخيال، وكانت التجارة مدداً للصناعة لا ينقطع... وتعددت المواسم والمحافل الاجتماعية... وتناظرت محافل الليل ومحافل النهار... وعوَّد الخلفاء الشعب ان يستضيفوه ويعدوا له الأسمطة... ولم يكن القصد من تلك المواكب اللهو... بل كانت في حقيقتها معارض للفنون والصناعات، وكانت مصر إبان هذه الحضارة الفاطمية ملتقى الروّاد والقصاد... «وما من قصر من قصور الملك في المشرق والمغرب عُمِّر في ذلك العصر بمثل ما عُمِّرت به القصور الفاطمية من الشعراء والأدباء... حتى أوصى الخلفاء الشعراء بالإيجاز لازدحام القالة» (ص 550ـ551). وقال الباحث الأستاذ محمد أبو الفضل ابراهيم: «كانت الدولة الفاطمية من أعظم الدول التي عاشت في أكثر من قرنين. ولخلفائها في الحضارة الإسلامية أثر بعيد، فهم الذين أسسوا القاهرة المعزية فكانت قبة الإسلام، وانشأوا الجامع الأزهر فكان منبعاً للعلوم الإسلامية، كما أقاموا دور الكتب وهوت إليها أفئدة العلماء، هذا إلى ما كان لهم من أثر في بناء المساجد والقصور، وما تجردت له همتهم من أعداد الجيوش وإنشاء الأساطيل، فضلاً عما كانت لهم من عادات ما زالت تتصل بحياتنا الاجتماعية... هذا الوجه المشرق للدولة الفاطمية يسوده ذكر المجاعات التي حصلت في مصر، والأمراض التي فتكت بالسكان بصورة متكررة. ويشير الكتاب إلى الاختلاف في نسب الخلفاء الفاطميين، وأن الممهد لدولتهم في المغرب هو أبو عبد الله الشيعي. أما مؤسس الدولة فهو عبيد الله المهدي الذي أعطى اسمه «العُبيديين» لأنصاره في المغرب قبل مجيئهم إلى مصر. وعبيد الله هذا هو مؤسس الدولة العلوية في المغرب ثم خلفه ابنه القائم بأمر الله، ثم المنصور بن القائم بن عبيد الله المهدي ثم المعز لدين الله الفاطمي، الذي فتح مصر على يد القائد جوهر الصقلي. ثم خلفه ابنه العزيز بالله ابن المعز. ثم جاء الحاكم بأمر الله الفاطمي الذي أمر في أيامه بإضاءة الشوارع ليلاً، ومنع النساء من الخروج ومنع المسكرات وتشدد مع اليهود والنصارى، ثم تلى ذلك التسامح المذهبي والتناقض في القرارات. وكان كثير الاختلاط بالناس حتى قتل وحيداً في الليل. وقال المؤرخ الألماني شتروطمان: «إن الحاكم بأمر الله الفاطمي أعاد إلى أذهان العالم الإسلامي، بتقشفه ولبس الخشن من الثياب وإقلاعه عن الملذات الجسدية وسهره على راحة شعبه، سيرة الخلفاء الراشدين العظماء وخاصة جده الإمام علي بن أبي طالب» (ص 56). وقال المستشرق دوزي: «إن قوانين الحاكم بأمر الله لم تكن سخيفة كما صورها لنا الرواة الذين دأبوا ان يقدموا لنا شخصية هذا الخليفة بغير حقيقتها... انما كان الحاكم أسطورة التاريخ الذي لم يستطع احد ان يفهم مقاصده أو ينفذ إلى واقعه» (ص 57). وروى المقريزي نقلاً عن تاريخ مصر لابن أبي طي (ت 630 هـ) ان الحاكم تآمرت عليه أخته ست الكل سلطانة وبعثت من قتله وهو في رحلته الليلية التعبدية إلى جبل المقطم سنة 411هـ...» (ص 54). بعد موت شيركوه، الذي طرد الصليبيين من بلدة بليبس بمصر، اختار العاضد للوزارة وقيادة الجيش صلاح الدين ولقبه بالملك الناصر وهاجم الفرنج دمياط فصدهم صلاح الدين، ثم استقل بملك مصر. وفي سنة 566هـ عزل صلاح الدين قضاة مصر من الشيعة وولى قاضي القضاة الشافعي وجعل إليه الحكم في جميع بلاد مصر. وبعدها اختفى مذهب الشيعة من الإمامية والإسماعيلية، وتوقف من حيئنذ مجلس الدعوة بالجامع الأزهر وغيره. على ما يذكر المقريزي. ومرض العاضد مرض موته سنة 567هـ فقطع صلاح الدين خطبته وخطب للعباسيين وانتهى بذلك أمر الفاطميين» (ص 96). كتاب «الفاطميون، تاريخهم وآثارهم في مصر» كتاب غني بمعلوماته الواسعة الشاملة المحيطة بدقائق حياة دولة لعبت في التاريخ الإسلامي دوراً معبراً عن حالة الإسلام السياسية والدينية والاجتماعية والثقافية. وقد برعت المؤلفة في ترتيب تصميم الكتاب وفهرسته بحيث جعلت منه مرجعاً موثقاً، مفهرساً بشكل تفصيلي، سهل التناول واضح المعالم. والكتاب يحمل القارئ على الاعتبار بحوادث الدهر. فما يصيب الأفراد كما يصيب المجتمعات والدول من صعود، وشباب وتدهور، وتتفاوت أحاسيس القارئ بين الابتهاج بالنجاحات والكدر للهبوط والتراجع والمآسي التي تصيب الحكام والمحكومين.. وفي ذلك عبرة لمن يعتبر من الحكام الذين يظنون أحياناً بل غالباً بأن شقاء شعوبهم وإذلالها لا يصيبهم هم بالشقاء وبالذل. إن تاريخ حكام الفاطميين وحاشياتهم كانوا يسعدون بسعادة شعوبهم ويشقون، حتى الموت بشقائها، وكانت مقاتلهم تكمن في استكثارهم من ابتياع العبيد والموالي والمماليك من الأمم التي تخضع لحكمهم والتي بحكم الفقر والذل تبيع أولادها لمن يقدر على الشراء، حتى باتت أعداد المملوكين، من كل الملل، تهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي والثقافي. إن مصر، في تاريخها المديد، وفي ما تعاقب عليها من دول أتت إليها غازية ثم اندمجت في نسيجها الاجتماعي الغالب والقاهر والقادر على الامتصاص، لدليل على تمازج الأعراق والملل والنحل في العصور القديمة والمتوسطة. وهي بهذا تكذب القائلين بصفاء الأعراق، وبنقاء القوميات. إن البشر إخوة بالدم وأخوة بالتعايش، وإخوة بالأنساب، والثقافة، بل إن الأديان تكاد تختلط لتشابهها العظيم والعميق.. وكذلك الثقافات والحضارات، واليوم وبفضل الهجرة المتبادلة وبفضل وسائط الانتقال ووسائل التواصل، أصبحت الدول خليط شعوب متجاورة أو بعيدة. شتى من كل نوع وجنس ودين. «ناشرون» 2013 بيروت لبنان.