الاقتصاد السوري في غرفة العناية المركزة، كلام قد يبدو مستفزاً لكنه الحقيقة التي يتعامى عنها البعض ويتقبّلها البعض الآخر. يحصل ذلك في ظلّ التدهور الحاد الذي تشهده الحياة الاقتصادية السورية، مع انهيار في قطاعات كاملة كالسياحة وتراجع قيمة الليرة السورية إلى مستويات قياسية وارتفاع هستيري في العقارات. يُضاف إليه تضخّم وغلاء يطال مختلف السلع الأساسية وغير الأساسية، فضلاً عن توقف في مجالات الزراعة والصناعة التي تعاني من قبل بدء الأحداث بفعل التدفق الصناعي والتجاري التركي على الأسواق السورية ما شكل حالة ضرر فاقمتها الأزمة الأخيرة ليبقى قطاع النفط مأساة أخرى تضيع معها فرص كثيرة بالنهوض بحال البلاد. الليرة السورية... من سيئ إلى أسوأ لعلّ قيمة الليرة السورية هي إحدى السمات الأساسية لعامين في عمر الأزمة بشقها الاقتصادي. فمن سعر صرف أمام الدولار الأميركي بحدود 47 ليرة تدهور الحال حتى وصل إلى 125 ليرة للدولار الواحد، وتخطاه لليورو إلى حدّ 155 ليرة. وأبعد من ذلك، حين يتفاوت السعر من محافظة لأخرى وسط حديث من المصرف المركزي عن إجراءات للتدخل وإعادة خفض السعر من جديد، يكون لافتاً إعلان مدير المصرف التجاري السوري أن سعر الصرف لمئة ليرة بالنسبة للدولار في السوق السوداء هو سعر أكثر من ممتاز، وكان الأمل هو المحافظة عليه مستقراً في هذه الحدود من دون أن يزداد، بالنظر إلى توقف النشاط الاقتصادي في البلاد وتراجعه في قطاعات كثيرة. أضف إلى ما سبق أن الكثير من الموارد المحلية باتت ضعيفة ومسجلة تراجعاً ملحوظاً، وهنا يتحدث مدير المصرف التجاري السوري أحمد دياب قائلاً إن لارتفاع سعر الصرف أثراً أكيداً على القدرة الشرائية لليرة السورية، على قاعدة أن الأغلبية العظمى من احتياجات المستهلكين تستورد من دول الخارج وتسدّد أثمانها وقيم صفقاتها بالدولار بشكل أساسي، إضافة إلى أن جزءاً كبيراً من الصناعات والمنتجات المحلية تعتمد على المواد الأولية المستوردة من الخارج. في المقابل، يتحدث محلّل اقتصادي عن سعر الصرف مؤكداً أنه مرتبط بعوامل سياسية واقتصادية عدة، تؤثر عليه صعوداً أو هبوطاً. وبالتالي، لا يمكن إغفال التطورات الأخيرة التي دفعت بقيمة الليرة إلى التراجع، لافتاً من جهة أخرى إلى أن التعويل الأساسي يبقى على المصرف المركزي الذي يُفترض به القيام بإجراءات عاجلة للحدّ من تراجع الليرة إضافة لعمليات المضاربة في السوق السوداء. ويشرح المحلّل تباين السعر بين منطقة وأخرى بحالة الأسواق المنعزلة عن بعضها البعض، وبالتالي تحدّد معاملات كل سوق وفقاً لآلية العرض والطلب التي تسمح بالتوجّه للسعر الأنسب، وفق تعبيره. في المقابل، تشير معطيات البنك المركزي إلى سياسات تحضّر لإنقاذ الليرة بداية بالسماح ببيع العملة الأجنبية (اليورو حصراً) بحدّ أقصى خمسة آلاف يورو بالشهر ثم عاد لتخفيضه إلى ألف، ولا يتجاوز سقف عمليات البيع للفرد الواحد أكثر من خمسة آلاف في السنة بينما يتحدث مهتمّون بالشأن المالي عن عزوف تجار السوق السوداء عن البيع بمبالغ كبيرة وبعضهم عن البيع بالمطلق تخوّفاً من أي حدث مفاجئ سيعني بداية الانهيار الفعلي للعملة. الجدير ذكره أن الارتفاع في سعر الدولار ترافق مع ارتفاع جنوني في قيمة الذهب، وصل يوم الأربعاء الماضي إلى 5300 ليرة للغرام، 21 قيراطاً، وهو أعلى سعر سجله المعدن الثمين منذ بداية الأزمة على الرغم من أنه، وفي مثل هذا الوقت من السنة الماضية تجاوز 4500 ليرة مع تجاوز الدولار حاجز الـ100 ليرة. الموقف الرسمي متفائل يستمر المصرف المركزي في المراهنة على قدرة الاقتصاد على التعافي، كما الليرة على الصمود. في السياق، حذّر حاكم المصرف المركزي السوري أديب ميالة من «يراهن» على انهيار قيمة الليرة السورية، ومن يحمل السلاح في النزاع المستمر في البلاد منذ عامين، وذلك في لقاء مع التلفزيون الرسمي. وقال ميالة إن «من يراهن على انهيار الليرة، مثل حامل السلاح في وجه المواطن السوري وفي وجه الجيش السوري، بالدرجة ذاتها... فهذا يقتل الإنسان وهذا يقتل الاقتصاد». من جهة أخرى، ناشد ميالة السوريين عدم التخلي عن الليرة التي فقدت نحو 120 في المئة من قيمتها منذ بدء النزاع منتصف العام 2011، وعدم استبدالها بالعملات الأجنبية. ودعا الحاكم «جميع المواطنين: من يملك مبلغاً بسيطاً جداً إلى من يملك مبلغاً كبيراً جداً، إلى الحفاظ عليه»، مضيفا: «مصير