As Safir Logo
المصدر:

معرض نذير إسماعيل... إيقونات الحرب وسجل الوجوه المدمرة

المؤلف: بزون احمد التاريخ: 2013-03-30 رقم العدد:12443

لا تغيب الوجوه عن أعمال الفنان السوري نذير إسماعيل، فهو منذ زمن بعيد يقدم هذا التوثيق الفني لوجوه الناس، التي يقرأ فيها حالات وأمزجة وتاريخاً وحاضراً وربما مستقبلاً. يقرأ معاناة وأحداثاً ومراحل من عمر مجتمع. بل تُقرِئه الوجوهُ همومَها وأحزانَها ومشكلاتِها. إلا أن تلك القراءة لا تكتمل من دون ذلك الجدل الذي لا بد منه، لدى فنان نذر نفسه لقضايا الإنسان قبل أن ينذر نفسه للفن. 35 لوحة جديدة (في صالة Art on 56th لغاية 12 نيسان)، مؤرخة في العام 2012، ما يعني أنها تشكل مشهديات متناثرة من واقع الحرب التي تدور في أنحاء سوريا، من الواقع الذي يفرض نفسه على الفن والفنانين، في الوقت الذي يفرض نفسه على الحياة اليومية للناس. لوحات مشغولة بمواد مختلطة، بعضها أدخل الفنانُ فيه تقنياتِ الكولاج، مستعيناً بقصاصات الصحف، ليعبر أكثر ربما عن الوقع القوي للخبر اليومي. ربما غابت لوحة الوجه المنفرد التي كنا نراها في تجاربَ سابقةٍ، لأن المعاناة باتت أكثر جماعية، والمجازر تحول الوجوه إلى كومة انكسار ودمار وخراب. تَعْبُر ريشةُ إسماعيل المسافةَ بين وجوه شاهدة على ما يجري ووجوه الضحايا الذين يسقطون. كأن الفنان الذي كان يعبر الشوارع والأسواق والحارات الدمشقية ليجمع حصاد لوحاته، أو ينتظرها في مقهى أو زاوية شارع، بات عليه اليوم أن يذهب إلى أرض أكثر سخونة، ويقصد الوجوه حيث هي. حتى أننا نشعر ونحن نتجول بين وجوه المعرض بأن الفنان انتشل بعض وجوهه من مقبرة، أو رآها في حلم كابوسي، أو صورها وسط نار الحرب أو عقب انفجار أو قذيفة صاروخية. بل نشعر به كما لو أصابته الحرب بجنونها، يرى رؤوساً انشقت نصفين، أو تشققت، أو نخرتها آلة الحرب. يميل إسماعيل دائماً إلى التجريد في تصوير وجوهه، فلا يمثل أشخاصاً، أو ينقل تفاصيل شخوصه، بقدر ما ينقل حالاتهم وانعكاسها في داخله. يصور الأرواح الساكنة في الوجوه. كل وجوهه من دون أفواه. هكذا خرجت الأشكال من مخيلته لا من الواقع، ليعبّر عن القسوة التي تعانيها، عن زمن إخراس الناس وقمع الحريات وتحجيب الكلام. وهو غالباً ما يحوّل مساحة الوجه إلى مساحات لونية، تتنوع بين لوحة وأخرى، يلعب في إضاءتها فيجعل جزءاً من الوجه يحاور آخر، ما يساهم في تسخين التوجه الدرامي لتعبيرية إسماعيل، كما يضاف هذا الحوار إلى بعض من أسطرة الأشكال، بحيث تبدو بعض الوجوه كأنها تسكن التاريخ، أو مصابة بحروب كبرى عبرت تاريخ سوريا. أو كأن بعضها يخرج من المتحف، فالزمن فيها أيقوني أزلي، والنظرة فيها بدأت من دهر وتستمر دهوراً. على أن الزمن هاجس في أعمال المعرض، وقد رأينا إحدى اللوحات تجمع وجوهاً سقطت، ووجوهاً تسقط وأخرى تنتظر، فتؤكد استمرار القهر وسلسلة العذابات التي تحكم الناس. وبالعودة إلى الألوان، فإن الفنان اعتمد بالإضافة إلى الألوان الترابية والباهتة والقاتمة، تماشياً مع اتجاهه التعبيري، الأحمر والأصفر، مشعلاً بعض اللوحات بألوان الحرائق التي تصيب بلده، ليبقى في الجو التعبيري نفسه، ويفتح فضاء اللوحة على مزيد من التجريب اللوني والتقني. وهو استخدم خامات ورقية مختلفة وتقنيات متنوعة في وضع اللون واستخداماته. ولا يغيب الطير كعنصر حاضر في عدد كبير من لوحات الفنان، الطير الذي يذكرنا دائماً بقول: «كأن على رؤوسهم الطير»، بل يذكرنا بحال السكون والترقب والانتظار التي يعيشها المواطن، بل تذكر بذلك الخشوع الصوفي التأملي، الذي يتوافق مع ذلك الارتحال الوجودي الذي يمارسه الفنان وهو يشكل وجوهه أو يعمرها بأسلوب بنائي صارم أو أسلوب حر. معرض يضعنا أمام فنان عرف كيف يستخدم، بجدارة عالية، الوجوه كمساحة اختبارية، تسمح بإطلاق تعبيرية ريادية، منفتحة على تمثيل أوسع وأكثر تكثيفاً للحالات الإنسانية.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة