As Safir Logo
المصدر:

عليك أن تقرأها من جديد وتُوقعها خارطة جديدة من عينيك ومن قلبك بنت جبيل تبحث عن إداراتها وشوارعها

المؤلف: جابر منذر التاريخ: 2000-06-30 رقم العدد:8639

أذكر اننا تعلمنا في بعض الكتب، ان بنت جبيل تقع على تلة تشرف على سهل الحولة. لم أعرف من أين أتوا بهذا الموقع. الأغلب ان مؤلف الكتاب المدرسي لم يكن ليعرفها. وقد يكون أخطأ ما بين موقع بنت جبيل وموقع الخيام. فدون سهل الحولة وبنت جبيل تلال وتلال. إسمها »مليء« يبعث في التأويل والتفسير، ولا يقف عند احتمال واحد، شأن بعض نديداتها من مدن الجنوب، النبطية او صور او مرجعيون او الخيام. يضرب الاسم في تفسيرات عديدة: ان شئته عربيا، فالبنت في سيرتها وسلوكها تدفع في روايات عديدة. وان شئته آراميا فالتفسير حاضر موجود، وان تركته لاجتهاد الخيال، ومقتضى الحال، فذنبك على جنبك، فالاحتمالات ممتدة امتداد الخيال وتبدل الاحوال. لا تطل بنت جبيل في موقعها على غيرها من بلدات وقرى المحيط، ولا تنفرد بعقدة طرق تربطها عن غيرها (ما عدا الطريق الى يارون). فهي تقع على الطريق الحدودي على امتداد الحدود مع فلسطين، الممتد من الناقورة حتى اطراف العرقوب، شأن غيرها من عشرات البلدات والقرى على هذه الطريق. تسكن بنت جبيل، كما ظلت حتى حدود السبعينات، التلة المعلوّة بزنار دائري من تلال عديدة، تدور متصلة حول البلدة من جهاتها الاصلية والفرعية. تنقطع فقط في الجهة الغربية، بانحراف قليل نحو الجنوب، حيث ينفتح واد طويل يصل برميش فإلى البحر. وهو واد (او كما يرد في لسان بعضهم بوغاز الوادي)، يجر الى البلدة، »برودة« او »غطيطة« رطبة، تمتد أوقات طويلة من صباحات غير قليلة من ايام الصيف، وهي نعمة تقف عند حدود بنت جبيل ولا تتعداها شرقا او شمالا، مع نهضة هذا الوادي وتوازنه مع تلة ترتفع في الشرق من البلدة. لا تمتدّ التلة الأم في بنت جبيل ولا تنبسط في الأفق. تقوم فوق التلة بنت جبيل القديمة، مع امتدادها حتى منطقة »السوق« حاليا. في وسط البلدة »حاكورة نص الضيعة«، وهي ساحة تبدو اليوم صغيرة، تليق فعلا بنصف ضيعة. ولكن ابناء بنت جبيل وابناء جوارها لا يعرفون بلدتهم ضيعة ابدا. تبدو بنت جبيل وكأنها نشأت من نقطة وجودها الحالي، في ذاكرة اهلها بلدة مدينة، مقابل صفد والناصرة في الجليل، والخيام ومرجعيون في الطرف الشرقي الجنوبي من لبنان، والنبطية في الداخل العاملي وصور في ساحله. وسوقها سوق يسبق ذاكرة الاهالي، ومأثوراتهم عن اسلافهم من الجدود الابعدين. وسط هذه الدائرة تقع بنت جبيل، بلدة في »نص« البلدات ما بين لبنان وفلسطين. عليك ان تقرأ بنت جبيل من جديد، وتوقعها خارطة جديدة من عينيك ومن قلبك. ولكن عليك قبل كل شيء ان تقبل ان سكان حارة بأكملها لم يعودوا من جيرانك، فقد انتقلوا في اقامتهم من طرف في البلدة الى طرف في المقابل البعيد، او انتقلوا بالهجرة الى طرف بعيد من الأرض. وعليك ان تصدق ان بيت جيرانك الاقربين، والذي كنت تراه متحفا لسلاسل الاعمار الممتدة من صغران الاولاد والاحفاد الى عجائز الجدود، وقاموسا للمهن والحرف، عليك ان تصدق ان هذا البيت في عهدة عجوز تستسلم يوما بيوم، لضعف جسدها وتشتت ذاكرتها وبرودة انفعالاتها. ظلت الهضاب المحيطة ببنت جبيل حتى اواخر الستينيات وطنا لبيوت قليلة معدودة. ولكنها راحت من بعد، تكتنز بيوتا، وراحت البلدة تقوم اليوم على تآلف احياء تناثرت على مجموعة من تلال عالية: »عقبة« مارون وعقبة »صلحة« من جهة الجنوب، وعقبة عين ابل و»القلاع« من جهة الغرب، الى مرتفع الميادين من جهة الشرق. وعلى هذه المرتفعات تقوم بيوت، جديدة على البلدة في احجامها الكبيرة وفي طرازاتها، وفي الوانها التي لا تتحرج ان تغطى بزرقتها او بحمرتها واجهة بكاملها. لم تعرّف هذه البيوت الجديدة عن نفسها الى الآن، بكلمة »فيللا«، الكناية الشائعة في غير بلدة او منطقة، مع جدارتها بحمل هذه الصفة. فقط يعرفونها في بنت جبيل »بالعمرة«. عمرة فلان وعمرة فلان. يسقطون الألف تخفيفا. ومع ما تشي به هذه التسمية من كبر البناء وجدّته وفخامته احيانا، الا انها لم ترتق بعد، الى مصاف كلمة »بيت« ورهبتها، لما تحمله هذه الكلمة من حنين واجتماع وألفة وعلاقات ممتدة على غير عائلة او بلدة. لم تصبح »العمرة« »بيتا«، مع صغر البيت وتواضعه غالبا. فما زالت »ابن بيت« في محلتها وفي منزلتها من عظيم الاطراء والمديح. تبدو البلدة القديمة وسط هذا الامتداد الجديد وكأنها مرمية على ظهرها بالضربة القاضية امام هذا العمران الواسع. وهو عمران يبقى متواريا لو جئته من عين الشمال، لن تطل الا على بيوت قليلة على جنبات واد وسفحي أكمتيه المتقابلتين. ولكن ما وراء الاكمة من بيوت واتساع يبقى مختفيا ما وراءها. وكذلك عين الغرب وعين الشرق. فالشرق من البلدة والغربي منها لا يلتقيان في منظر واحد، اذ لا تتسع العين او بالاصح لا ترتفع لتحوط ما اختفى من حارات واحياء في الجهة المقابلة. وحدها عين الجنوب، من صوب مارون الراس تزف الى الرائي اتساع البلدة وتهاديها على امواج الطبيعة من تلال ووديان، في اوسع مدى: ساحات البلدة بأحجامها الحقيقية، ومؤسساتها من سرايا ومدارس وشوارع مداخل البلدة وحتى من زواريب في حاراتها الداخلية. ترتفع البيوت والاحياء الجديدة صوب الاعالي المحيطة وكأن اصحابها يتبارون في ضم البلدة في اوسع مشهد. وسكان هذه الاحياء في اشرافهم الجديد يتابعون من على شرفاتهم عروض بنت جبيل اليومية. يتسمرون، وقد باتوا يجيدون الجلوس لساعات، في صمت وجمود، ينقطع مع رصد اية حركة او تبديل ولو بطيء في هيئة البلدة القديمة، او في الاحياء التي لم تعثر لها بعد، على اسم واحد. عليك في بنت جبيل، ومع زيارتك الاولى ان تقتنع بأنه عليك ان تتدرب مجددا على السير في شوارع احيائها وفي ازقتها، سيما وان الهندسة في الاحياء الجديدة تدور على سجيتها البلدية، فالطريق الضيّق يتآخى مع الدرج ومع طريق »قادومية« في ملك خاص... أي الأسواق هي! طوال البعد عن بنت جبيل، كانت بيوتها وطرقاتها واشياؤها، قلب الذاكرة ولبها، وقلب توتراتها وقلقها. كانت بنت جبيل دوما، تنتصب في مهمتها الابدية، أبد حيواتنا بالطبع، آصرة انتماء وانتساب. كانت حس الارض ولحظة جمالها المؤبدة الموعودة. ومع عودة بنت جبيل حرة وعودتنا اليها، وانفجار الفرح غزيرا، كانت العودة الى الذاكرة، حتى تعود بنت جبيل الى مكانها منا. اي البلدات هي! كانت سوق بنت جبيل نهار الخميس، »نص« الدنيا. و»النص« الآخر هو الايام التي تفصل بين سوق وسوق. تتابع الدنيا انصافا والاعمار انصافا والاجتماع والسياسة والاقتصاد انصافا بأنصاف. من سوق الى سوق يخلق الله ما لا تعلمون. ومن سوق الى سوق فرج. ومن سوق الى سوق تترى الموعظة الحسنة والحكم والعبر، انا لله وانا اليه راجعون. يدري مين يعيش، اذا الله أعطانا عمر، اللي بيظل طيب. كان السوق ينقسم وجوهاً وقامات، تلتقي الوجوه رجالات المنطقة مصابحة بكل ألفتها وغرضيتها، عقيل مهنا وحسين خميس ومحمد علي طعان وعلي حسن مراد ويوسف ابراهيم ومحمد عبد الرسول وفؤاد الخوري وسلمان توبه والحاج خليل صولي وابو فؤاد شحادة... وغيرهم كثيرون من مفاتيح السياسة ومن رجالات بلدة بنت جبيل أو بالاحرى من اقفالها ومغاليقها. تعرفهم حجارة السوق واحدا واحدا اسعديي الولاء او خليلييه او عسيرانييه او بيضونييه او بزّييه. جميعهم على مواقفهم لانقطاع النفس، مقيمون عليها ما اقامت شواربهم او لحاهم في وجوههم. واذا ما عز وجود هذين المعلَمَين، ما أقامت عيونهم في محاجرهم. فقد أعطوا مواقف لكلامهم او بالاصح كلاما لمواقفهم. كانوا يغضبون، فيبدلون امام الزعيم من وجودهم، دون ان يبدلوا منه في مواقفهم، يعتزلون ديوانه او مضافته، ولا يعتزلون الولاء اليه. يبدأ السوق من توقيت دقيق لا يتغيّر او يزول. يبدأ من »معارفة« الوجوه. تنفلش فيه كل أنواع البضائع المنقولة و»غير المنقولة«، وتدور فيه كل الاحكام والقوانين الوضعية او العرفية. القبضايات يرتسمون في السوق أولا وأخيرا. في سوق الخميس تم تتويج »حتيت« من تبنين في الثلاثينات عميدا لقبضايات المنطقة. وفي السوق عينه كانت نهايته يوم »بطحه« احمد فرحات (أبو علي كربه) من عيترون. اعتزل بعدها حتيت طويلا زيارة السوق بعد كسر شوكته. فللقبضنة كراماتها وأعرافها وطقوسها. وهو ما لم تعرفه مثلا سارقة جريئة، قر الرأي، لكثرة ما اقترفت من سرقات، ان يجري تطويفها على حمارة تجلس عليها بالمقلوب، اي تجلس عليها ورأسها باتجاه الذنب. يومها طلبت هذه المرأة من حاكميها الا يتأخروا في تنفيذ حكمهم، وليجرى تطويفها بسرعة لأن »عندها في البيت ولاد زغار«. حصل هذا في السوق فذهبت الحادثة مثلا في ديار عاملة. يقع السوق حاليا في القلب من البلد، بعد ان كان لزمن، أقرب لأن يكون في طرفها الشمالي، فهو يرث بيادر البلدة، الواقعة خارجها شأن هيئة البيادر في القرى الجنوبية. ميدان السوق واسع فريد في ساحته وسعته. هذا ما كان يوحي من قبل، قبل ان يُفرم خطوطا تنتصب المحلات التجارية على جانبيها، مما جعل من ساحته الكبيرة شوارع متوازية. حسب السوق بنسوق يفتقد السوق في وضعه الحالي سراي البلدة، التي دمّرت بالكامل في اجتياح 1978. وهذا يعني أنه يفتقد اليوم الادارة وهيبة السلطة، التي تأتي في الغالب مجانا. إذ يكفي ان يكون المخفر قريبا من اجتماع البشر حتى تتحصّل رهبة واستقامة. ولكن مفقودات السوق الاساسية كان قبل ذلك بكثير. كانت مع الانقطاع مع فلسطين، حيث اختفت من السوق، ومن جهته الغربية تحديدا كراجات عكا وحيفا ويافا، كما كانت تعلن الآرامات المخطوطة بويا فوق حجارتها والتي ظلت حتى أواخر الخمسينيات. ومع سقوط فلسطين، كان الانقلاب العميق في أسباب الحياة من كهرباء ومواصلات ومصارف واندماج في الحياة السياسية اللبنانية، مدخلا لتغيرات عميقة في بعض »مرافق« في السوق، ظلت تشكل لسنوات طويلة ذاكرة البلدة في استقرارها او في تحولها من حال الى حال، او بتعبير أدق من سوق الى سوق. أعمى يقود بصيراً! علي الفلسطيني وخليل الطيري (من بلدة الطيري) والشيخ علي، عميان ثلاثة يتعاطون سوق بنت جبيل، ولكل منهم في بصيرته مدى وزاوية نظر. فالاول من بينهم، فلسطيني من الجليل، يقطع، منتعلا جلد قدميه وقد تكنّز وتصلب، طرقات القرى المحيطة ببنت جبيل، تحت فيء شعره الأشيب الأغبر الكثيف. يلمّ بضاعته متاجرا، ليعود ويصرّفها على الواقف يوم السوق، بلا أدنى خطأ في الحساب او سوء تقدير في الزبائن. والثاني من بينهم، خليل (الطيري)، يصل ساحة السوق باكرا، ببسمته الثابتة على صفحة وجهه. بسمة عفوية يبادر بها نفسه منفردا مع ذاكرته العميقة، كما يبادر بها الآخرين من عابري الطريق، يعرفهم جميعا من وقع خطاهم، فيبادرهم بالسلام بيديه المعقودتين معا على سبحة لا تفارقهما. شغلة خليل، او شغله الشاغل، تعقب معاملات لأبناء بلدته في دوائر القضاء الرسمية في بنت جبيل. ثم يعود مع انتهاء الدوام الرسمي ماشيا الى بلدته كما جاءها جيئة وتكون الأمانات في أعباب أصحابها بلا حرف زائد او حرف ناقص. اما الشيخ علي فله من السوق مكان وقرار، على الأغلب في طرف السوق الشرقي، مستندا الى حائط يتحكم بالنقطة الأضيق من الطريق. يحلّ الشيخ في مكانه هذا كل خميس، جالسا متربعا في زاويته تلك، مزموما داخل ثيابه، التي تبقى كصفحة وجهه صيفا شتاء، على لون وسماكة ثابتين. لا نذكر أنه كان للشيخ علي يدان او رجلان. نعرف فقط انه كان يملك فما فارغا من »أثاثه«، شأن محاجره الفارغة من أثاث العينين. كنا نرى دواخل الفم والعينين. فالشيخ الجالس بجسده الطفولي كان يظل موليا وجهه نحو السماء. وهذا ما تستدعيه مهمة الشيخ الدائمة كل خميس: كان الشيخ علي يبيع »قوة« صوته من المارة، وكانت بضاعته قصيدة »ابن أبي الحديد« في مدح الإمام علي، مقابل ما تسمح به نفوس المارة وتجود. وكنا نحن الرابحين، سواء جبر الله الشيخ في بضاعته وصوته أم لا، فليس منّا من أبناء »السوق« من لم يأخذ من الشيخ علي أبياتا غنمها من تكرار سماعها على لسان الشيخ وبصوته الطاغي حتى مع عجيج الباعة وضجيج السوق: يا رافع الباب الذي عن هزّه/ عجزت أكف أربعون وأربع أأقول فيك سميدع كلا/ ولا حاشى لمثلك ان يقال سميدع واريت دين الاعتزال وإنني/ أهوى لأجلك كل من يتشيّع سرّ الشيخ علي، وسر خليل (الطيري)، وسر علي الفلسطيني لمن عرفهم وحسب. البنك اليدوي عباس البعلبكي، صيرف البلدة الآدمي. هادئ الوجه والبنية والحركات، هدوء كوفيته البيضاء التي تخيم فوق رأسه وكتفيه. رقيق الجسم والحواشي على غير الهيئة التي تفترضها مهنته. قليلا ما كان يُرى خارج مهنته او خارج »سوق الخميس« ميدان حركته، يذرعه مرات ومرات على وقع مناداته: »اللي معو سوري، اللي معو فلسطيني«. لم نخطئ، صغارا، تقديرنا لمهنته: بيّاع أموال. نعم كان يبيع نقدا بنقد غيره. والسعر ثابت فالكلمة موقف. كان إسمه على لسان الكبار من أهالي البلدة عباس المعلبكي. يعيدون نسبه الجغرافي الى »معلبك«. وهو نسب لا تدع صراحته لبسا او تأويلا. لقد ظلّ اسم المدينة بحروفه ولفظه الصحيحين، لوقت، هجينا على لسان أهل جنوبي الجنوب. مع أنهم على دراية ومعرفة بكل أمور ابن بعلبك ملحم قاسم (ابو علي). ولكن مع رجالات كملحم قاسم لا ضرورة لبلدة المنشأ. فقد كثّر أبو علي وتكثّر من سيرته وأعمال قبضنته، فتكاثر اسمه، بذلك، على اسم المنطقة. وكذلك كانت حال الجنوبيين مع اسم »الأرمن« في لبنان، فقد لبثت »الأرمل« طويلا في لسان الجنوب البعيد، ولم يستوِ الاسم لفظا صحيحا الا مطلع الستينيات مع تداخل عشرة النزوح والعمل مع الأرمن في مشاغلهم ومحترفاتهم. لم يكن »هوى« بنت جبيل شماليا بعد، لذلك ظل لسان أهاليها يعافس أسماء أمكنة و»شعوب« الشمال. كان هوى بنت جبيل إذن جنوبيا، وكان شرقيا. فاذا هبت ريح الجنوب جاءت بغلات الليرة الفلسطينية، اقوى العملات آنذاك. واذا هبّت ريح الشرق جاءت »بمال الشام«. وفي الحالين كان عباس البعلبكي واحدا من »تراجمة« النقود والعملة في سوق بنت جبيل. وقد ظل وفيا لمهنته حتى مطلع الستينيات، بلا مطمع أو مردود مادي، فقط وفاء للمهنة وامتثالا لها. كان يرفض ان يصدّق ان الزمن الاول تحوّل، وان حرب 1948 التي أطاحت بفلسطين، أخذت معها بنت جبيل الفلسطينية. ظل عباس البعلبكي الشاهد الأخير على تقلب بنت جبيل في سوقها واقتصادها واجتماعها ما بين السوري والفلسطيني و... اللبناني. صور تحت الشمس إسمه لا يقبل أبو فلان: أبو مهدي. فقط علي مهدي من طفولته، وفي شبابه وكهولته. وافته صفة »الحاج« مع شيخوخته المتأخرة. ولكنه كان أول المنقلبين على صفته الجديدة: مع ترديده مباهياً بقوته: اسأل عن علي مهدي، علي مهدي وبس. أنزع، حليق ما تبقى من شعر رأسه على صفحة رقبته الثخينة على مقياس رأسه في الاستدارة. بدين بطين عَضِل، يبدو جسده مصبوبا، حسابا لمهمة حمل رأسه الكبير. وكان الى ذلك حبّابا ضحاكا، وكأنه يسلف الآخرين اعتذارا عن زأرة دائمة تتردد في عينيه، وعن صيت في القبضنة تالد وطارف. دخل علي مهدي تواريخ الاهالي جميعا، عبر صورتهم الاولى، فهو »المصور« »الشمسي« الوحيد في بنت جبيل ومنطقتها، ظلت ماكنته معلما من سوق بنت جبيل، وواحدة من مرافقه، تستجلب زبائن من أصقاع القضاء في أوقات الشهادات الرسمية، الاولى منها تحديدا، او في مناسبات الأفراح او التوظيف، او في الاستجابات لنداءات صدور الفتوة في ميعة الصبا، حيث تكون الصورة غرضا او هدية، تكريسا لتلهف القلب، ونسجا على منوال صباح »تصوّر وابعث لي صورة« وخطتها في ترسيمها ما بين التعليق في الدار وعلقة القلب. أما الارشيف الاكمل من تراث علي مهدي، فقد ظن معروضا لسنوات طويلة، صوراً صغيرة تغطي مرايا الحلاقين وزجاج خزائنهم، كانت تعطى وديعة تذكار من شباب البلدة قبل نزوحهم الى بيروت او اغترابهم فيما وراء البحار. أم نمر (يا ناري) قليلة الجسم والرأس والعينين، في فمها سنّان اثنان لا يلتقيان. واحد في الفك الاسفل وواحد في الأعلى، عندما يطبقان فكأنهما يضبان من خارج، الشفتين العليا والسفلى. يدها تبقى موضوعة دائماً على وجهها او بالأدق على خدّها. خصلة من شعرها تنسل دائما من تحت تخفيفتها (منديلها)، فتزيد في حسرة وجهها وأساه حسرة وأسى. إذا استسميتها تقول: أم نمر (يا ناري). تبكي على حالها وتتصبر (يا نارها). أم نمر وليس النمر، مع ان نمراً شهيد، اضحى مجندلاً في معركة المالكية 1948. يوم جاءها خبره، لم تقل انها مع القضية. لم يكن يومها مجالس تبريك. قُبر ابنها بمكان قفر، على الطريق ما بين عيترون اللبنانية والمالكية في فلسطين. يسمّى »قبر القتيل«، مع ان نمراً قتيل قضية وليس قتيل هوى. يستكثرون عليه لقباً آخر. قلّة يعرفون من هو هذا النمر. يعرفون اسمه فقط من كلمات مكتوبة على شاهد قبره يختلط فيها الزجل بالشعر الفصيح: يا نمر إنت نمر رابي بوسط غابي حامي عرينك من أسود ومن ذئاب يوم الكريهة خضتها ونلت الثواب ورمسك بوسط المعركة أكبر دليل لم تعطِ البلدة و»الاحزاب كلها« »نمراً«، حقه في احترام أمه من بعده. فلبثت أم نمر دوارة في سوق البلدة، وبيتها في الطرف الشرقي منه، دعّاءة على من تحمله الرواية سلب خاتم النمر وساعته من اصبعه ومعصمه. كان دعاء أم نمر (يا ناري) لهو طيش ونزق بعض طفولتنا. لم تأتها شهادة ابنها بما يخفف عنها هلوسة الشيخوخة وبردها. عزاء أم النمر في ان الآخرة ليست، كما »الدنيا حظوظ«. العشي واللسان المسنون يحمل مَجْلَخه (آلة لسن السكاكين) على ظهره. ابو عبد اللطيف (العشي) اقصر من آلته، ينحني قليلاً الى الامام، ليتفادى مساسا لسيبة آلته بالأرض. يبقى وجهه والحال هذه، الى الأرض دائماً. ومع تهدل الكوفية على كتفيه ووجنتيه، يبدو العشي وكأنه يختبىء وراء مجلخه. من يعرف العشي ير في هيئته تلك تدبيراً محكماً وعزلته في سيره تحاكي عزلته في مسكنه، فهو من ندرة من البلدة ممن اعتزلوا سكنى الحارات. انشأ ابو العبد حارته الخاصة التي ظلت تتألف لزمن طويل من بيته ليس غير. بين مهنة العشي ولسانه سبب عريض، تسنن اللسان وسلاطته، كان من اصحاب الجملة الواحدة والتعليق الواحد. باقي الكلام يأتي من عينيه او من يديه او من دورة ظهره. يقول كلمته ويمشي، وتمشي معه الكلمة سيارة من فم لفم: »الله إذا اعطى أدهش وإذا أخذ فتّش« واحدة من كلماته. »ضُب مصرياتك، صارت مدينه« وأومأ الى جبانة البلدة، كلمة قالها لواحد من ظرفاء البلدة راح امام العشي يتجعّس برزمة اموال في جيبه. كانت »مؤسسة« العشي في الهواء الطلق. مقابل سوق اللحامين، مساحتها ما يكفيه واقفاً امام آلته. كانت الزبائن تأتيه من المنطقة كافة بأسلحتها المطبخية، يعيدها للحظات جاهزة للقطع، بعد ان يتفحصها بتمريرها على صفحة ظفر باهم يده اليسرى. كان العشي يعيش صمته الكامل اثناء العمل، فلحدّ السكين حدود في العمل وحدود في الانتباه خوف »غلطة المعلم«، وحرمة واعتبار. مجتمع السوق كان سوق الخميس مع هؤلاء جميعا (عفواً نسينا فهمي) وغيرهم وغيرهم، سوق اجتماع، أخذ وعطاء وراء كل بضاعة حكاية. فالصيرفة تبدو على قياس عباس البعلبكي بهدوئه وخطواته الهندسية وكوفيته المنشّاة، والربح الحلال. هناك دائما »فيه مرحبا«، »صلّينا عالنبي«. ومع الحاج علي مهدي، وراء كل بضاعة صورة حكاية سيارة تغطي ذاكرة صاحبها فرداً او عائلة. وبالوقوف امام العشي وآلته يكرّ في رأسك شريط مسنون وشائك من عشرات الطرائف والحوادث، وفي كل منها غلّة فلسفية في شؤون »الدهر والزهر وبيت ابو ظهر«، وهي ثلاثة اقانيم في عرف العشي ليس لها »أمانة« او ليس عليها »رباط«. قال ذلك بعد عملية جراحية مؤلمة اجراها في الخمسينات في مستشفى الدكتور لبيب ابو ظهر. وعميان السوق او بتعبير اصدق اصحاب البصيرة فيه، كانوا دهشة الاطفال المجانية، وكانوا نقطة اعجابهم ومدار اسئلة وتساؤلات لا تنتهي مع أهلهم وأنفسهم. وكانوا كذلك مصدر طاقة جبارة تنبعث في وجدان الاطفال، ومن حيث لا يدرون، وتبعث فيهم إعزاز وقدر هذا »الجرم الصغير« في مواجهة العالم الاكبر. كذلك كان سوق بنت جبيل عشية السبعينيات. لكن سوق السبعينيات وما بعدها راح يدخل في اتجاه واحد. اتجاه »السوق« والتبادل الاقتصادي القح. سوق الاسعار الثابتة والمكتوبة على غلاف البضاعة، سوق الشيكات »المتورخة« والدين الممنوع والعتب المرفوع، سوق المشوار الصغير والمشوار المستعجل، والسوق الذي تتعدى فيه اعداد السيارات اعداد الزبائن المشاة. السوق »الحرة« تراجع سوق بنت جبيل مع الاحتلال، مع تقطع اوصال القرى وتواصلها، ويعود اليوم طامحاً لاستعادة ألقه السابق، مع امتداد البسطات على أنواعها، واقفالها مساحات السوق كافة، ومع تدفق التجار الجوالين غالبا في اسواق الجنوب: النبطية، تبنين، شحور، الشهابية، ومع استعادة بعض المحلات التي سبق واقفلت، بعضا من نشاطها، او مع تجدد بعض المحلات التي كانت مع وجودها مفتوحة، تسلية اصحابها بدلا من فراغ البقاء في المنزل. عادت اللهجات المتعددة والوجوه المتعددة والازياء المتعددة والاديان المتعددة الى سوق بنت جبيل. تجار الخضار من حاصبيا ازدادوا عدداً وكذلك تجار العطورات من صور والنبطية وحتى بيروت، جاؤوا بمخازنهم السيارة وافترشوا بسطات في السوق الذي طالما سمعوا عنه وعن مجالات التبادل فيه. ولكن الاكيد، وبعد شهر من التحرير ان البسطات اكثر من الناس، وهي »شوفة« لم يرها اهل البلدة من زمن. ولكن كثرة العرض لا تؤشر الى كثرة الطلب. فالتجار من ابناء البلدة والمقيمون في محلاتهم طيلة الاحتلال، يرون قلّة يد الناس مع اقفال ابواب العمل والرواتب من اسرائيل، ويرون ان الامور تحتاج الى فترة من التكيف، وهو جمود يتقبّله احمد السيد الذي يرى ان »الحرية عز والمصاري مش عز«. وابراهيم بزي الذي يرى »ان الحرية أثمن من الرفاهية«. الصنعة والحديث في بنت جبيل، يستدعي الحديث عن صناعة الاحذية، حرفة البلدة الاولى. كانت محلات الاحذية تطل مباشرة على مجمل شوارع البلدة الداخلية وزواريبها. وكانت تحية »العوافي« يلقيها العابرون على العاملين في هذه المحلات، تبقى تترد يمنة ويسرة طيلة الشارع او الزاروب. وكنا اطفالاً ويافعين، والراديو تسلية الحرفيين في عملهم الصامت، نسمع »دقات قلب« سميرة توفيق دون ان تفتح لنا هذا القلب من مذياعنا الخاص، بل نسمعه من راديوهات المحلات المتصلة. فقلب سميرة توفيق لما »دقة تدق«، تدق في كل المحلات على الجانبين. وكذا كنا نعرف حالها ملومة حسيرة يوم يتركها باتجاه »رام الله«، »اللي ما يخاف من الله«. أما اليوم فمع فراغ البلدة من شبانها تبدو هذه الحرفة وكأنها الى زوال في بنت جبيل، مع تقلص عدد العاملين فيها الى ما دون المئة شخص، بعد ان كانت هذه الحرفة تحمل اسم »الصنعة« اسما علما دون الحاجة الى تخصيص المصنوع. الادارات الفارغة عادت بنت جبيل مع التحرير لتبحث عن اداراتها، التي كانت دون سائر الادارات في مراكز الاقضية المحتلة، قد ترحّلت عن البلدة واستوطنت تبنين من بلدات التماس السابق. في عودة الادارات إليها، ترى بنت جبيل ذاتها وتطمئن الى قرارها ومستقبلها. تخاف بنت جبيل ان تكون كلفة بقائها تحت الاحتلال، خلع مكانتها الاولى، طربونة في محيطها وفي القضاء المعروف باسمها. ولكن بنت جبيل تأخرت في مؤسساتها كثيراً، إذ ليس من بناء يلم الادارات الرسمية في سراي جامع، فما زالت في كليتها على عهد اوائل السبعينيات: مكاتب النفوس والصحة والزراعة والمالية والمخفر، بعضها ما زال على حال وعهد اوضاعه في الستينيات. وبعضها اقام وتآوى في مراكز »عِيره« لا تأتلف في المهمة والهدف. وبعضها استأجر غرفا (ما دامت الثلاثة منها جمعا) في بناء جديد. وبعضها الآخر، وقد نسق بنيانه في اجتياح 1978، ما زال ينتظر رفع الانقاض قبل مباشرة البناء من جديد. أما المستشفى القائم على »العظم« من سنوات، فإن طبابة الامور فيه اعيت من يداويها. طرف في أية قضية كانت بنت جبيل تقف دوما على نصل الاحداث الرائدة منذ بداية القرن، فما زالت اعدامات الجنود الاتراك لفراريي سفر برلك، تعشعش في ذاكرة الاهالي، ولا سيما أن الضابط المسؤول رفض إيقاف الاعدام بعد انقطاع حبل المشنقة بأحدهم (سيد من بلدة عيناتا)، كذلك اختتمت احداث 1920 بلائحة إعدامات طويلة طاولت العديد من رجالات بنت جبيل وزعاماتها، واختتمت كذلك بتدمير كامل لبيوتها وممتلكاتها مع الحملة الفرنسية بقيادة الكولونيل »نيجر«، والتي جاءت على قاعدة القضاء على العصابات العاملة في جبل عامل وولائها الفيصلي. وقد جاء على لسان الشيخ محمد نجيب في وصف الحملة: هذي مدينة بنت جبيل عنوان بلاد بشارة إجاها ينجر بالليل وحكم فيها الطياره أكلتها كمّ وذيل وعلّمها كيف الغاره حكم عليها بالويل وشو كان بدها بهالعلقة وفي أحداث 1936، كانت بنت جبيل أتون هذه الاحداث ومرجلها في التحركات السياسية والشارعية من مظاهرات وإضرابات واعتصامات، كذلك كانت بنت جبيل مع احداث 1936 في فلسطين قاعدة التسليح والتذخير، ما زالت شخوص الحاج امين الحسيني وفوزي القاوقجي وأكرم زعيتر وأبو ابراهيم الكبير وأبو ابراهيم الصغير، بقاماتهم وتحركاتهم، ترعى ذاكرة الكبار من أبناء البلدة صبيان تلك المرحلة، اي صبيان منتصف الثلاثينيات. وقد تتابعت سيرة التذخير والتسليح، مع الاعمال العسكرية في الجليل، سنوات النصف الثاني من الاربعينيات، ومع سقوط فلسطين شكلت بنت جبيل بأهاليها »أنصار« المهاجرين الفلسطينيين الخارجين من ديارهم الى غير ارض ومكان، كما كانت »بنت أم جبيل« حسب اللهجة الفلسطينية ارض مؤاساة واستشفاء ميداني اثناء المعارك الدائرة فوق ارض الجليل، وقد ظلت البلدة موطن المئات من عائلات الجليل حتى منع هؤلاء، منتصف الخمسينيات من الاقامة في مناطق تقارب ما بين الفلسطينيين وحدود فلسطين. ولكن البلدة عادت واحتبكت مجددا مع الوجه المسلح للقضية الفلسطينية، مع نفاذ الفدائيين الفلسطينيين إليها في تشرين الأول من سنة 1969، قبل اتفاق القاهرة. وما لبثت بنت جبيل من يومها تعيش مفاعيل شراكة القضية الفلسطينية واستتباعات الموقع والقرب، فقد ظلت تتقلب على نار الاعتداءات الاسرائيلية وكانت جولة القصف الاولى التي اصابت البلدة ليلة 31/12/1969، وكانت اول الغيث من تردادات طويلة في القتل والتدمير وفي الغيلة والخطف. ويبدو قصف البلدة في 21/10/1976، »النقطة الصفراء«، في شاشة الذاكرة البنت جبيلية. كان النهار نهار خميس، كان السوق على ازدحامه بعد امتلاء القرى الحدودية بالوافدين من ابنائها هربا من خطوط التماس البيروتية، جاء القصف دون سابق إنذار، ودون مقدمات او تدرج في إحداثيات القصف ونقاطه، مما يسمح للناس بتجنب الخروج من منازلهم تحسبا، القذيفة الاولى كانت مباشرة في قلب ساحة السوق، كانت الحصيلة 14 قتيلا و27 جريحا. ومع تطور الاحداث العسكرية في الجنوب الحدودي، صارت بنت جبيل عقدة الحرب الاولى وهذا ما لفتت اليه اذاعة اسرائيل في 1 تشرين الثاني 1976 في تأكيدها »ان المعركة على بنت جبيل ستقرر من سيكون المسيطر على جنوب لبنان«. اما خسائر البلدة فيستحيل تقديرها، حتى لو حصرنا الخسائر بوجهها المباشر، اعني القتلى وحسب، قتلى الاعتداءات الاسرائيلية وقتلى الاحتلال، والقتلى المقاومين وشهداء التعذيب في الخيام، فامتداد البلدة على مساحة الاحزاب اللبنانية وامتدادها في الاقامة على مساحة لبنان، يعذّر من هذا العمل. ولكن الأكيد واليقين ان بنت جبيل شربت كأس القضية الفلسطينية وكأس الازمة اللبنانية حتى جمامها. أهلنا في المقابر: لا تثيروا من مواجدهم تدخل في مقبرة البلدة، حضرة الميتين وصمت قبورهم، صمت قاهر يطفح به وجهك وجسدك، فهما أضعف من ان يصطخبا مع دبيب ما يصهر دمك ولب عظامك. تدخل مقبرة البلدة وجدانا خالصا وتذكارا خالصا. لا تعرف كيف تدير باقي اعضائك الزائدة: يديك ورجليك وبعض حواسك واحشائك. كيف تواجه »السابقين« من اهل واصحاب، مع انهم ما زالوا يدورون كالنسغ في عروقك. تأخذ طريقك الى قبر أبيك. لم تحفظ موقعه عن ظهر قلب بعد، فهذه زيارتك الاولى للبلدة من سنوات دفنه. تتقرى عيناك بلاطات القبور، فتكتشف ان للاموات مسمياتهم الخاصة التي لم تعتد على قراءتها او سماعها الى الآن »فأبو منذر«، الكلمتان اللتان نشأت عليهما اسما لأبيك، وتكاد لا تعرف غيرها اسما له، تختفي عن شاهد القبر، ليحل محلها: محمود ابراهيم جابر بزي. وأم داوود جدتك لابيك، يقدح شاهد قبرها رأسك ليقول لك، بأنها الحاجة فاطمة بنت الحاج علي فاعور بزي حرم المرحوم ابراهيم مصطفى جابر بزي. صارت مقبرة البلدة »مدينة«، حسب توصيف ابو عبد اللطيف العشي، في »دعوته« الى متاع الدنيا والزهد بالآخرة، والاصحّ أنها صارت مدينتين، مع امتداد سكنى القبور الى إقامات جديدة في جوار الجبانة القديمة. تبدو المقبرة القديمة هادئة كسيرة، فقد ختمت فيها مواسم حزنها من زمن. نزلاؤها من الابناء المقيمين على حنين الاندفان الى جانب الاب او الام او الاخ او الابن الذي انقصف عمرا من سن باكرة يكون الموت فيها قصفا للاعمار. تطل قبور الجميع على هيئة البلدة القديمة، حدود القبور في الغالب حجارة مرمية تذكر بالقبور الدوارس، او شواهد من »صبة« باطون امحت عنها علامات القبر من اسم وتواريخ، أما مسالك ما بين القبور فقد باتت طريقا »قادومية« فوق القبور لا نتخفف الوطء في عبورها، فقد درست الطريق قبورا وباتت حدود طريق ليس غير. رأيتهم في الجبانة القديمة يوفون نذر الفاتحة عن ارواح موتاهم، كانوا اخوانا او ابناء عمومة فيما بينهم، وكانوا يتكوكبون على ثريا من قبور الاهل، يجلسون القرفصاء وقد شبكتهم ذاكرة واحدة وعصب واحد، يوم كانت العائلة كلها في بيت او دار او حوش يلف الجميع أطفالا أقارب يقرّبون من الاخوة في اشتباكهم وتآلفهم، عادوا في المقبرة الى اعمارهم تلك، مع تشتتهم في إقامات بعيدة، يختمون على مشاعرهم الجديدة، بدموع تعيدهم، ولو للحظات، »وليدات نبي« في حضرة ارواح موتاهم. اما المقبرة الجديدة فلم تأخذ ترسيمات البلدة في عائلاتها، مواضع القبور فيها، على مبدأ مواضع المصلّي داخل المسجد، يكون حيث وحين يصل. في المقبرة الجديدة تختلط العائلات والاعمار وتتقارب القبور في أحجامها وأقفاصها وشواهدها، في هندسة رتيبة تذكر بضواحي المدن الاميركية تطل عليها من علياء طائرة. يشق عليك ان تصل الى قبر دون ان تبدأ من خط، من صف، تستجوب منه أعداد القبور حتى رقم معين. تعود من المقبرة الى اصحابك وبنيك، متطهّرا في »بلدية« صافية، لها روح هواء كينايات الجبانة الخفيف وشفافية فيئها، وامتداد جذورها حتى آخر الارض، ارض بنت جبيل.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة