As Safir Logo
المصدر:

من يتذكر مجزرة حولا؟ أبو فهد يروي: في ذاك اليوم المشؤوم

ابو فهد في مقبرة الشهداء
المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 2000-06-06 رقم العدد:8617

المكان: حولا. الزمان: 31 تشرين الاول 1948. عندما دخل أحد الجنود الاسرائيليين الى الغرفة التي سجن فيها شباب حولا وامرهم بالوقوف وقفوا جميعا، »ديروا وجوهكن للحيط« فأداروا وجوههم، »ارفعوا ايديكم لفوق« ففعلوا ما أُمروا به، وبلمح البصر تحول عشرات الشباب الى اكوام لحم مكدسة بعد ان مزقها الرصاص. لم يصدق ابو فهد حسين محمد ظاهر رزق انه ما زال حيا، »لما رشنا الاسرائيلي أول رصاصة اجت فيي كانت هون بفخذي فاتت من وراء وطلعت من قدام ووقعت عالأرض، فإجت الرصاصة الثانية بإيدي، وشوية شفت الاوضة عتّمت«. تعود الصور كلها فجأة لتظهر أمام عيني »أبو فهد« فيسرد للتفاصيل بحدة لا تخفي غضبه على »اليهود« ونقمته على »جيش الانقاذ« الذي انسحب من البلدة حينها من دون ان ينذر الاهالي بذلك. »لما أجى جيش الانقاذ عالضيعة وقوص من عنا على اسرائيل وعلقت الحرب بيناتهم في تلة العباد، طلعنا نحنا نساعدهم، يومها كان عمري 20 او 25 سنة« يستدرك »كنت زلمة، شو شب، وكان بدي اتجوز كمان« ويكمل ضاحكا »بعد المجزرة تجوزت وهيدي عيلتي«. »يومها كان جيش الانقاذ عم يقول لليهود نحنا ما عم نقاتلكم هودي عجلان حولا عم يقاتلو بدّن أرضهن، إيه نعم كان بدنا أرضنا، بس يومها تركنا الجيش لوحدنا ووعدونا انو حيجي جيش يوغوسلافي يساعدنا«. انتظر اهالي حولا واستغل الاسرائيليون الفرصة فتنكروا بالزي العربي (الكوفية والعقال) ودخلوا حولا من جهة مركبا، يقول ابو فهد »نحنا اذا بدها تجي اسرائيل بتجينا من هون (ويشير الى موقع العباد)، بس اجو من الشمال بيننا وبين مركبا، انا كنت نايم بالبرية مثل كل اهل حولا كنا خايفين، كان في بيننا مسلحين وعاملين حساب اسرائيل. شفناهم اجو من الشمال قلنا هودي جيش يوغوزلافي (يوغوسلافي)«. اختار احد ابناء حولا النزول لملاقاة الجيش القادم فاستخار له ابو فهد »خيرة« وجدها جيدة فأخذ »حطة وعقال ولاقالهم عند البركة ولما شافوه زلغطو هيك وانبسطوا في وقلّن تعوا هي الدرب من هون فطلعوا عالضيعة«. ونسأل ابو فهد لماذا لم ينزل لملاقاتهم فيقول »أنا استخرت خيرة ما طلعت منيحة، قعدت شوي وشفت زلمتين ثلاثة نازلين يلاقولهم فقلت لحالي سويتي بسوية غيري حملت حالي ونزلت معاهن، هونيك لقطونا وصاروا يفتشوا فينا، ساعتها فهمنا انهم يهود«. وشن الاسرائىليون حملة اعتقالات شاملة في حولا ووقع في الاسر ما يزيد عن المئتي شخص بينهم الاطفال والنساء والشيوخ. »وزعونا على اربعة منازل«، يقول ابو فهد، وضع الشباب في بيت فارس حسين مصطفى، والنساء في بيت حسن محمد سعيد مزرعاني، وكبار السن في منزل علي محمد الحاج ايوب، اما متوسطو الاعمار فوضعوا في بيت حسين عبد الله يونس. كان ابو فهد في الفئة الشابة »اخذونا نحنا شي 18 شب من هون للغرب على اوضة لفارس حسين مصطفى، قالولنا قعدوا شربوا دخان وبعد شوي اجى عسكري وطلب منا انو نوقف وجنا عالحيط وبلمح البصر قوص علينا«. لا يستطيع ابو فهد ان يتدارك الدمعة التي هربت من تحت اصابعه، اما زوجته فقد انتفضت صارخة »الله اكبر عليهم«. لم يبق حيا من المجزرة سوى ابو فهد ورفيقه محمد شيخ عبدو سليمان فبعد نسف المنزل بلغم وضع فيه خرج الاثنان متكئين على بعضهما البعض واختبآ عن أعين الاسرائيليين. وفي ذلك الوقت كانت المنازل التي تحولت الى معتقلات تنسف الواحد تلو الآخر الا المنزل الذي ضم النساء فقد صودف مرور الجيش البريطاني الذي كان ضمن القوات الدولية بجواره فأنقذهن بعد مفاوضات مع الاسرائيليين. تفاجأ ابو فهد ورفيقه بجندي اسرائيلي وقف فوق رأسيهما فهرب ابو فهد راكضا وصادفه عدد من الجنود الاسرائيليين »دار عليي القواص، قلت المتكل على الله ما بديش موت ضليت اركض حتى أغربت الدنيي، لبدت بموضعة حتى شفت واحد من أهل حولا اخذني حملني على ضهرو وراح نده على بيي اللي كان بالمجدل اجى اخذني وراح ونقلوني الصبح عالمستشفى بصور«. وعن رفيقه يقول »كمان لاقاه واحد واخذو على المستشفى على صور، وعيت ولقيتو حدي، بس مات بعد اسبوع لأنو الحكمة ما كانت منيحة أيامنا«. استطاع الاطباء معالجة ابو فهد فظل 22 يوما في المستشفى ولم يكن هناك خطر على حياته »شقللي الحكيم سعد الله الخليل ايدي وشال الرصاصة، قال خذها لسيدك احمد بيك (الأسعد)، لأنو نحنا كنا أسعدية بعدين تغيرت الايام وهيدا عمل »شيوعي« وهيدا عمل بعثي وهيدا عمل اميركاني كل واحد بيغني على ليلاه«. يحز في قلب ابو فهد ان لا احد يذكر مجزرة حولا »ولا واحد اهتملنا بنوب بعد المجزرة، بيديروا بالهن لمجزرة دير ياسين ونحنا اللي راح منا تسعين واحد ما حدا داير بالو النا، خاصة لما تهجرنا وقعدنا ست شهور بالضبية ببيوت الصفيح«. ... عند دخول الاهالي الى بلدتهم بعد المجزرة وجدوا الجثث المنكلة. اخذوا يبحثون بينهم عن احياء وسط الدماء المراقة ونقلت الجثث الى »تربة الشهداء« التي خصصت لدفن شهداء المجزرة. يأخذنا ابو فهد الى »التربة« ليشهدنا على الاهمال الذي تعانيه ويخبرنا على الطريق انه لن يترك حولا مهما حصل »صار عمري 77 سنة وين بدي اترك ضيعتي وروح؟« نسأله ماذا يشتغل فيرد مازحا »ولا شي بدفش اللي قاعدين عالواقفين شو بدي اشتغل ما عندي موضعة هلق حتى ازرعها«. في المقبرة يلتقي ابو فهد بأفراد اسرة السيد جواد الأمين الذين قصدوا »التربة« بحثا عن مدفن جدهم الذي كان أول شهداء المجزرة، لكنهم عادوا خائبين. بحثوا بين الاسماء فلم يجدوا اسم جدهم ووجدوا ابو فهد ليسألوه فقال لهم انه قد يكون دفن في المشاع. و»تربة الشهداء« كما يسميها الاهالي، نظفها بعض شبان القرية، فأزالوا النفايات التي كان العملاء يرمونها هناك، وعادت شواهد القبور لتظهر بالرغم من الخراب الذي لحق بها. وبين الشواهد، أخذ ابو فهد يتنقل، وتحولت الاسماء التي كان يتلوها الى وجوه بشر من لحم ودم، اصطفوا يوما امام جدار، ثم تحولوا في برهة لكومة لحم مكدسة، مزقها رصاص العدو.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة