تنشر »السفير« فصلا من الكتاب الجديد الذي يصدره، غدا، السفير المؤرخ عادل اسماعيل تحت عنوان »المردائيون المردة من هم؟ من أين جاءوا؟ وما هي علاقتهم بالجراجمة والموارنة؟«. ويعتبر هذا الكتاب الموثق جيدا كشفا مهما حققه الرجل الذي أخذ على عاتقه اعادة كتابة فصول أساسية من تاريخ لبنان الحديث، بالاستناد الى كنوز من الوثائق والمحفوظات والمراسلات الدبلوماسية الأجنبية (البريطانية، الفرنسية، الإيطالية الخ). ويمكن اعتبار جهد هذا الدبلوماسي العريق المتقاعد محاولة متميزة لإعادة كتابة تاريخ لبنان بعيدا عن الأساطير او الخرافات او الادعاءات التي فرضتها أغراض سياسية متأخرة، فأعادت صياغة بعض الوقائع بما يتلاءم مع مقاصدها وادعاءاتها التي صارت من بعد سندا للنظام الذي تسببت مظالمه في أكثر من انفجار أهلي. الفصل السادس المردائيون (المردة) من هم؟ ما هو أصلهم؟ من أين جاؤوا؟ وما هو الدور الذي قاموا به في منطقة الشرق الأوسط؟ 1 نبدأ بالقول ان كلمة »مردائيتاي« (Mardaitai) هي، في الأصل، تسمية لقبائل فارسية تدعى »مارد« (Mardes) او »ماردي« (Mardi). وعندما أصبح هؤلاء مسيحيين في الامبراطورية البيزنطية يقيمون في أعالي بلاد ما بين النهرين، نزعت الصفة »البربرية« عن تسميتهم هذه وتم تحديثها، اذا صح التعبير، فأصبحت مردائيتاي (Mardaitai) وهي صياغة لغوية اغريقية نجدها، حسب قول علماء اللغة اليونانية، في الفترة الكلاسيكية كما في الفترة الحديثة (Koinژ) التي بلغت فيها اللغة اليونانية مستواها الاعلى ولا سيما في العهد الهلينستي (Hellژnistique) أيام البطالسة في مصر. وتجدر الإشارة الى ان كلمة »مارد« ما تزال مستعملة حتى الآن في إيران وتعني: »الرجل الشجاع« او »البطل«، وجمعها ماردان (Mard‰n). ونعتقد، من جهتنا، انه كان بوسع المؤرخين الذين خلطوا بين »المردة« والجراجمة ان يتجنبوا هذا الخطأ لو أنهم رجعوا الى الكتب والمعاجم المختصة بأسماء الاعلام والأمكنة، ولو أخذوا، من جهة اخرى، بعين الاعتبار مسألة الهجرات والتنقل الجماعي للسكان في مناطق آسيا الغربية وآسيا الوسطى، وكانت هذه الظاهرة شائعة جدا فيها بسبب الحروب التي اجتاحتها خلال الحقب الماضية. ونضيف الى ذلك ان الأب لامنس اليسوعي، لو اطلع على كل ذلك لما اكتفى بالقول، في كتابيه الاول حول تاريخ سوريا، والثاني حول عهد الخليفة معاوية بن أبي سفيان، »أن المردة ليسوا سوريين« (اي ليسوا موارنة على اعتبار ان الموارنة هم، في الأصل، من سكان وادي العاصي في شمال سوريا)، وانما كان ذهب الى أبعد من ذلك ورفض التماثل بين المردة والجراجمة، وهو تماثل مجهول لدى المؤرخين العرب الذين يعتمد لامنس كثيرا عليهم في أبحاثه، ولما وافق، دون جدل او نقاش، على أطروحة المؤرخ الألماني تيودور نولدكه في هذا المجال. 2 بعد هذا العرض المقتضب، نود ان نقدم البراهين على ان المردائيين او المردائيتاي، حسب ما جاء في كتاب تيوفانس »كرونولوجيا«، او »المردة« حسب ابن العبري، هم من أصل فارسي وميدي استنادا الى الجغرافيين والمؤرخين اليونانيين والرومان القدامى: أ المؤرخ الاغريقي هيرودوتس (Hگrodotos، 484 420؟ ق.م)، ذكر المارديين بصفتهم إحدى القبائل الفارسية، كما أشار مواطنه الجغرافي استرابون (Strab™n, Strabo، 58ق.م 25؟ ميلادية) الى وجود قبائل عديدة من المارديين في شرق بلاد فارس وجنوبها وأيضا في المنطقة الجنوبية الغربية من بحر قزوين. اما المؤرخ اليوناني أريانوس (Arrianus، 95ق.م 175م) فتحدث عن هؤلاء المارديين في كتابه عن فتوحات الاسكندر المقدوني الكبير، واعتبرهم أفضل النبّالة لدى الأخميديين. وقد قاد الاسكندر حملة عليهم في جنوب بحر قزوين وأخضعهم قبل ان يتقدم بجيوشه في بطاح آسيا، وكان المقدوني الكبير يخشى من هجمات هؤلاء المحاربين الأشداء الخطرين وقد رأى بعينه بسالتهم في معركة أربيل (Arbڈles 331ق.م) التي قادها ضد ملك الفرس داريوس الثالث (336 330ق.م). وتجدر الاشارة، بهذه المناسبة، الى ان هؤلاء المارديين كانوا قد سيطروا على قلعة سارد (Sarde) وأتاحوا بذلك للملك قورش (Cyrus 556 530ق.م) ان يأخذ الملك كريزوس (Crژsus 561 546ق.م) أسيرا ويضع حدا نهائيا للمملكة الليدية (546ق.م) بحيث أصبح المارديون، منذ ذلك الحين، أساس القوة الضاربة للفرس ويشكلون لديهم خيرة جنود الوحدات الخاصة. اما المؤرخ الروماني تاسيتوس (Tacitus، 55 120م) الذي أرّخ لحروب روما في الشرق فقال ان القائد الروماني كوربيلو (Cnejus Domitius Corbulo)، توفي سنة 67م) اضطر الى محاربة المارديين الذين وصفهم بأنهم »شعب متمرس على القتال وعلى أعمال القرصنة«. وقال انهم ميديون فارسيون. ب يؤكد المؤرخون المحدثون أطروحات المؤرخين والجغرافيين القدامى. ولعل المؤرخ أنكتيل ديبرون (Anquetil - Duperron)، عضو الاكاديمية الفرنسية للكتابات والفنون الجميلة، هو أبرزهم في توضيح أصل هؤلاء المارديين وعلاقاتهم بجيرانهم، ودورهم في الحروب التي قامت طوال القرون الستة الاخيرة قبل الميلاد والسبعة الاولى بعده. وقد وضع هذا المؤرخ، الذي بلغ هيبة علمية كبرى، أطروحاته في دراستين شاملتين عن المارديين قدمهما الى الاكاديمية التي ينتمي اليها، وضع الاولى منهما سنة 1782، والثانية سنة 1787 فخصص الاولى لهجرات هؤلاء المارديين العديدة وتنقلاتهم المستمرة في بلاد فارس، ووادي الرافدين، وأرمينيا وميديا الصغرى الفارسية أتروباتين (Mژdie Atropatڈne)، وشواطئ البحر الاسود (Pont-Euxin اي »البحر المضياف«) وغيرها من المناطق. وتشمل هذه الدراسة ستة قرون تمتد من السنة 560ق.م. حتى القرن الاول الميلادي. اما الدراسة الثانية فتتعلق بكيفية وصول المارديين الى لبنان، ويعتمد أنكتيل ديبرون بالدرجة الاولى فيها على مؤلفات تيوفانس. ولكنه لا يأتي على ذكر الموارنة الا حين يأتي على ذكر أحداث العام 753م. ويقول في هذا الشأن انهم، اي الموارنة، وصلوا اليه (لبنان) في عهد الامبراطور قسطنطين الخامس كوبرنيموس (Constantin Copernimus)، وبتشجيع منه، وهذا ما أدى الى وقوع معركة بينهم وبين العرب في تلك السنة (نعتقد ان هذه المعركة جرت سنة 759 وليس سنة 753 كما يقول أنكتيل ديبرون) كان النصر فيها لصالح الجيش العباسي. وقد أثارت هذه المعركة بفظاعتها حفيظة الإمام الاوزاعي الذي احتج بشدة لدى الخليفة المنصور على سوء تصرف والي بعلبك وقائد حاميتها. وبنتيجة هذه المعركة، التي ذهب ضحيتها كثير من القتلى، انطوى الموارنة في جبال لبنان الشمالي حول وادي قاديشا وساءت علاقتهم بالبيزنطيين، والتزموا بعد ذلك موقف الحياد. وكانت هذه المعركة الاولى والاخيرة بين الموارنة والجيش العربي، خلافا لما يُردد في دراسات يشير بعضها الى ان الحرب بين الموارنة والعرب قائمة منذ خمسة عشر قرنا، وما تزال مستمرة حتى اليوم!! ويتبين من دراسات أنكتيل ديبرون ان هؤلاء المارديين كانوا من أصل ميدي فارسي، بل ويغلب عليهم، حسب رأيه، العرق الميدي، وربما كانت نواتهم الأصلية من الشعب الميدي ذاته. ويعتقد هذا المؤرخ ان هؤلاء المارديين انتشروا في مختلف مناطق آسيا الغربية بفعل هجراتهم المستمرة، او بفعل الحروب وعمليات النقل الجماعي الاجباري التي تعرضوا لها طوال القرون الاخيرة ما قبل الميلاد والقرون الستة بعده. 3 واذا كان القارئ بحاجة الى براهين جديدة لإثبات الأصل الفارسي الميدي للمردائيين (المردة)، فيمكننا اضافة عنصر لغوي يثبت هذا الاصل بالإضافة الى البراهين الاخرى التي أشرنا اليها في ما سبق. لقد أكد أنكتيل ديبرون ان كلمة »مارد« هي فارسية الأصل وتعني، كما قلنا سابقا، الرجل الشجاع، البطل ولا علاقة لها بالتمرد. ونلاحظ ان هذه الكلمة تشكل المقطع الاول لأسماء أعلام فارسية تولوا خلال العهود المتعاقبة مسؤوليات كبرى في الدولة، نذكر على سبيل المثال اكثرها شهرة: ماردونيوس (Mardonius)، صهر الملك داريوس الذي كان القائد العام للجيش الفارسي وشارك في الحرب الميدية الاولى كما يؤكد ذلك المؤرخ الاغريقي هيرودوتس وهناك إسما ماردون (Mardon) وماردوي (Mardo•) اللذان أشار اليهما الشاعر اليوناني آخيل (Eschyle، 525 426ق.م) في كتابه »الفرس« ثم اسم ماردوخيه الفارسي (Mardochژe) ابن عم أستير (Esther) والوصي عليها. وبالإضافة الى هذه الأسماء نذكر القبائل الفارسية المعروفة بالمارد (Mardes) او الماردي (Mardi) كما يشير اليها العالم الجغرافي جوستوس برتس (Justus Perthes). وليست هذه التسميات فريدة من نوعها في تاريخ وجغرافية فارس وبلاد ما بين النهرين، وانما كانت شائعة في معظم بلدان الشرق الاوسط وغرب آسيا كما هو الحال في لبنان، نذكر منها على سبيل المثال كلمة »كفر« التي تعني بالسريانية: القرية او المزرعة او الحقل. ومن هنا أسماء عشرات القرى اللبنانية التي تبدأ بهذا الاسم، منها: كفررمان، كفرفالوس، كفرشيما، كفرفاقود، كفرنبرخ، كفرعقا، وكفركلا وغيرها وغيرها كثر. 4 وللمزيد من التأكيد على الأصل الفارسي الميدي لهؤلاء المردائيتاي (المردة) الذين تحدث عنهم تيوفانس، نود الإشارة الى عامل تاريخي وجغرافي معا، من شأنه ان يؤكد وجه الشبه بين هؤلاء المردائيتاي، الذين أقاموا في سفوح جبال لبنان والمارديين (أبناء مدينة مارد) الذين شُتتوا في مناطق غرب آسيا على أثر الحملات العسكرية التي قام بها الرومان بين القرن الاول قبل الميلاد والقرن الرابع بعده، ولا سيما في منطقة وادي الرافدين في أسفل جبل ماسيوس (Masius) حيث تقع مدينة مارد القديمة (ماردين الحديثة) فبعد ان قتل الامبراطور جوليانوس الجاحد (Julien lصApostat) في حروبه مع الفرس سنة 363م، نصّب الجيش الروماني جوفيانوس (Flavius Claudius Jovianus، 331 364م) خلفا له. وقد اضطر هذا الامبراطور الجديد الى عقد الصلح مع ملك الفرس شاهبور الثاني (سابور Chahpuhr، 310 379م)، ووقع معه معاهدة كانت لمصلحة الفرس وغير مشرّفة للامبراطور الروماني الجديد إذ تعهد فيها، حسب قول المؤرخ اللاتيني، الانطاكي المولد أميان مارسيلان (Ammien Marcellin، 330 400م) بالانسحاب من مناطق واسعة من بلاد فارس التي تشكل عمق المنطقة الشرقية للامبراطورية الرومانية، وتتضمن عددا من المدن المحصنة ومنها مدينة مارد، عاصمة المارديين، التي طالما استعصت على الفاتحين، على حد قول جوستوس برتس، ودارت حولها المعارك وتنافس عليها المتنافسون. وقد تحدث أميان مارسيلان عن هذه المعارك بإسهاب. ووصف معاناة ذلك الشعب الذي أقدم جوفيانوس على طرده من مدينته. وشهد أميان مارسيلان بأم عينه هذه الأحداث، وسجل رواية ذلك الاستسلام، الذي اعتبره مخزيا بحق الامبراطورية الرومانية، والهجرة القاسية للشعب المارديني الذي اقتلع من أرضه وطرد من بيوته وهُدد بالقتل ان لم يستجب لتلك الأوامر، وشُتت بعد ذلك في أنحاء الامبراطورية الرومانية. ويرى المؤرخون، وفي طليعتهم فاسيلييف، انه من غير المستبعد ان يكون لبنان، الذي كان في تلك الحقبة (القرن الرابع الميلادي)، قليل السكان، قد اختير ليكون موطنا موقتا لهؤلاء المارديين المطرودين من بلادهم. وعلى كل حال، فان فاسيلييف يفسر هذه الفرضية بقوله: ان »المردائيتاي كانوا، في عهد جوستينيانوس الثاني، مستقرين في جبل لبنان منذ زمن طويل«. وعندما ذكر فاسيلييف كلمة »مستقرين« هذه، فانه كان يستند، حسب قوله، على المصادر الاغريقية واللاتينية بالذات. وتجدر الإشارة في هذا المجال الى ان مدينة مارد (ماردين) عادت الى بيزنطة في عهد الامبراطور أناستازيوس الاول (Anastase le Silenciaire، 430 518م) وبقيت كذلك حتى الفتح العربي حيث دخلت في صلب الدولة الاموية. الخاتمة ما هي الحقائق الثابتة حول المردائيين (المردة)، الجراجمة، الموارنة؟ بعد اللمحة التاريخية الشاملة التي قدمناها في الفصول السابقة حول هذه الشعوب الثلاثة: المردائيون، الجراجمة، الموارنة من حيث انتمائهم الإتني وأصولهم، وعلاقاتهم فيما بينهم، ومع بيزنطة ثم مع الدولة العربية، يمكننا ان نستخلص بعض الحقائق التي يمكن ان نعتبرها ثابتة الى حين يكتشف المؤرخون او علماء الآثار براهين جديدة تدحض وجهات النظر التي بيّناها سابقا والتي استندنا فيها الى أقوال واجتهادات كبار المؤرخين والجغرافيين القدامى اليونانيين واللاتين والعرب والسريان ولا سيما المؤرخين الموارنة السابقين والمحدثين. فالحقيقة التاريخية هي إبنة البحث، والبحث تجدد مستمر. ما هي إذا هذه الحقائق؟ 1 الحقيقة الاولى: المردائيون وصلوا الى لبنان قبل الفتح العربي ان اعتقادنا بأن المردائيين او المردائيتاي، حسب النص اليوناني، او المردة حسب النص السرياني، قد هاجروا او هجّروا الى سفوح جبال لبنان في أثناء الحرب الرومانية الفارسية الميدية، وهذه الحقيقة تبقى ثابتة، حسب المصادر العديدة التي ذكرناها في الفصول السابقة الى حين اكتشاف براهين جديدة تصحح وجهات نظرنا حول هذا الموضوع الكثير التعقيد. ونعتقد، من جهة ثانية، ان هذا التهجير او النقل الجماعي، او الهجرة الجماعية قد تمت الى لبنان تنفيذا للمعاهدة التي عُقدت سنة 363م بين الامبراطور الروماني جوفيانوس والملك الفارسي شاهبور الثاني (سابور) كما ذكرنا في الفصل السادس من هذا الكتاب. ويحملنا التحفظ العلمي الى القول ايضا ان نقل هؤلاء المردائيين ربما تم في فترة سابقة على ذلك التاريخ. وعلى كل حال، فمن المؤكد ان هؤلاء المارديين (المردائيتاي، المردة) كانوا مقيمين في سفوح جبال لبنان قبل الفتح العربي، كما يؤكد المؤرخ فاسيلييف. أما قول تيوفانس انهم أرسلوا الى لبنان في عهد قسطنطين الرابع في حدود العام 669م لتعطيل طرق المواصلات في الدولة العربية وللتضييق على عاصمتها دمشق، فهو قول غير واقعي للأسباب التالية: أ كيف يمكن وصول جيش مؤلف من أكثر من 12 ألف مقاتل مع عائلاتهم (اي حوالى ثلاثين ألف نسمة على الأقل) من أعماق الدولة البيزنطية الى جبال لبنان في أواسط أراضي الدولة الاموية وعلى بعد مسافة 600 او 800كلم من مركز انطلاقها الى تجمعها في الجبال اللبنانية دون ان تتعرض لمجابهة كبرى من قبل الجيش العربي المرابط في آسيا الصغرى وبطاح سوريا، والمسيطر على طرق المواصلات فيها حيث شيّد العرب عددا ضخما من الحصون والقلاع والمدن المحصنة وأقاموا فيها آلاف الجنود والخيالة. وليس هناك أحد من المؤرخين العرب او البيزنطيين أتى على ذكر مثل هذه الهجرة الاجتياح، وحتى تيوفانس نفسه صاحب هذه النظرية لم يحدد تفاصيلها كما هو معهود عنه. ب والامر اللامنطقي في كلام تيوفانس قوله، بكثير من السذاجة، ان المردائيتاي أرسلوا الى جبال لبنان وجوارها في السنة 669(؟) اي في عهد قسطنطين الرابع اللحياني، ثم يضيف في مكان آخر، انهم نُقلوا من هذه الجبال في أوائل الثمانينات من ذلك القرن تنفيذا للاتفاق الموقع بين عبد الملك وجوستينيانوس الثاني الأخرم... ونستنتج من ذلك ان بقاء هؤلاء المردائيتاي في لبنان لم يستمر سوى عشر سنوات ونيّف... فهل هذه المدة كافية لإتمام الانتقال بوسائل محدودة جدا في ذلك العصر، بطيئة بطء السير على الأقدام وامتطاء الدواب والخيول، ثم تأمين استقرار المحاربين وعائلاتهم وتنظيم صفوفهم ليصبحوا قوة ضاربة »دبّت الرعب في كامل المنطقة الممتدة من بيت المقدس الى انطاكية«، على حد قول تيوفانس، ثم سحبهم من هذه البلاد في الثمانينات من القرن السابع الميلادي، واعادة تشتيتهم في ما وراء حدود الدولة العربية؟ كل ذلك تم في غضون سنوات قليلة معدودة!! هذا كلام يتضمن الكثير من التناقض، ولا يثبته الواقع التاريخي، ولا يستقيم للمنطق، ولا لأي عمل عسكري منظم. 3 وبرهان آخر نقدمه في هذا المجال، هو ما نستخلصه من كلام المؤرخ براييه (Brژhier) الوارد في كتاب »حياة وموت بيزنطة« الذي وضعه استنادا الى المصادر اللاتينية والبيزنطية حيث يقول: »ان ثورة (La rژvolte) المردائيتاي في لبنان حملت معاوية على طلب الصلح« (من الامبراطور البيزنطي). ويضيف في مكان آخر، مفسرا أسباب نقل هؤلاء المردائيتاي من لبنان، فيقول انهم كانوا ثوارا (Rژvoltژs) رافضين (Rژfractaires) للحكم العربي الاسلامي. وهنا نود ان نتوقف قليلا عند هاتين الكلمتين لنقول ان المؤرخ براييه (Brژhier)، وهو من أبرز مؤرخي بيزنطة والضليع بدقائق اللغة الفرنسية والذي يقدّر تماما معنى كل كلمة يقولها، لا يمكنه ان يستعمل هاتين الكلمتين في حديثه عن المقاتلين المردائيتاي، الذين يؤكد تيوفانس انهم أرسلوا سنة 669 لمحاربة العرب، بأنهم »ثوار« و»رافضين« الحكم العربي. »فالثورة« و»رفض الحكم العربي« موقفان لا يصدران الا عن فئة مقيمة منذ مدة طويلة في البلاد وخاضعة للحكم العربي، لا عن فرق من المحاربين أرسلوا اليها منذ وقت قصير للقتال ضد الجيش العربي وضرب طرق مواصلاته. ثم ان تيوفانس يناقض نفسه حين يقول ان هؤلاء المردائيتاي كانوا »يزرعون الرعب في المنطقة الممتدة من القدس الى انطاكية في شمال سوريا«. فاذا كان الامر كذلك، فانه يعني ان هؤلاء المردائيتاي كانوا مستقرين في البلاد منذ زمن طويل ويعرفون خفايا طرقها ومعارجها وأماكنها الصالحة للهجوم والدفاع، وهذه الأمور لا تتوافر لمحاربين قدموا إليها منذ وقت قصير لا يتجاوز سنوات معدودة. 2 الحقيقة الثانية: كلمة مردة ليست مشتقة من الفعل العربي »تمرد« ان كلمة »مردة« السريانية هي اختصار لفظي معرّب لكلمة »مردائيتاي« اليونانية، ولكلمة ماردائيته (Mardaitae) اللاتينية. انه اسم لشعب محدد بعينه، وليس صفة لهذا الشعب. وقد شرحنا ذلك بإسهاب في ما سبق (راجع ما قبله ص47 49). 3 الحقيقة الثالثة: لا علاقة إطلاقا بين المردة والجراجمة انهما شعبان مختلفان جاءا من بلدين مختلفين وينتميان لإتنيتين مختلفتين، ويتكلمان لغتين مختلفتين أيضا. 4 الحقيقة الرابعة: ليس هناك أي تطابق بين المردة والموارنة. ولا بأس من أن نعيد هنا باختصار ما قلناه بإسهاب سابقا في هذا الموضوع زيادة في التوضيح: المردة هم من أصل فارسي ميدي (آري)، والموارنة هم من عنصر عربي او آرامي مستعرب. المردة يتكلمون لهجات فارسية ميدية، والموارنة يتكلمون السريانية والعربية. المردة فرس، وثنيون تنصّروا وانضموا الى جيوش قيصر الروم واعتنقوا على التوالي مذاهب متعددة حسب تقلب أوضاع الكنيسة في العهود البيزنطية وازدياد البدع والهرطقات خلالها. اما الموارنة فخلقيدونيون كاثوليك من أتباع الكنيسة الرسولية الرومانية الجامعة. 5 الحقيقة الخامسة: لقد تم قدوم الموارنة الى لبنان على دفعات متتالية تضمنت الاولى منها رهبانا ونساكا ومضطهدين من قبَل البيزنطيين واليعاقبة، وأعدادا من الذين التجأوا الى الجبل هربا من الحروب والغزوات والنفي الجماعي التي عرفتها بلدان غرب آسيا طوال الحقب الاولى من العهد البيزنطي. ولم تتخذ الهجرات المارونية الى لبنان كثافتها العددية الا في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين. اما المؤرخ أنكتيل ديبرون، عضو الاكاديمية الفرنسية للكتابات والفنون الجميلة، والاختصاصي في تاريخ بيزنطة، فيؤكد ان المرة الاولى التي ذكر فيها اسم الموارنة في الدراسات والوثائق البيزنطية كان في النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي وتحديدا في السنة 753م (راجع ما قبله ص155) اي بعد إجلاء المردائيتاي عن لبنان من قبل جوستينيانوس الثاني الاخرم بحدود سبعين سنة ونيّف (راجع ما قبله ص32). 6 الحقيقة السادسة: مما لا شك فيه ان نقل المردائيتاي من لبنان، تنفيذا لأوامر جوستينيانوس الثاني، لم يتم بشكل شامل. ومن المؤكد ان الذين بقوا منهم في هذه البلاد، وهم قليلو العدد، لجأوا الى المناطق الجبلية، بعد ان فقدوا صفة المحاربين، وما لبثوا، مع الزمن، ان انخرطوا، في أكثريتهم، بأبناء طائفة الروم بفعل وحدة العقيدة الأرثوذكسية وقرب الجوار بينهم، وفي أقليتهم، بالموارنة لإلتجائهم هربا الى الأماكن الجبلية الوعرة المسالك. وما لبث هؤلاء المردائيتاي ان ذابوا بهؤلاء وأولئك وتبنّوا لغتهم ومعتقداتهم وعاداتهم.