As Safir Logo
المصدر:

لغة المبيضين.. مهددة

المؤلف: سعد حسين التاريخ: 2013-04-17 رقم العدد:12457

في بداية العام 1962 كان ابو علي حويلي، برفقة والده وجده، في محلهم المخصص لتبييض الأواني النحاس، في مدينة حلب السورية. كان الثلاثة يتحدثون في ما بينهم لغة غريبة، لم يعتد عليها جيرانهم في السوق، فاشتبه الأمر على الجيران، ثم على دوريات الشرطة. فاقتيد الثلاثة إلى مركز للشرطة للتحقيق معهم، في شأن هوياتهم وجنسياتهم. ظن أفراد الدورية أن الاشخاص الثلاثة الوافدين من لبنان، وتحديداً بلدة جويا الجنوبية، التي ذاع صيتها في تلك المرحلة بأعمال تبييض الأواني النحاس، أن «ابو علي» ومن معه كانوا يتحدثون اللغة العبرية، وأنهم قد يكونون إسرائيليين. لكن، بعد توضيح الثلاثة لمسؤول الشرطة عن هوياتهم واللغة الخاصة التي يتكلمونها أباً عن جد، تم إطلاقهم وعودتهم إلى عملهم في السوق، الذي كان يعمل فيه اكثر من خمسين فريق عمل من ابناء جويا، وكل فريق عبارة عن أربعة أو خمسة أفراد. هذه اللغة التي تسببت في حلب باستجواب «ابو علي» ووالده وجده، تسمى لغة أجم، وهي حصرية يستخدمها العاملون في صنعة التبييض من ابناء جويا. وقد اعتُمدت لتحاشي الإحراج مع الزبائن وكتم سر المهنة. تواجه هذه اللغة اليوم خطر الاندثار في جويا، في ظل التراجع الكبير في اعداد المبيضين وانفكاك الأجيال الشابة عن تعلم مهنة الأجداد والآباء. وهي أصلاً لغة غير موثقة. ويذكر احمد حويلي (أبو علي) أنها من قبيلة ليبية تعيش على الحدود المصرية، وقد حملها احد ابناء البلدة، خليل صالح قضامي، الذي تعلم مهنة التبييض في مصر حيث عمل لسنوات، قبل أن ينتقل إلى فلسطين، حيث بقي حتى العام 1948. وإذ عاد خليل قضامي إلى بلدته، علّم العشرات مهنة التبييض... ولغتها. وهكذا توارث أبناء جويا «المبيضين» مهنة ولغة «خاصّتين». ابو علي حويلي الذي هجر مهنة التبييض، في العام 1979، بعدما طاف في ارجاء المناطق اللبنانية وصولاً إلى حلب ودمشق، يحفظ حتى اليوم، مفردات تلك اللغة المحببة إلى قلبه. «أفشح لهل شل» ومعناها: تعال إلي. «ما تأجم»: لا تتكلم. «افشح لنشمل»: هيا نأكل. «آروب الشل»: شرطي. «هل آروب بدو قطني»: يستوجب الضرب. «يا آروبة شمول»: يا امرأة احضري الضيافة. وكان المبيضون ينادون الفتاة غير المتزوجة «فأسة»، والمتزوجة «باطية». أما الاموال فيقولون عنها «جفن»، واللحمة «محزوز»، والزيت «نوار»، والبصلة «صوانة»... الى ما هنالك من مفردات حميمية خاصة بالأزواج والزوجات. ويؤكد ابو علي أن العديد من ابناء جويا المنتشرين في أصقاع العالم ممن عملوا في التبييض، ما زالوا يستخدمون اللغة في تجارتهم وبين بعضهم البعض. ويلفت حسين هاشم، المستمر حتى اليوم في مهنة التبييض، إلى أن لغة الأجم كانت تشكل سرأ من اسرار مهنة التبييض، و«ما زلنا نحفظها ونستخدمها احياناً كثيرة. وهي حكر على ابناء قريتنا». يقر نائب رئيس بلدية جويا ابراهيم حيدر، الذي يحفظ كسواه من اهالي جويا بعض مفردات الأجم، بـ«التقصير تجاه توثيق هذه اللغة المحكية، التي تعتبر إرثاً ثقافياً وشعبياً في البلدة». ويكشف أن البلدية في صدد وضع مشروع لحفظ الإرث الثقافي والاجتماعي والتراثي في البلدة، ومن ضمنه لغة الأجم.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة