As Safir Logo
المصدر:

شعراء ما بعد 2003

المؤلف: بدر السالم وارد التاريخ: 2013-04-12 رقم العدد:12453

(1) مصطلحات كثيرة أخذت تظهر في الخطاب الأدبي العراقي تواكب التسميات المشار اليها منها (أدب الحرب) و(أدب المعركة) الذي انصهرت مفرداته مع الحرب العراقية ـ الإيرانية و(أدب الحصار) الذي استشرى تسميته مع الحصار الأميركي والغربي على العراق، ومنذ عام 2000 توقفت التسميات في اشتقاقاتها اللغوية حتى سقوط النظام السابق عام 2003 وظهور جيل جديد ستختلف التسمية كالعادة في طريقة تناوله جيلياً فهناك من يطلق عليه جيل الاحتلال الموسوم بتعاطي الحالة الأدبية بعد ذلك التاريخ على أننا لم نسمع حتى اليوم تسميته بأدب التحرير على سبيل المثال، وحتى جيل الاحتلال هي تسمية سائبة لم تستقر في التوصيفات النقدية بسبب ضمني من أسباب تشجيع الحالة السياسية الجديدة التي تخلصت من وطأة السياسة الماضية، ومهما كانت التسميات والعُقد النقدية سيكون هناك جيل التقى مع أجيال تحررت من كابوس الكتابة المنضغطة تحت ضغط السياسة في معانيها المختلفة، فبدأت كتابة ما بعد 2003 متحررة من تلك العقد والوصفات الجاهزة ليعود المصطلح الأكثر شعبية (أدب الشباب) الى الواجهة كونه يمثل أصواتاً وفئات عمرية وتجارب جديدة في الخطاب الأدبي العراقي. بل أن (كتابة ما بعد 2003) هو المصطلح الأكثر قبولاً بين التسميات كلها وهو ما نتقصاه. (2) سيكون من المهم لجيل الشعراء العراقي في هذا التوصيف حظوة النشر غير المسبوق على مر تاريخ الأجيال العراقية في عطاءاتها وظروفها المختلفة، فالانفتاح الإعلامي بكل مقروءاته ومسموعاته ومرئياته انفتح بأوسع مدى من دون ضوابط يمكن أن تؤشر سلامة النوع المنشور والمرئي والمقروء والمسموع، فالصفحات الثقافية لأكثر من خمسين صحيفة يومية تكرر الأسماء والقصائد من دون أن يكون هناك مسؤولون ثقافيون قادرون على فرز وضم الأسماء الشعرية التي يمكن اعتمادها بمرحلة جديدة من التجربة الشعرية العراقية، بل أن نسبة غير قليلة من مسؤولي تلك الصفحات ليست لهم علاقة بالشعر ولا بالشعراء إلا من حيث كونهم وُجدوا هناك لأسباب أخوانية أو حزبية ولا يهم أن يكون الفاعل مفعولاً والخبر مبتدءاً والشعر خاطرة نسائية وما الى ذلك من فوضى شائعة، تجلت تماما في السرقات من صفحات الأنترنيت لملء فراغات ثقافية يومية؛ إضافة الى ما وفّره السيد الفيسبوك من صفحات مجانية للنشر اليومي من دون أن يكون هناك قاسم مشترك للكثير من المنشور من النصوص سوى مجانية النشر الفوضوي الذي أعقب حياة الإنفتاح الإعلامي الصريح. (3) الخريطة الشعرية العراقية الآن متوزعة بين شباب لهم تجربة سبقت 2003 وما فيها من عسف يومي ومخاضات حروب وحصار، وشباب خرجوا من معطف الإحتلال بسهولة النشر المشار اليه، ساهمت بذلك منتديات وملتقيات وصحف ومجلات في ترسيخ بعضها وإبرازه، والقلة التي سيأتي المرور على تجربتها من أن تستوعب تجربتها وتتقدم بهدوء الى المشهد الشعري وتكرس اسماءها بثقة لافتة، مع ملاحظة أن طيفاً واسعاً من الشعراء المهاجرين في التسعينيات الذين خرجوا بأسمائهم المعروفة من دون الحاجة الى تزكية (الخارج) فالخارج لم يقدم لهم كثيرا بقدر ما قدموا هم له تجاربهم المعروفة. وهم ما زالوا الفاعلين في المشهد العراقي العام. (4) يمكن رصد مزايا أو مشتركات بين هذه الأجيال المتقاربة في تجاربها الشعرية عبر موشور سياسي واجتماعي التقط ثيماته من الواقع الحافل بالمتغيرات والمتناقضات ومرارات السنوات الطويلة، فإن كان جيل التسعينيات وما تلاه حتى قبل 2003 عاش المحنة وكوابيسها في قصيدة النثر الملغزة وإخفاء تأويل المفردة الشعرية تحت قناع من الغموض، فإن جيل ما بعد 2003 وجد الخيبات المتتالية المستترة وقد ظهرت مكشوفة بل ومفضوحة تماماً، فالجاهز من السياسي والإجتماعي انفتح جرحه الى آخره، غير أن هذا الجيل وجد أن المتغيرات السريعة والمفاجآت غير المتوقعة حفلت أيضا بمفردات جديدة لها طاقات شعرية جديدة، فالعراق لم يكن له سابق عهد بالاحتلال منذ أربعينيات القرن الماضي، ومفردة المارينز الأميركي لم تكن لتوجد لم لم يكن هناك احتلال صريح، والحالة الحزبية لم تتوفر بهذه السعة لولا التاسع من نيسان؛ وهكذا اشتبكت الرؤى ببعضها، مثلما اشتبكت الأنماط الفنية التي احتشدت في مشهد الشعر العام، وبشيوع المد الروائي والقصصي انحسرت طاقة الشعر الى حد معين، وهو مشكل فني واجه ويواجه الحياة الشعرية الجديدة في انفتاحاتها المتتالية بظهور أسماء جديدة كحسام السراي وعلي وجيه وصابرين كاظم وآسيا حداد ومريم العطار وميثم العتابي وتغريد ناجي وعلي محمود وصفاء خلف وعمر الجفال وزاهر موسى وميثم الحربي واحمد عزاوي وميثم العتابي ونبيل الجابري ومؤيد الحفاجي وآخرين. (5) ليس من العدل أن نخلط أوراق الكثيرين من المجتهدين الفاعلين في يوميات الشعر وهم يقدمون ؛ على قلتهم ؛ رؤية شعرية في قصيدة النثر أمام مشهد اجتماعي منكسر الروح في تجلياته المختلفة بعد 2003 بقواسم تكاد تكون مشتركة وتتشابه في آلياتها السردية وهي تعكف على امتصاص الواقع الجديد المفاجيء؛ أو تفتيت سنوات الجمر في الحقبة الماضية من حصارات وحروب وأسى عام، ورؤية الحالة العامة من منظورها العاطفي المحض كمعادِل موضوعي لإنكسارات معروفة في تسمية المراثي المتكررة في وطن وسع الجميع ولم يتسع لغيرهم من الأغراب. في ثنائية المرأة والرجل، الشاعرة والشاعر، ثمة ما يمكن أن نشير اليه في الحالتين من تحرير النص الشعري الجديد في رسمته النثرية من عبء الإيديولوجيا وضغط السياسة الفاشلة والتوجه الى الحياة ومشتقاتها في فاعلية متعددة الأداءات الوصفية، بتأثيرات متباينة في استنطاق طاقة الكلمة ورسم ملامح التجربة في سرديات النثر التي أخذت من اهتمامات شعراء هذا الجيل حدوداً بعيدة في رسم الحالة الإجتماعية والسياسية والعاطفية في منحنياتها المختلفة. الحرب فاصل حاسم في معظم تجليات هذا الجيل الشعري، ولغة متوترة في العروج الى هذه الفضاءات التي لابد منها في جحيم شعري ووطني رافق كل التحولات السياسية، وليست الحرب فعلاً منفرداً من خيالات شعرية يلجأ اليها الشعراء، بل أصبحت اليوم ركاماً شعريا امتد من ثمانينات القرن الماضي حتى اليوم، وإن تجلى هذا المد في السرد على نحو مباشر وصريح، فإن الثراء الشعري الجديد اكتظ به أيضا، وهو مفارقة نقدية و(إعلامية) تعيدنا الى مهاجمة هذا (النوع) الذي فرض النقد عليه حصاراً في الحقب الماضية بدعوى تعبويته، لكنه الآن يعيد إنتاج نفسه بطريقة ثانية، بخبرة الماضي واحتشاد اللغة ومفرداتها بالمراثي والموت والاحتلال وحرب الطوائف الشنيعة وبالشكل الذي جعل من أدب الحرب طاغياً على مجمل المشهد الشعري والسردي بشكل عام. (6) الفاعل الشعري الجديد هو الفاعل الشعري القديم بنسبية معينة، غير أن الأخير خرج من ركام الأول، لا من معطفه وتوجه الى الحياة المنفتحة تحت طاقة الجمال وثراء التجربة بمستوييها الفردي والجماعي، فيما كان الأول ينحو الى تشتيت الحياة هنا وهناك بمعايير ايديولوجية صارمة قتلت الكثر من روح الشعر وروح الحياة، لهذا يمكن ملاحظة أن الجيل الجديد اتجه الى الحياة الجديدة بكل طاقته المخزونة، مستعيداً ثراء اللغة المخفية وراء قناع الإيديولوجيا السابقة، ومتحمساً الى بصمته الشخصية في أن يكون أثراً من آثار التجربة الشعرية العراقية الجديدة في مجايلة المناخ الجيلي المختلط الذي سبقه عمراً وتجربة وقناعات فنية في جدلية تضامنية لا تفترق بطبيعة الحال، إلا بما هو فني في سياقاته العامة والشخصية. (7) تجربة الجيل الستيني الشعرية الراسخة والأكثر جدلا حتى اليوم، وما تلاها من تجارب وأسماء وظواهر شعرية، رافقتها مساحات نقدية مهمة جدا، ولولاها لما أثير ويثار الجدل بشأن إنتاجها الفني متعدد الزوايا، ولم يكن النقد بمنأى عنها في صيرورتها وتكوّنها وانبعاث أسمائها اللامعة، غير أننا نجد أن الفعل النقدي العراقي تخلف كثيرا عن مواكبة شعرية الثقافة كلها منذ مطلع الثمانينيات وحتى اليوم، وكان على الأجيال الجديدة أن تنتج نقديتها معها، وهو أمر مكلف على ما يبدو بسبب اتساع رقعة المنجز الأدبي عبر أربعة عقود وتخلف البصيرة النقدية التي تأخرت كثيراً عن اللحاق بهذا الكم الواسع من الشعر والشعراء. (كاتب عراقي)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة