يغني اسم أحمد باشا الجزار، عن الحديث في سياسته داخل جبل عامل بعد إسقاطه، شيخ مشايخ هذه البلاد، ناصيف النصار، في موقعة يارون سنة 1780. نكتفي، بعينة عن أحوال جبل عامل مع الجزار، بما يسوقه عيسى اسكندر المعلوف، عن أن المرأة بيعت ب»عشرة مصاري«، وبما يسوقه الركيني من أن جماجم القتلى بقيت فترات طويلة ملقاة على شواطئ صيدا وصور. ولكن الجانب الآخر في هذه المرحلة من حكم الجزار، يتمثل في جبل عامل بظاهرة العصيان العاملي، وهي حركة، وإن كانت تندرج في مسرى حركات العصيان السائدة ضد الجزار في ذلك الوقت، في جبل لبنان (1780، 1789، 1790، 1797)، وفي دمشق (1789)، وفي جبل العرب (1806)، إلا أن خصوصيتها تكمن في كون هذه المنطقة (جبل عامل)، كانت تخضع مباشرة لحكم الجزار وجنوده المتواجدين دائما على الأرض العاملية. وتكمن ثانيا في استمراريتها من 1780 حتى سنة 1808. وتكمن ثالثا في خصوصيتها كظاهرة عصابات مسلحة تقوم طويلا وللمرة الأولى في منطقة من سوريا الجنوبية. ومما لا شك فيه أن مرحلة حلف ناصيف النصار (1749 1780) وظاهر العمر الزيداني، وبما حفلت فيه من انتصارات في معارك دارت مع الجوار الشمالي (أمراء جبل لبنان)، وفي الجوار الشرقي (باشوات آل العظم في دمشق)، وفي الجوار الجنوبي (المملوك محمد أبو الذهب)، كانت في أساس بعض من سلوك العامليين وعصيانهم حكم الجزار المباشر، إذ كانت تلك الانتصارات في أساس تركيز الوعي السياسي الطائفي لدى جمهور العامليين، فقد اكتسبوا عبرها »عامليتهم« و»متواليتهم«، بما تعنيه هاتان الصفتان من جماعة وازنة في مجرى الأحداث، وفي »أبواب« السياسة ما بين جماعات هذه المنطقة، وبما تعنيه من ثقل اقتصادي بدأ يطل على جبل عامل من مداخيل مرفأ صور ومن مداخيل التجارة التي راح يتعاطاها حكام جبل عامل ومشايخه وعلى رأسهم ناصيف النصار نفسه، والذي يقول فيه إدوار لكروا »انه كان يتعاطى التجارة والحرب، وكان مخيفا كتاجر ومخيفا كجندي«. ومن طرف آخر، كان تذمر سكان جبل لبنان وتململهم من زيادة الضرائب التي فرضها الجزار سنة 1783، باب العصيان الذي دخل منه المشايخ العامليون من آل الصغير، والذين كانوا قد لجأوا إلى بعلبك. فقد استجاب هؤلاء لاتصالات الأمير يوسف الشهابي بهم، وعروضه إمدادهم بالسلاح من قبله، رهانا منه على موقف لهم مقاوم عاملي للجزار، يخفف عنه وطأة طلباته الضرائبية المتدافعة. وقد جاء المشايخ العامليون واتخذوا من بلدة مشغرة، الطرف الجنوبي الشرقي من بلاد الأمير يوسف الشهابي، والطرف الغربي لولاية دمشق العصية على أحمد باشا الجزار حتى تاريخه. المقاومة كان الفعل الأول الذي أقدم عليه الجزار بعد انتصاره على العامليين في موقعة يارون، جلب عناصر من أكراد وأرناؤوط وإسكانهم في جبل عامل. وكانت هذه الخطوة مقدح الموقف العاملي المسلح، والذي لم تنفع في رده، كما ينقل ميخائيل مشاقة »إدارة إبراهيم مشاقة الحسنة«، وهو كما نعلم حاكم تبنين المعين من قبل الجزار نفسه. فلجأوا إلى »تأليف العصابات تجوب البراري وتهاجم قوات الجزار في جبل عامل، وتعيث فيهم قتلاً بقصد إيجاد حالة من البلبلة والفوضى لكي لا يدعوا الجزار يستقر في بلدهم«. العمل العسكري الكبير الأول، كان الهجوم على بلدة تبنين، مركز متسلم الجزار، إبراهيم مشاقة »فاحتلوا (الطيّاح) القلعة وقتلوا المتسلم، وقتلوا معه مقدار مئتي نفر وقُتل منهم أحد مشايخهم وأناس قلايل«. ردة فعل الجزار كانت على عنف وسرعة أو حسب تعبير مشاقة »قام وقعد«، وسيّر إلى جبل عامل، وتحديدا الى بلدة شحور مركز المقاومة آنذاك. وبعد تصد عنيف من قبل المتاولة استظهرت حملة الجزار على مقاوميها، وانجلت المعركة عن 300 قتيل من الشيعة، من بينهم الشيخ حمزة بن ناصيف النصار، وعدد وافر من الأسرى »وقد سيق الأسرى إلى عكا وتمّ إعدامهم على الخازوق«. حملة الجزار هذه صيّرت جميع الناس في جبل عامل طيّاحاً، فقد شردتهم في »البراري والأدغال والجبال والأقفار، وكل امرئ في عقله محتار، وصار الناس يهربون، وفي كل واد يهيمون«. ولكن الحاسم في هذه المرحلة كان احتلال الجزار لدمشق، فقد عنى هذا الفعل إقفال المعابر، الى »بر الشام« في وجه مشايخ آل الصغير، وقد تحصنوا كما سبق وأشرنا في بلدة مشغرة. كما عنى من طرف آخر رضوخ الأمير يوسف الشهابي لطلب الجزار بتسليمه »أبناء علي الصغير المقيمين فيها (مشغرة)، وهو ما أقدم عليه الأمير يوسف، في موازاة تنكيله بالعصيان ضد الجزار داخل أمارته والذي انتهى لدى الأمير يوسف بقطعه لسان أخيه واقتلاع عين أخ آخر، حفظا للسان الجزار وإكراما لعينيه. مرحلة العصيان العاملي الجديدة، كانت »اللجوء إلى الجبال«، حسب التعبير الجزائري الشهير عن العصيان، مما أجبر الجزار في البداية »لأن يرتب رجالاً دائمين للتفتيش عن الطيّاح العامليين«، ولكن هؤلاء كثيرا ما استفردوا بعض أولئك المفتشين »وظفروا بهم وأعدموهم الحياة«. وينقل إبراهيم العورة عن ازدياد حجم ونفوذ الطيّاح في الجبال »فدخلوا البلاد وصاروا يطلبون من البلاد ميري وذخائر«. لم يعد يكفي المفتشون من قبل الجزار لتدبر أمر العامليين، فاضطر لأن يعين عساكر كبيرة كان يسميها »السرولي« ويرسلهم إلى »بلاد المتاولة بشكل دائم«. لقد استفادت حركة العصيان العاملية من الصعوبات التي كان يعانيها أحمد باشا الجزار في النواحي الأخرى من باشويته: ثورات البدو في فلسطين، وصراعه مع والي دمشق. ولكن الفائدة الكبرى جاءت من ناحية جبل لبنان، يوم تمرد الجبل سنة 1798 »وقد تمكن الثوار من الاستيلاء على بيروت وصيدا وصور ومن الاقتراب من عكا«. كذلك استفادت حركة العصيان العاملية من وصول »أبو نابرتو« (بونابرت)، حسب تعبير الشيخ محمد مهدي مغنية، حيث شكل وصوله مرحلة انفراج في جبل عامل، عاد على أثرها مشايخه، اللاجئون دائما، من مشغرة، الى داخله، وكانوا بذلك من أوائل مشايخ المنطقة الذين وضعوا أنفسهم بتصرف الفرنسيين، ثم انهم قابلوا لاحقا »أبو نابرتو« وأعطاهم حكم بلادهم، وساروا من عند أمير الجيوش الفرنسية، وقدموا له الذخائر من البلاد وتسلموا القلع التي كانت لآبائهم. ولكن مستجدات جديدة، تعود وتأخذ من حركة العصيان قوة دفعها الجديدة، مع رحيل بونابرت عن أسوار عكا. ومع تسلم الأمير بشير الشهابي الكبير الحكم في جبل لبنان، وتهدئة الأوضاع داخل الامارة اللبنانية، تتراجع حركة الطياحة العاملية إلى مخابئها المحلية في جبال المنطقة العاملية، من دون تمكن الجزار منها والقضاء عليها. فقد استمر العصيان كما يرى إبراهيم العورة »كل مدة حكومة الجزار«. كذلك ينقل الركيني في مخطوطته عن حوادث قتل وعن حملات قام بها الجزار في سنوات 1201ه/ 1786م و1250ه/ 1790م، و1208ه/ 1793م، و1214ه/ 1799م. الدفع الأساسي الجديد لحركة العصيان العاملية، جاء مع موت الجزار في نيسان 1804، حيث سادت الفوضى العامة، خصوصا أن نزعات دموية راحت تحكم ما بين خلفائه، مما مكّن المتاولة من البقاء على »هياجهم في بلاد بشارة وتملّك صور بنوع من السلطة« حسب تعبير ميخائيل الدمشقي في تأريخه »لحوادث الشام«. في نهاية حكم الجزار، أي مع موته بالطبع، كانت حركة العصيان العاملية قد تجاوزت منطق نشوئها، حركة عصيان في وجه الجزار، لتدور في مرحلة ما بعده، على مضامين وموازين جديدة أفرزتها أحداث ال24 سنة الماضية تحت حكم والي عكا. قيادات جديدة بعد مقتل الشيخ حمزة بن ناصيف النصار، تراجع جميع المشايخ، ولم يعد يذكر، حتى بالاسم عن أي دور لهم في حركة مقاومة الجزار، وهذا طبيعي لفئة اعتمدت أساسا في سيطرتها الداخلية على تفاعلات الأحداث الخارجية والمحيطة. وهكذا صار خروج هؤلاء المشاع من الصراع سحقا على يد الجزار أم هروبا، مدخلا لتأخذ العائلات الوسطى في السلّم الاجتماعي دور المحدد في موقع القيادة الأول. فهذا هو »الشيخ علي الزين مدبر للمقاومة في شحور، وهذا هو سليمان البزي يُقتل على يد الجزار في عكا مع أكابر من بلاد بشارة سنة 1793. كذلك علي الدرويش زعيم الأسرة الصعبية يُشنق في عكا بعد شنق الأمير يوسف فيها. كذلك يبرز اسم حسن شيت مفاوضا باسم الثوار في مراحل لاحقة. وهذه كلها عائلات جديدة تبرز في أدوار لها على المسرح السياسي العاملي، وتأخذ من حصة قيادة آل الصغير، حتى أفرغتها بالكامل من ميدان سلطتها »فآل أمر حريمهم (آل الصغير) وبقية عيالهم وأولادهم الى ان داروا في البلاد يشحذون ويطلبون من الناس«، كما ينقل الركيني عن أحوالهم. مجيء سليمان باشا واليا على عكا، وعمله على إيقاف حركة العصيان، فتحا أبواب العودة أمام آل الصغير من أماكن لجوئهم البعيدة. المراجع العاملية وغير العاملية، لا تنقل عن صدام بين الطيّاح ومشايخ آل الصغير. ولكن صك الاتفاق النهائي بين سليمان باشا وآل الصغير، يدل على رفض طيّاح بلاد بشارة وبلاد الشقيف إرجاع آل الصغير وآل صعب وآل منكر إلى إقطاعاتهم السابقة. ففي الزيارة التي قام بها هؤلاء المشايخ الى عكا بقيادة فارس الناصيف، لتهنئة سليمان باشا »طلبوا منه إرجاع أملاكهم التي نهبها الجزار منهم. فأجابهم ان هذا غير ممكن. غير أني سأكتب للدولة بشأنكم وأستشيرها بأمركم لعلها تعوّض عليكم بدل أملاككم«. والتساؤل الذي يطرح نفسه هنا هو التالي: لو كان إرجاع المشايخ الى »أملاكهم« وإقطاعاتهم السابقة يقي سليمان باشا من فوضى الطيّاح والتي لاحظ سليمان باشا أن »شررهم وضررهم وخطرهم لا يقع على بلاد بشارة بل يشمل أيضا بلاد صفد«، مما جعل من الوالي قريبا من الكيل بميزان القوة المائل الى جانب الطيّاح، إذ انه كان قد لاحظ »أن المشايخ ليس لهم حيلة أو مهنة يعتاشون منها ولا لهم ملك يقوم بمعاشهم يكتفون به ولا هم مثل بقية الناس، كما وليس لها صنائع يشتغلون بها ولا تعودوا على المتاجرة ولا عندهم مال يوظفونه في تجارة ما ولا أحد يركن لهم ويسلمهم ماله ولا يمكن أن يتسولوا« كما يكتب إبراهيم العورة في صورة أحوالهم. لجأ مشايخ آل الصغير الى صداقاتهم العتيقة، ومنها ما يجمعهم مع آل جنبلاط. ظل الأمير بشير الشهابي في منتصف عهد امارته الأول. فوسطوا كبير مشايخهم، الشيخ بشير جنبلاط. فكان الالتقاء بين مصالح الأطراف الثلاثة: البشيريين ومشايخ آل الصغير. الجنبلاطي لتأكيد مصالحه في إقليم التفاح والشهابي لتأكيد توسيع سلطة امارته، ولا سيما أنه كان قد حاز سنة 1798، وبعد وقوف الدولة العثمانية بشخص الصدر الأعظم يوسف باشا ضيا، الى جانب الأمير بشير في صراعه مع الجزار والإقرار به على »ولاية جبل لبنان ووادي التيم وبلاد بعلبك وبلاد البقاع وبلاد المتاولة واعدا إياه بأن يبقى عليها واليا دائما بأمر الدولة وأن لا يكون للوزراء عليه تسلط، وأن إيراد أموالها يكون من يده الى خزينة الدولة كما كان في عهد الأمراء المعنيين«، كما جاء في مرويات طنوس الشدياق وحيدر شهاب وإبراهيم العورة. ولكن هذه الحيازة والسلطة للأمير بشير، بقيت اسمية طوال عهد الجزار. وهكذا فلم يكد آل الصغير يطالبونه بالتوسط »لأنهم لا يركنون لأحد سواه«، حتى وجدها الأمير »فرصة من توفيقات الباري تعالى«، فأرسل جرجس باز الى عكا لمقابلة سليمان باشا وأصحبه بعرض حال »أنه متوجه من طرفنا عبدكم الشيخ جرجس باز يعرض لمراحمكم ما يقتضي، فنتوسل لعواطف دولتكم انعطاف الخاطر لسماح وقبول ما يعرض«. ما هو عرض الأمير بشير؟ لنتابع مع العورة: »أن يعطى لهم (آل الصغير وآل صعب وآل منكر) الأمان التام وأن ترجع إليهم أملاكهم وحكومة البلاد، كما كانت أولا، أي أن يتصرفوا بها كما يشاؤون ويدفعوا عنها مالا مقطوعا فقط. وأن لا تقبل عليهم شكاية عما مضى ولا في المستقبل وأن يكونوا أحرارا في بلادهم وأعمالهم من دون تسلط عليهم من طرف واحد...«. لا يبدو أن تجاوز حركة الطياحة من السهولة بمكان، خاصة أن سليمان باشا كان على طموح في تحقيق الاستقرار في تركة الجزار. لم يكن إذاً في وارد متابعة المواجهة المسلحة معهم واللجوء الى الحسم السريع. وقد تكررت مع هذا التأخر مراجعة الأمير بشير بشأن مشايخ آل الصغير، ولا سيما أنه كان يعاني من أحداث خطيرة داخل امارته (عامية انطلياس). فتكررت وساطته. وبعد »مفاوضات طويلة« بين الخوري سابا مندوب الأمير بشير وسليمان باشا »قدم سليمان باشا عرضا لا يمكن أن يتم سواه بوجه من الوجوه، وهو أن يعطى للمشايخ محلات من إقليم الشومر لأجل معيش كل منهم قد لزوم معيشه بشرط أن يقيموا فيها ويديروها بالفلاحة والزراعة ويأكلوها معافاة بدون أن يدفعوا عنها لطرف الميري شيئا. وتكون لهم ولذريتهم من بعدهم مفروزة القلم، ممنوعة القدم من دون معارض ولا منازع، وأن يترأس عليهم بصفة شيخ مشايخ الشيخ فارس الناصيف (ابن ناصيف النصار)، ليتعاطى أمورهم مصالحهم وفصل الدعاوى في ما بينهم. أما إذا بدا من أحدهم أو جرى بينهم مادة جسيمة فتعرض له وهو يتوسط فصلها مع الحكم بها، وإذا أحد بدا منه نقيصة ووجب عليه القصاص الحكمي فيطلب منه أي من الشيخ المذكور وإذا فر هاربا فيطلب جلبه منه ولا يقبل له عذر. ولا يكون للشيخ فارس ولا لغيره منهم أدنى مداخلة في بلاد بشارة أي مقاطعات جبل هونين وجبل تبنين وساحل معركة وساحل قانا ومرجعيون ومقاطعة الشقيف وبعض قرايا إقليم الشومر ومقاطعة إقليم التفاح ولا يتداخلون بهذه المقاطعات ولا بحكومة ولا بفلاحة ولا بزراعة ولا بأخذ ولا عطاء بوجه من الوجوه. والذي يتداخل منهم بأحد القرايا فلا تسمع له دعوى وتسمع عليه الدعوى«. بإزاء شروط سليمان باشا هذه، كان لا بد للمشايخ العامليين »ونظرا للحال التي هم فيها« من الميل إلى قبولها. وأجابوا الأمير بشير بالمديح والثناء مؤكدين أنهم يأتمرون »بكل ما يريده ويرسمه«. وبرغم أنها تجردهم من كل سيطرة على بلاد بشارة وبلاد الشقيف وإقليم التفاح، فقد نزلوا الى عكا بكفالة الأمير بشير الذي أرسل معهم جرجس باز فاستقبلهم سليمان باشا بكل بشاشة وترحاب وأوضح لهم »رغبته بعمار البلاد وراحة العباد وقطع دابر الفساد والمفسدين، وأوضح لهم شفقته عليهم لما نالهم بالأيام السالفة، ورغباته القلبية لراحتهم بما أنهم من رعاياه. وتوضحت الشروطات المقتضى القيام بها من الطرفين، وزيد عليها شرط آخر وهو حيث أنهم مزمعون أن ينالوا راحتهم التامة ويحصلوا على معيشهم فهم ملزومون أيضا بكل وقت متى لزم الأمر الى طلبهم برجال العشائر لمحاربة أحد المحلات، يجب عليهم أن يحضروا بدون تردد ولا عامة ولا طلب علف نظير باقي العساكر، وذلك نظير الشروط الملتزم بها أمير جبل لبنان. فالكل أبدوا الدعاء لحضرة السلطان قابلين كل الشروط المدرجة فيه وكرما من سعادته بدون استحقاق لها«. وبعد ذلك استحضر سليمان باشا الشيخ حسن شيت (أحد زعماء الثوار) »وأمره أن يتوجه لعند الشيخ فارس الناصيف للاتفاق على توزيع قرى إقليم الشومر«. وبعد المذاكرة تم الرأي أن يقدموا الالتماس للعتبة العلية ليؤكد تقرير هذا الترتيب مثبتا له، وبعد مدة جاء جواب من جانب الدولة بقبول الترتيب المذكور واستحسانه. بعد الاستحصال على هذا التثبيت توجه الجميع الى الحاج حسن شيت والمشايخ فرحين مسرورين حاصلين على غاياتهم مطمئنين على دمهم ومالهم وعيالهم، وبخروجهم من عكا أُرسل قدامهم المبشرون لسائر البلاد، ففرح الجميع بذلك فرحا عظيما. وحالاً حضر لاستقبالهم وعملت الأفراح في منازلهم واستولوا على الإقليم (الشومر). وكل منهم أي المشايخ استقام في كل معيشه سالما آمنا. أما أهالي البلاد فقد فرحوا بدورهم فرحا عظيما لخلاصهم من تلك البلايا التي كانت مصادفتهم منهم. لقد ارتدت حركة الطياحة العاملية، الى مواقف داخلية تنال من سلطة مشايخ آل الصغير. خاصة بعد أن رأت هذه الجماعة العاملية وجودها مهددا جراء تواجد »الأغراب« الذين استقدمهم الجزار من أكراد وأرناؤوط، وبعد أن طعن انتصار الجزار بالعاملية التي برزت زاهية زمن ناصيف النصار. ومستويات المواقف هذه كانت تتسنن مع الاستنزاف الضرائبي من قبل الجزار، ولا سيما أن المرحلة الممتدة ما بين 1790 و1830 عرفت انخفاضا مستمرا في قيمة النقد، حيث انخفض سعر قطع القرش في المرحلة المذكورة بنسبة خمسة أضعاف، وهي النسبة نفسها التي لحقت بارتفاع الضرائب. ولكن الاتجاهين كما يرى شيقالبيه لا يعوض أحدهما الآخر. هذه العناصر جميعها يجمعها قاسم مشترك أساسي هو الطابع »الخارجي للمصدر«. وهذا الهجوم الخارجي، كان يتكفل بردة في الظاهر طوال مراحل العلاقة السابقة المعنية والشهابية مع جبل عامل مشايخ المنطقة وعلى رأسهم آل الصغير. وبازاء هذا الحدث الخارجي لم تكن المجموعتان، المشايخ والفلاحون، تمتلكان ردات فعل متوازية واحدة لكل المشاكل الناجمة عنها، فبينما »انتظم« المشايخ في قوافل باتجاه بعلبك والعراق، »انتظم« الفلاحون في طياحة مسلحة، ولمدة طويلة (24 سنة)، لأن ليس هناك خيار آخر. وقد كانت الأحداث السياسية والعسكرية السابقة في مرحلة ناصيف النصار »خميرة« للعامليين في طياحتهم هذه، والتي تحررت مع هروب المشايخ من كل تبعية داخلية اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا. وهذا الشكل من المبادرة ليس جديدا على المنطقة، فقد برز في جبل لبنان بقيادة أبو سمرا غانم في تصفية إبراهيم باشا، كما برز تكرارا في حركات 1841 و1845 و1850 1851، وإن كانت الأمور لا تتعدى بدايتها في كثير من الأحيان. كما برز ذلك واضحا في أواسط تشرين 1841، جوابا على تجاذل المقاطعجية الموارنة وعجزهم عن نجدة موارنة الشوف ومسيحيي زحلة. ولكن عفوية البداية لحركة الطياحة العاملية، ومع ديمومتها مدة طويلة، ومع تصدي العائلات الوسطى للقيادة، تحولت في ما بعد إلى شيء من التنظيم، والذي تجلى أخيرا في كون الحاج حسن شيت المفاوض الأول باسم الثوار.