1 إن نظرة واحدة على الأوامر التي أصدرها محمد علي خلال فترة حكمه الممتدة (1805 1848م)، والخاصة بالآثار المصرية يمكنها أن تؤكد تلك الرؤية، حيث اقتصرت هذه الأوامر على إعطاء أي أجنبي الحق في التنقيب عن الآثار في المكان الذي يحلو له، إضافة إلى أنها كانت تعطيهم الحق في الاحتفاظ بما يعثرون عليه من آثار قديمة. ولعل أشهر الأوامر التي أصدرها محمد علي كانت لشمبليون، حيث يصرح فيه إلى »صديقه المسيو شامباليون الفرنساوي بالسياحة في أعلى الأقاليم الصعيدية إلى بربر، ولكونه ضيفا يلزم مساعدته من عموم المأمورين في كل ما يلزم له«. 2 جرت العادة على استخدام المعابد والمقابر والقصور الفرعونية القديمة كمحاجر يستفاد منها في بناء المعسكرات الخاصة بالجيش، إضافة إلى الورش والجسور التي شهدت طفرة كبيرة في هذه الحقبة التاريخية، تلك الحقبة التي شهدت أيضا تصاعدا كبيرا على صعيد التدمير الذي لحق بالآثار المصرية القديمة. وقد حصر كثير من الرحالة الأوروبيين في تقاريرهم وكتاباتهم آثارا كثيرة قد دمرت بالكامل، ولعل أشهر هذه التقارير هو الذي وضعه شامبليون أثناء رحلته لمصر التي وصلها في 18 أغسطس 1828، وغادرها في 29 نوفمبر سنة 1829، بعد أن جابها من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، مما أتاح له مقارنة ما أحصاه كتاب »وصف مصر« من آثار مع الواقع الفعلي المرير الذي اعترف بهدم حوالى ثلاثة عشر أثرًا يذكرها شامبليون جميعا، مؤكدا »أن الرحالة يشعرون بالأسف والحسرة، وكذلك كل أوروبا المتحضرة التي تدين بشدة تدمير عدد كبير من الآثار العتيقة تدميرا تاما وشاملا منذ بضع سنوات دون أن يبقى منها أدنى أثر«، فذكر الباشا بأن »فقدان تلك الآثار يثير مخاوف كل طبقات المثقفين وقلقهم بشأن المصير الذي ينتظر الآثار الأخرى التي لاتزال قائمة حتى الآن«. كما يذكر لنا جاستون ÷يت مذكرة قدمها قنصل فرنسا ميمو إلى محمد علي باشا بشأن مطالبته بوقف قيام العمال عن هدم معبد دندرة من أجل بناء مصنع لنسيج القطن في قنا في 24 فبراير سنة 1831، كما يذكر لنا تدخل بيكلر ميسكو لنفس الغرض، ويحدثنا عن رغبة ميسكو في أن يجعل من مصر متحفا ضخما، ويكتب ÷يت معلقا: »إلا أنه في امبراطورية محمد علي ليس ثمة مكان يتسع لشيء آخر غير المعسكرات والمصانع، والمدارس التطبيقية«. ويضيف أن العديد من الأعمدة والكتل الفنية اختفت من الإسكندرية لاستخدامها في بناء المعسكرات وفي الأعمال البحرية التي أدارها دي سيريزي. ويحكي لينا دي بلفون إلى دي استورمل، أنه حاول بلا جدوي الحصول من الباشا على ثلاثة فرمانات تعمل على إيقاف الدمار الشامل للآثار الرائعة لمدينة أنتينوبوليس Antinoe (الشيخ عبادة)، ويؤكد ÷يت أن أستورمل نفسه خلال مقابلة له مع الوالي سنة 1833م، اشتكى إليه الدمار الذي يلحق بالآثار القديمة، ووعده الباشا بأنه سيعمل على أن تنفذ أوامره الخاصة بهذا الموضوع، ولعل حادثة الشروع في هدم الهرم الأكبر من أجل أحد السدود في بداية عام 1836م تظل هي الطامة الكبري لعصر محمد علي بأكمله، إذ طلب الباشا من لينا دي بلفون ترتيب هذا الأمر، ويكتب قنصل فرنسا ميمو خطابا مطولا لمحمد علي يحذره فيه من مغبة هذا العمل الذي ينتمي للهمجية، مما سينال من اسم وسمعة محمد علي الذي عُرف في أوروبا مرتبطا بالإنشاء والعمران، عندما سيرتبط بتدمير أعظم أثر خلفته البشرية على أرض مصر وهو عجيبة من عجائب الدنيا السبع »الأهرام«. ويذكِّره في رسالته بالمحاولات السابقة لهدم الهرم الأكبر والفشل الذي حالفها. كما يذكّره أيضا بالرأي العام القوي الذي يحسب له ألف حساب في فرنسا وأوروبا، وكيف أن هذا العمل سيؤدي إلي فقدان الباشا للمؤيدين والمتعاطفين معه، إلا أن محمد علي حينما اطلع على ميزانية المشروع واكتشف أنها فاقت كل الحدود، تراجع عما قرره، وعاد مرة أخرى إلى محاجر المقطم. هذا وقد أكد ريفو الاتهام السابق بالقول: »لم يفهم بعد سادة الأرض المصرية ما هي الفائدة التي ترتبط بالآثار القديمة، وبالأطلال التي تكشفها. فمصر الرئيسية، القاهرة والجيزة لا تتمتع بوجود الجمعيات العلمية«. رؤية ثانية تستند هذه الرؤية إلى تفنيد ما يمكن أن يحسب على الأوامر الصادرة عن الباشا، والتي أتاحت لكل أجنبي البحث عن الآثار في مصر. إذ إنه قبل محمد علي لم يكن الأجنبي في حاجة أصلا لتصريح، وبالتالي لا نستطيع أن نحصي ما خرج من آثار مصرية مع الأجانب قبل عصر محمد علي. وإذا كان مجموع ما خرج من آثار في عصر محمد علي كثيرا جدا بإحصاء التصاريح التي أصدرها للأجانب، فإن ما خرج قبله يفوق ذلك آلاف المرات، لأن كل أجنبي كان يمكنه القيام بالحفائر والاستيلاء على ما يعثر عليه دون أدنى تدخل من السلطات التي انشغلت في التطاحن في ما بينهما على السلطة. وإذا كانت هذه السلطات لم تنشغل يوما بموضوع الآثار، فإن محمد علي قد شغله هذا الموضوع ولو بشكل جزئي، والدليل إخضاعه لتصريح من الدولة. أكثر من ذلك، فلقد تمت تحت حكم محمد علي بعض الاكتشافات عن طريق التنقيبات التي صرح بها. ففي سنة 1817م، تمت بعض الاكتشافات في الهرم الأكبر عن طريق كا÷يجاليا، كما تم مع نفس المهمة رفع الرمال عن أبي الهول. وفي سنة 1818م تمت اكتشافات أخرى في الهرم الثاني (خفرع) عن طريق بلزاني، ولم تنته الاكتشافات في منطقة الأهرام إلى هذا الحد، بل توبعت الاكتشافات في المنطقة عن طريق الكولونيل الإنجليزي ويز، وفي ما بعد عن طريق لبسيس. ولا ننسى أن مهمة شامبليون العلمية التي تمت في سنة 1828م 1829م لم تتم إلا بموافقته وبمباركته وبتصاريحه التي سهلت المهمة. ولعلنا نعرف مدى تقدير واهتمام محمد علي بأبحاث واكتشافات شامبليون الأثرية، وقيامه باستقباله في عديد من المرات، بل استمرت نقاشاتهما ساعات طوال. ولعل الأدبيات المكتوبة تحكي لنا عن مدى هذا التقدير الذي كان يكنه الباشا لمكتشف رموز اللغة الهيروغليفية، ففي إحدى الأمسيات كان شامبليون مدعوا على العشاء لدى الباشا وولي عهده إبراهيم باشا بصحبة الطبيب الفرنسي باريزيت، حدث أن ألمَّت بولي العهد أثناء العشاء أزمة قلبية، قام الطبيب باريزيت على الفور بالتدخل وأنقذ إبراهيم باشا من موت محقق تحت وقع تأثر الباشا البالغ الذي أخذ يردد »بعث الأول (يقصد الطبيب باريزيت) ابني إلى الحياة من جديد، بينما أحيا الآخر (يقصد شامبليون) مجد وعزة بلدي الذي اندثر من زمن سحيق!«. ولعلنا نذكر عبارته الشهيرة إلى شامبليون عندما قال له: »من بين كل المذاهب الأوروبية لا أطالب لي ولشعبي إلا بمذهب فك الرموز الهيروغليفية!« ومن شدة اهتمام محمد علي بالآثار وبالاكتشاف العظيم لشامبليون أهدى إليه سيفا محلى بالذهب كما يقول ÷يت »كشاهد على الرضا الذي انتابه عندما شاهد الرسومات الجميلة ذات البروز القديمة التي كانت تملأ حقائبه«. والمعروف أيضا أن محمد علي المحب لكتب التاريخ وأحداثه والمستمع الجيد لأخبار الملوك والحكام القدامي، كان قد التمس من شامبليون أن يكتب له موجزا عن تاريخ مصر القديمة، فوعده بذلك، وبالفعل قام بتسليم محمد علي هذا الموجز في 29 نوفمبر سنة 1829م قبل مغادرته لمصر، وقد قرأه محمد علي جيدا ودرس ما جاء فيه بعناية تامة كما سنكتشف في ما بعد. كما أن باشا مصر لم يكن يقف مكتوف الأيدي أمام العبث بالآثار المصرية القديمة، فعلي أثر هدم سالت Salt جزءا من معبد الكرنك، وفور علمه بهذا، اتخذ الوالي من الإجراءات والضوابط ما جعل كاييو المهتم بآثار مصر يحيي قرارات الباشا قائلا: »لا نستطيع إلا التصفيق لهذه الضوابط الشديدة التي اتخذها محمد علي منذ فترة قصيرة، والذي أعلن خلالها من نفسه حامي آثار مصر، إذ إن رعايا أمم أكثر تحضرا لم تعرف احترام الآثار بما فيه الكفاية«. ولعل قرار إنشاء المتحف الخاص بالآثار المصرية يُعزي إلي محمد علي نفسه حينما شعر بالخزي بعدما شاهد المعاملة المهينة التي يتعامل بها تجار ومرتزقة الآثار مع الآثار المصرية، فأمر بالجريدة الرسمية في 15 أغسطس سنة 1835م بأمر على قدر خطير من الأهمية، يوضح المدى الذي بلغه محمد علي في الاهتمام بالآثار والنضج الذي بلغه في التعامل معها إذ يقول الأمر: »يحدث أن بعض الأجانب يقومون بهدم الأبنية القديمة ويأخذون منها أحجارا وأشياء أخري مشغولة، ويصدرونها إلى البلدان الأجنبية. وإذا ما استمرت هذه العمليات، فإنه مما لا شك فيه فإنه في وقت قصير جدا لن يبقى لمصر شيء من الآثار القديمة، وسينتقل كل شيء للخارج. ومن المعروف أيضا أن للأوروبيين أبنية يكرسون الجهد فيها لصيانة الأشياء القديمة، والأحجار المغطاة بالرسومات والنقوش، وأشياء أخرى مماثلة محفوظة فيها بعناية وتعرض على سكان البلاد وأيضا على الرحالة الذين يرغبون بمشاهدتها ومعرفتها، مثل هذه المباني تعطي للبلاد التي تملكها شهرة عظيمة. واعتبارا من هذه الوقائع، فإن الحكومة قد قررت منع تصدير هذه الأشياء القديمة التي توجد في الأبنية القديمة بمصر إلي الخارج، وهي لديها قيمة جد عظيمة، هذا وسنخصص في العاصمة ذاتها مكانا سيستخدم لوضع الآثار التي عُثر عليها أو سيعثر عليها عقب التنقيبات. لعرض هذه الآثار على الرحالة الذين يزورون البلاد. وقد قررت الحكومة منع هدم الأبنية القديمة الموجودة بمصر العليا، والسهر على صيانتها بكل العناية الممكنة«. وفي مراجعة لأوامر محمد علي الصادرة بالفعل في تلك الفترة، نجد أمره إلي مدير قنا في سنة 1835م يقول فيه: »سبق ونبهت عليك لما كنت بقنا في العام الماضي بالمحافظة علي المباني القديمة الموجودة بدندرة تجاه قنا وببناء سور بأطرافها والآن سمعت بإخراج أحجار من داخل البناء المذكور وجاري إعمالها جبرا، ومن الضروري معرفة صحة ذلك من عدمه فإن كان صحيحًا ينبغي إيضاح الأسباب المبني عليها مخالفة التنبيهات«. ونجد مكاتبة أخرى لمحمد علي في 8 يناير سنة 1836م موجهة لأحد موظفيه يرد بها على تقرير كان قد رُفع إليه يقول فيها: »أخذنا علما بتقريركم المؤرخ في 13 رمضان سنة 1251 (2 يناير)، والذي أحطنا علما بوجود 188 قطعة أثرية صغيرة وكبيرة موضوعة بمخزن للبضائع، وتلتمسون التصريح بنقلها في مكان سنقيمه لهذا الغرض في مدرسة الألسن، فلتعلم أني أرغب بكل ما أوتيت من حيوية وطاقة أن يتم الانتهاء من هذه المباني التي نريدها بأقصى سرعة وأن تنقل إليها هذه القطع الأثرية، لذا أرجو إبلاغ كل من له علاقة بهذا الموضوع بإنهاء هذه الأعمال في أقرب فرصة ممكنة«. فضاء ثقافي لعل العودة إلى الفضاء الثقافي المرتبط بالسياق التاريخي لهذا العصر، تجعلنا نرى الصورة أشد وضوحا، حيث سيطلعنا هذا على الشائع والمتعارف عليه من قيم ثقافية سادت مما يجعلنا ربما نكشف عن سر هذا التناقض الذي افترضناه، وبالتالي سيدفعنا بدوره إلى البحث عن آفاق تحليلية تفسر التناقض خارج إطار الرؤيتين السابقتين. وسنجد ما يلي: أولا: أمام استخدام الأماكن الأثرية كمحاجر، وهو ما عايناه في عهد محمد علي لا بد من الاعتراف بأن العادة قد جرت منذ القدم في العصور المختلفة أن يتم الاعتماد في الإنشاءات والأبنية المختلفة علي الأحجار الخاصة بالمعابد والآثار المختلفة، فلم يكن معروفا في التعامل مع الآثار أية قوانين أو لوائح، والتاريخ مليء منذ عصر عمرو بن العاص وحتى محمد علي، فلم تكن الآثار ملكا لأحد كما كانوا يتصورون بل هي ملك لمن يجدها. ولم يكن هذا مستهجنا علي الإطلاق لاعتبارات دينية في الأساس، اعتبرت هذه الآثار أطلالا وخرائب لأمم وأقوام سابقة عاثوا في الأرض فسادا، فكان الخراب نقمة من الله، أو هي آثار الكفرة والفراعين، أو ما أطلق عليه العامة كما رأينا تعبير »المساخيط«! ومن هنا لم يكن عصر محمد علي استثناء، أو أنه قد استن هذه السنة البغيضة خلافا لما كانت تقضي به الأعراف أو عادات وتقاليد العصور السابقة عليه. ومن المعروف أن المسؤولين عن تنفيذ تلك الأعمال والإنشاءات كانوا يتوجهون مباشرة دون تصريح أو إذن خاص من الوالي، إذ كان الاتجاه إلي الآثار واتخاذها كمحاجر مسلمة أو بديهية ظلت كذلك عبر العصور المختلفة، وحتى بعد عصر محمد علي عندما طلب الخديوي عباس الأول الاعتماد علي أحجار الهرم الأكبر في بناء القناطر الخيرية، رغم ما أثاره هذا المطلب من ردود فعل قبل سنوات. هل آن لنا أن نستخلص شيئا يمكن أن يفسر التناقض الذي تحدثنا عنه من قبل؟ نعم إذ يمكننا استخلاص أن موضوع الحضارة المصرية القديمة وآثارها لم يشكل لمحمد علي أية وضعية استثنائية، غير أنه كان مثل كل الموضوعات التي حاول استثمارها إلي أقصي درجة لتحقيق أكبر قدر من العوائد، ومن هنا شعورنا بتناقض الأوامر، وتناقض القول مع الفعل، وإقرار بعض الأمور والتراجع عنها، وهو ما يفسر بأن الغرض الأساسي لم يكن الآثار في ذاتها، بقدر ما كان في حساب ما سيجلبه القرار أو الإجراء من نفع وعائد على مشروعات الباشا الآنية. إن العنصر المؤثر في اختيارات محمد علي يظل في رأينا أنه لم يفهم من »العلم« إلا الجانب التقني التطبيقي فقط، أي لم يفهم سوي تقنية العلم، وهو فهم براغماتي خالص، وفاته الجانب الكامن في العلم، ذلك الجانب المبدع الخلاق المطوِّر للأذهان والمناهج، وبالتالي القادر على النمو الذاتي دوما. ولذا كان أهم ما يحرص عليه في بعثاته التعليمية إلي أوروبا هذا الجانب التطبيقي، ونظرة إلي أحد أوامره، تؤكد لنا هذا البُعد الذي كان شديد الحرص فيطلب من عبدي أفندي مأمور التلامذة بباريس بعد أن علم أنهم قد أنهوا التعليمات الملكية والخارجية والعسكرية، وهو ما نسميه اليوم بمعارفهم النظرية، نجده يقول: »فقط يلزم لهم تطبيق العلم على العمل الذي لا يكون إلا بسياحتهم، وحيث إن ذلك لا يطابق الأصول المصرية، فينصرف النظر عن ذلك وحضوره بهم إلى مصر لإلحاقهم بالمصالح لتطبيق معارفهم على العمليات بها ومداركه ما يلزم لهم من الآلات من باريس لعدم ضياع الوقت..« ، وهو لا يترك أية مناسبة إلا وقام باستغلالها للتأكيد على هذا المنحي الذي اعتبره أساسيا فنجده في أحد أوامره لوكيل الجهادية يطلب منه »إرسال تلامذة المهندسخانة مع أساتذتهم إلي المحل المزمع إنشاء قناطر به وتخصيص خيام لهم لرؤية العمل وتطبيق العلم عليه«. ولم يكن يقبل محمد علي بأي حال من الأحوال بتعيين تلامذة البعثات التي أرسلها، وعادوا وقد أتموا بعثاتهم بنجاح، إلا بعد اختبار قدراتهم التطبيقية في مجال العلم الذي تعلموا وبرعوا فيه، فيطلب من ناظر البحرية »امتحان التلامذة الذين تعلموا فن الصب بأوروبا وتجديد الآلات البخارية الحاضرين منها لمعرفة اقتدارهم على تطبيق العلم على العمل وإفادته بما يتضح«. هكذا كان التطبيق هو ما يلح عليه، وما يعطيه الأولوية القصوى في حقل اهتماماته. ورأينا هذا ليس حكما قيميا، أي ليس حكما على محمد علي بالسلب أو بالإيجاب، فهو ليس أكثر من معاينة، باعتبار أن واقع وشخص محمد علي لم يكن يسمح له بفهم هذا الفرق. إلا أن هذه المعاينة ذاتها يمكنها أن تفتح لنا بعض مغاليق الفهم وهو ما طُبق عمليا في استثمار محمد علي للحضارة المصرية القديمة في عصر محمد علي: لكي نفهم كيف تأتى لمحمد علي ذلك، لا بد أن نشير الى أنها كانت وسيلة ناجحة في يد محمد علي جاءت في وقتها المناسب، فمنذ أن استطاع شامبليون فك رموز اللغة الهيروغليفية في 14 سبتمبر سنة 1882، نجد أنه قد زاد اهتمام العالم الغربي بآثار الحضارة المصرية القديمة لحد كبير، وظل في تزايد مستمر يوما بعد يوم، وهو ما جعل محمد علي يعمل علي استثمار هذا الأمر في التقرب من أوروبا الغربية، التي كان في حاجة إلي خدماتها من أجل تحقيق مشروعه الحضاري والاستقلالي الضخم بمصر، سواء في إرسال بعثاته العلمية إليها، أو في استقدام العقول والخبرات منها، وفي مرحلة لاحقة كوسيلة لتحسين صورته الشخصية التي تراجعت لحد كبير عقب حرب المورة باليونان. لكي يحسِّن محمد علي من صورته تلك التي اهتزت في الغرب استخدم في نشاطه هذا عديدا من الوسائل منها: الاستفادة المباشرة والعينية من تلك الآثار، وإهداء بعضها مباشرة إلى ملوك وأمراء العالم من جهة، أو إلى سفرائهم وقناصلهم المعتمدين في مصر من جهة أخرى، أو تسهيل إجراءات البحث عنها ونقلها وتصديرها خارج البلاد وإعطاء التصاريح التي تخول لهم ذلك، ففي أمر منه لمدير الوجه القبلي يخبره عن تصميمه »على تقديم اثنين مومية برسم هدية إلى حضرة ملكة الإنكليز، فمقصودي أن ذلك يكون في غاية الاعتناء فيلزم بمجرد وصوله إلى مصر تدارك الهيكلين، وتكون توابيتهما بدون كسر وإرسالها لطرفي سريعا«. أو كما يطلب من القائم على الخزينة »بتورية معتمد دولة النمسا الآثار القديمة التي صار استخراجها من بعض المحلات بمعرفة دولة عسكر باشا الموجودة بطرف يورفورنك، وبإعطائه ما ينتخبه منها وتحرير بيان ما يأخذه بكشفين تركي وأفرنكي وإبعاث تلك المكشوفة إلى باغوص بك«، بل فتح محمد علي الباب على مصراعيه في مرحلة أولى دون أي قيود تذكر على تجار الآثار من الأجانب، وكان أغلبهم من قناصل الدول الأوروبية، كما نرى من هذا الأمر إلى كاشف الجيزة وهو يشير به »أن صديقه صولت قنصل الإنكليز، والخواجة دوروفتي قنصل فرنسا، والخواجة بوكتي قنصل اسوج (السويد)، باتحادهم مع بعض يمشوا من طرفهم من يقوم باستخراج آثارات قديمة بجهات الأهرام، وتقسيم ما يعثر عليه من الآثارات القديمة بين بعضهم، والتمس صديقه قنصل الإنكليز بذلك و.. به عدم الخالفة في ذلك مع الملاحظة«. فلم يكن في هذه المرحلة الاستيلاء على الآثار صراحة يشكل أية مشكلة للإدارة المصرية، ولا لمحمد علي ذاته الذي بالغ في إعطاء التصاريح التي نصت صراحة على حصول صاحب التصريح علي ما يعثر عليه كما في هذا الأمر »بالتصريح إلى المدعو يجنيني مندوب قنصل شور المقيم بإسكندرية بالسياحة في استا ونواحيها، وبمقر المحلات المأمول وجود آثار قديمة بها بمصاريف من طرفه، ويأخذ ما يوجده من الآثار القديمة«، بل في أحوال أخرى طالب مأموريه بمساعدة صاحب التصريح بل إمداده بالأفراد، صحيح مقابل أجر يدفعه، ولكنها كانت خطوة أبعد مما سبق إذ يأمر »بالتصريح إلي صديقه قنصل سردينيا المقيم باسكندرية نحو المحل المقال منه عن وجود حجر مكتوب بالخط القديم، ويأخذه متى وجد حسب التماسه ومساعدته بالأنفار التي تلزم للحفر بمصاريف من طرفه«. وكثيرا جدا ما شمل الأمر الواحد أكثر من جهة بمصر من وادي حلفا إلى الإسكندرية مرورا بأسيوط، ولكن مع ذلك، فإن محمد علي أمر بتشكيل المجلس الخديوي الذي حاول أن ينظم قضية الآثار ويخلصها من الفوضى التي تحكمها، ويعمل المجلس على ضبط مسألة خروج الآثار وعدم هدم المباني القديمة. وهكذا يشارك محمد علي باشا في مباركة قرار المجلس، بل ويتشدد في بعض بنوده، ويعين بنفسه المهام التي سيقوم بها المفتش المزمع تعيينه للحفاظ على الآثار، ربما لقناعته أخيرا بخطورة الأمر. أكثر من ذلك يبدو أن محمد علي أخذ ينتقل بنفسه ليرى مدى المحافظة علي هذه الآثار، خاصة بعد الحملة الكبيرة التي قادها عديد من الأجانب بشأن معبد دندرة الذي استخدمته كمحجر لبناء أحد المصانع القريبة، ويبدو أنه على أثرها اضطر محمد علي لزيارتها بنفسه، ليأخذ بعض الضوابط والإجراءات، وهو ما نفهمه من أمره هذا إلى مدير قنا وسبق وقد عرضنا هذا الأمر من قبل حيث يقول »سبق أن نبهت عليك لما كنت بقنا في العام الماضي بالمحافظة على المباني القديمة الموجودة بدندرة تجاه قنا.. إلخ«. ولعله مع هذا الأمر والأوامر الأخرى المشابهة والتي صدرت مشددة على القرار الصارم للمجلس الخديوي، كان يمكننا القول انه في المرحلة الثانية قد تخلى محمد علي تماما عن الفوضى في مجال الآثار، لولا الاستثناءات التي مررها، وهو ما يؤكد فرضيتنا الأولى من محمد علي حاول أن يستغل موضوع الآثار كما استغل كل الموارد المتاحة، حتى يحقق بها أقصى ما يمكن من نتائج تصب جميعها في تحقيق مشروعه التنموي الاستقلالي الكبير لمصر، إذ نجده في غمرة تشديداته تلك، يصدر أمرا إلى مدير المدارس ليعطي استثناءً لصديقه قنصل إنكلترا »تطلب صديقنا قاميل قونصل جنرال دولة الإنكليز التصريح له بإرسال الحوضين الحجر الآثار القديمة التي صار استخراجها من تلول أهرام الجيزة بمصاريف من طرفه لإرسالها إلي لوندرة وأنه لمناسبة صفاء المودة الحاصلة بيننا يلزم التصريح له بإرسال الحوضين المذكورين إلى لوندرة بدون معارضة«. (*) تنشر هذه المقالة (مقتطعة) بالترافق مع »الكتب، وجهات نظر« القاهرية.