ليرتك بيدك، إن بعتها وتخليت عنها، تخلت عنك وستنهار قيمتها». وفي السياق، أشار ميالة إلى أن المصرف المركزي والحكومة وضعا خطة لتعويض التراجع الحاصل في قيمة الليرة، وإنها «تسير باتجاه إجراءات ايجابية سوف تظهر خلال فترة ليست طويلة». وبحسب حاكم المصرف المركزي، فإنه «خلال هذه الإجراءات، سيتبين للناس أن الأمور تتعافى شيئاً فشيئاً حتى تستعيد الليرة قيمتها الحقيقية»، مشدداً على أن سعر الصرف «سيعود إلى أساس قيمته الاقتصادية». من جهته، اعتبر رئيس الوزراء السوري وائل الحلقي أن «المراهنة على انهيار الاقتصاد السوري والليرة السورية فشلت نتيجة تدخل الحكومة واتخاذها إجراءات اقتصادية»، بحسب تصريحات نقلتها وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا). وأكد الحلقي أن «الاقتصاد السوري متين ومتنوع» مشيراً إلى أن لدى الحكومة «خيارات متعددة لمعالجة تداعيات الأزمة في هذا المجال، إضافة إلى وجود مخازن إستراتيجية من المواد الأساسية تكفي لأشهر». بطالة وفقر.. وغلاء يلتهم كل شيء لم تمضِ بضعة أشهر على الأزمة في سوريا، حتى بدأت الشركات والمؤسسات الخاصة تسرّح موظفيها أو تخفض رواتبهم، ومعظم هؤلاء لم يسجلوا بالتأمينات الاجتماعية ولم يتسلموا أي تعويض. وتزداد الأزمة سوءاً مع بدء التدهور الميداني، ما دفع مناطق عدة للخروج عن حالة الاستقرار إضافة لموجات النزوح الهائلة التي شهدتها دمشق وبعض المدن الآمنة.. لتصل نسبة الفقر في سوريا، ووفقاً لتقرير رسمي صادر عن الاتحاد المهني لنقابات عمال الكهرباء والصناعات المعدنية، إلى أكثر من 40 في المئة (التقرير الأخير صدر في منتصف العام 2012). وهذه النسبة تزيد بعشرة في المئة عن آخر دراسة أعدّتها الحكومة السورية مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والتي كشفت أن نسبة من يعيش تحت خط الفقر الأعلى (2025 ليرة سورية شهرياً أي 200 دولار) تُقدّر بـ30 في المئة وتقدّر نسبة من يعيش تحت الحدّ الأدنى بـ 10 في المئة. في المقابل، تُقدّر نسبة البطالة، وفق تصريح وزير الشؤون الاجتماعية السابق، بـ 14 في المئة بنسبة زيادة 8 في المئة. وهذه الزيادة الكبيرة في نسبة العاطلين تعود، بحسب الوزير، إلى العاملين في القطاع الخاص، بينما شهد القطاع العام ارتفاعاً بالعمالة بسبب برنامج تشغيل الشباب الذي طبقته مختلف الوزارات والمؤسسات الحكومية. وتكشف دراسة إحصائية صادرة عن الوزارة أن عدد الوافدين لسوق العمل يصل إلى 300 ألف متقدم لا يستطيع القطاع العام استيعاب أكثر من 77 ألف منهم، ما يعني الحاجة لمورد مالي يصل إلى 700 مليار ليرة سورية. وهو رقم قد يتماشى مع القيمة الإجمالية للموازنة العامة للدولة، التي أقرّها رئيس الجمهورية والتي تصل إلى ألف وثلاثمئة وثلاثة وثمانين مليار ليرة سورية. وفي ظلّ البطالة والفقر المتزايد وتدهور الليرة، يبدو من المتوقع أن تشهد الأسواق عموماً ارتفاعاً هائلاً في مختلف السلع الأساسية وغير الأساسية بدورها، وهو ما امتدّ ليشمل مرافق عدة للحياة. هكذا بات من المألوف أن تبدو محطات الوقود في دمشق خالية من البنزين، وإن توفر فهو بسعر مضاعف أكثر من السعر المحدد من الدولة. أما المواد الغذائية، فتتقدم أسعارها بسرعة، حسب نشرة أصدرتها وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك تقارن فيها بين أسعار المواد في هذه الفترة ومثلها من العام الفائت، حيث بيّنت أن الأسعار تتباين من منطقة لأخرى بحسب كونها منتجة أو مستهلكة. وأوضحت الوزارة أن ارتفاع أسعار معظم المواد المستوردة، بسبب ارتفاع سعر القطع الملحوظ خلال الفترة الماضية، والمحسوب عند احتساب تكلفة الاستيراد وكذلك ارتفاع أسعار المواد المحلية التي يدخل في إنتاجها مواد مستوردة، كمادة الأرز والسكر. وقد استقرت مواد أخرى، منتجة محلياً، كزيت الزيتون على حالها أو بزيادة طفيفة (من 225 ليرة في شباط 2012 ـ إلى 240 ليرة في 2013). أما الخبز، فقد شهد أزمة خانقة مع توقف أفران عدة عن العمل بسبب تراجع كمية الطحين ثم الوقود المستخدم لتشغيل الأفران، وقد شملت الأزمة مختلف المناطق ودفعت إلى ارتفاع أسعار أنماط أخرى من الخبز تصنع في أفران خاصة. في النتيجة، لا تبدو الحال الاقتصادية بأفضل من السياسية أو الميدانية، فالنزيف الاقتصادي مستمر مع إخفاق بإيقافه واقترابه أكثر فأكثر من حافة الانهيار، الذي ربما لن تفلح بعده أي جهود في الإنقاذ.