«آثار الحقب في لاذقية العرب»، مخطوط جديد يقع في جزءين لمؤلفه «العلامة الياس صالح اللاذقي»، المولود في العام 1839 والمتوفى في 1885. هذا المخطوط الذي ينشر الآن لأول مرة - كان قد أبصر النور في العام 1881، ليعود بعدها إلى الظل، بحيث تقتصر رؤيته والاطلاع عليه على الخاصة من الناس من دون سواهم، في انتظار خروجه إلى النور خروجاً دائماً، شأنه في ذلك، شأن كل المخطوطات العربية في ذلك الزمن. اللاذقي لم يكن ذلك الانسان العادي، عندما كان يكتب هذا التاريخ. فهو أكثر من شخصية في رجل واحد، بحكم ما كان يتقن من لغات وما شغله من مناصب، وما قام به من مهام. هذا بالإضافة إلى ما كان يتمتع به من حضور سياسي واجتماعي ورسمي في الوسط الذي كان يعيش فيه. القسم الأكبر من المخطوط، يتعلق بفترة الحكم العثماني. وتتميّز كتابته عن هذه الفترة بدقة استثنائية، لسببين: الأول، لأن المؤلف يتقن اللغة التركية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، كان عضواً في محكمتها الابتدائية، وبحكم موقعه هذا، كان مطلعاً عن كثب، على ما كان يرد إليه من الإدارات الرسمية من تعليمات وأوامر عليّة، وما كان يصدر عن هذه الإدارات من مقررات واستفسارات، وما كان يفعله الولاة والموظفون من أجل الحفاظ على مصالحهم الخاصة. والثاني، وهو أن المؤلف ولد في مرحلة تداعيات النظام العام للسلطنة، وعاش في قلب مرحلة المحاولات، التي قامت بها من اجل إصلاح ذاتها، كما أنه شهد بعض الحروب التي شنت عليها من قبل الروس، وبعضها الآخر الذي شنته هي على رعاياها في لواء اللاذقية، كما انه كان في قلب مرحلة انتقالها من «نظام الايالات» المتداعي، إلى «نظام الولاية»، الذي شارك في تطبيقه من موقعه الوظيفي. جعل اللاذقي مؤلفه هذا في قسمين: القسم الأول جغرافي، بعنوان: «في جغرافية اللاذقية ووضعها الحالي»، أي في 1873 عندما بدأ كتابة هذا المخطوط. وقد اعتمد المؤلف في كتابه هذا القسم نظام الفصل، قسّمه إلى أربعة عشر فصلاً. تناول في خمسة منها جغرافية مدينة اللاذقية. أما في الباقي من هذه الفصول، فقد تناول جغرافية لواء اللاذقية. وأقل ما يقال في هذه الفصول إنها غير متوازنة. أما القسم الثاني من هذا الجزء، فهو تاريخي، بعنوان: في تاريخ اللاذقية. يتخلى فيه عن نظام الفصل، ليعتمد نظام المحطات المهمة - بحسب رأيه - في تواريخها، بدءاً بمرحلة ما قبل التاريخ، حتى العام 1831، عندما قام محمد علي باشا، والي مصر، بحملته العسكرية المعروفة ضد السلطنة العثمانية، واحتل اللاذقية العام 1832. والجزء الثاني منه تاريخي يستكمل به تاريخ اللاذقية بالكتابة عن تاريخ لواء اللاذقية، من العام 1831 - 1881. من الواضح أن مصادر الياس اللاذقي كانت مستمدّة من القليل الذي وجده عرضاً هنا وهناك في بطون الكتب عن اللاذقية، ومما رواه له أبناء جيله الحاضر، الذين شهدوا الوقائع أو نقلوها عمن شهدوها. كذلك ينقل لنا مما جدّ في ايام عصره من أخبار، ومما رآه وعاصره من أحداث. معتمداً في ذلك على سمعه وبصره. مما لا شك فيه بشأن هذا المخطوط، الذي أصدرته حديثاً «دار الفارابي» في بيروت بحلة كتاب، أنه يلاحق الأحداث والتطورات خلال فترة الحكم العثماني خصوصاً، معلومات ومعارف لا حصر لها ولا عدّ، منها المعارف الجغرافية والتاريخية، وهي تؤلف مجتمعة كلاّ موحداً لا يتجزأ. لقد حدد المؤلف بنفسه الغاية والهدف الذي أراده من كتابة مؤلفه، بأنه: (من أجل أن يكون لهذه المدينة تاريخ مكتوب ومجموع في كتاب واحد، يتناول أخبارها منذ القديم إلى اليوم). لينا هويان الحسن