As Safir Logo
المصدر:

عـن عيـوب.. الاقـتراح «الأرثوذكسـي»

المؤلف: شكر كلير التاريخ: 2013-03-04 رقم العدد:12421

وحده اقتراح «اللقاء الأرثوذكسي» قادر على أن يعطي للمسيحيين، ما لم يعط لهم في أي اقتراح أخر. 64 مقعداً سيُسمّون بأصوات أبناء الطوائف المسيحية، من دون غيرهم. اقتراع طائفي ومذهبي بامتياز يسري على المسلمين الذين سينتخبون نوابهم الـ64، من دون زيادة أو نقصان. أما العلمانيون ومن شطبوا الهوية الطائفية والمذهبية عن هوياتهم، فبئس مشاركتهم في اية انتخابات نيابية... الا اذا قرروا أن يصبحوا من اليهود الذين أعطاهم «القانون الأرثوذكسي» حق الانتخاب من خارج الطائفة. حتى الآن، حلّت أزمة القوى المسيحية، وتحديداً تلك الممثلة للطوائف الكبرى، في تحرير مقاعدها من هيمنة الطوائف غير المسيحية. انتقل التنافس إلى داخل البيت الواحد. صار للموارنة معاركهم الخاصة، وللشيعة صولاتهم التنافسية، وللدروز جولاتهم في صناديق الاقتراع. المشروع الذي زرع بذور التفرقة، بين أخوة الحلف الواحد، وخلط أوراق الاقتراحات المتداولة رأساً على عقب فأعاد ترتيب أولوياتها، له أيضاً وجه قبيح، وله تشوهاته الخلقية، التي تبدأ بالخطاب المذهبي الذي سيشرعه ويشجعه، وتمزيق وحدة الاقتراع داخل العائلات اللبنانية، لأنه سيعود إلى طائفة الفرد وليس الى السجل، ولا تنتهي بإخفاقه في تحقيق عدالة التمثيل حين يصل الدور إلى عتبة الأقليات المذهبية. ثغرة إضافية تنفذ من ثنايا الاقتراح، وتسلط الضوء على مكامن ضعفه. معه سيعود الناخب إلى جذوره المذهبية. فالشيعي لن يصوت إلّا للشيعي، والكاثوليكي لن يصوت إلا للكاثوليكي بمعزل عن جغرافية المرشح... وذلك على خلاف القوانين الانتخابية المعمول بها منذ قيام «دولة لبنان الكبير» قبل تسعين سنة ونيف، حيث يصوت المقترع في دائرة نفوسه لمرشّح منطقته بغض النظر عن مذهب المرشح. وعليه، سيضيع «الحق» المكتسب بفعل «الاقتراح المذهبي» على كلّ من تلاعب في سجله المذهبي، ونقله من خانة إلى أخرى، وهي حال تشمل الكثير من اللبنانيين الذين غيّروا انتماءهم المذهبي لأسباب اجتماعية بحتة، كالزواج، أو الميراث، أو حتى لاعتبارات إدارية وسياسية. هنا تطرح إشكاليـة شريحة كبيرة من الناخبين ذات الأصول العـلوية، الـتي لم يعد بإمكـانها التـصويت لمرشـح علـوي، بفـعل نقل النـفوس مـن خانـة العـلويين إلى خانة مذاهب أخرى. وتفيد دراسة أعدها مدير «مكتب الإحصاء والتوثيق» كمال فغالي، أنّ أكثر من 5000 ناخب ذات أصول علوية موزعين بين عكار (1000 ناخب)، وطرابلس (4000 ناخب)، نقلوا نفوسهم في فترات سابقة، وتحديداً قبل اتفاق «الطائف» إلى خانة مذاهب أخرى، معظمهم صاروا سنّة، وذلك كي يتمكنوا من دخول الملاك الإداري والعسكري، ولم يعودوا إلى أصولهم بعد إقرار «وثيقة الوفاق الوطني». حتى أنّ سجلات عائلة أحد النواب السابقين العلويين تظهر أنّ الرجل علوي فيما بقية أفراد عائلته من مذهب آخر، ويتردد أن سجل السياسي نفسه كان في خانة مذهب غير علوي، قبل أن يعيد تصحيحه. عملياً كان هؤلاء يقترعون لصالح مرشح علوي، حتى لو كانوا من مذاهب أخرى، بفعل التقسيمات الانتخابية التي كانت تخلط بين المرشحين. ولكن في حال الاحتكام إلى اقتراح «الأرثوذكسي» سيكون هؤلاء ملزمين بالإختيار بين التصويت لمرشح من مذهبهم الحالي، أو المقاطعة. صحيح أنّ كثيراً من اللبنانيين خرجوا عن طوائفهم للانضمام إلى طوائف أخرى، لكن الأزمة المطروحة بالنسبة للعلويين، تتأتى من كون عدد كل الناخبين العلويين في لبنان لا يتخطى الـ26 ألف ناخب، بحسب فغالي، مقابل أكثر من 5000، وقد يكون الرقم الأكبر وفق دراسته، لمن التحقوا بطوائف أخرى. أما بالنسبة للأقليات المذهبية، فقصتهم مغايرة. مشكلتهم أنه سيتمّ التعامل معهم «قشّة لفّة» بمعزل عن الإنتماء المذهبي، الذي رفع الاقتراح من شأنه، واعتبره المعيار الوحيد للتمييز بين المقترعين. ولكن حين دق أبواب الأقليات، رفع يده ووضبّهم في علبة واحدة. وإذ ما دققنا في جردة تظهر أرقام الناخبين من الأقليات المذهبية، المسيحية، والإسلامية، وغيرهما، لتبيّن أنّ عدد هذه الأقليات يتجاوز الـ60 ألف ناخب (حسب دراسة فغالي)، يمثلهم مقعد واحد، ويفترض أن يقترعوا، في حال أرادوا المشاركة في الاستحقاق النيابي، لمقعد واحد، ومرشح واحد. أما ترشيحاً، فيجوز لأي مرشح من هذه الطوائف، التي يتجاوز عددها الـ17 مذهبا، أن يقدم ترشيحه لهذا المقعد... إلا إذا نجحت الضغوط في زيادة عدد مقاعد ما يسمى بالأقليات، لا سيما أنّه وفقاً للمعدّل الوسطي للمقعد المسيحي (20 ألف ناخب للمقعد الواحد)، يمكن لهؤلاء أن يقتنصوا مقعدين إضافيين إلى جانب المقعد الأساسي. عملياً، يمكن القول، إنه إلى جانب الطوائف الـ18 اللبنانية الأساسية أو التاريخية، التي تتمتع بمحاكم خاصة مباشرة أو غير مباشرة، ينصّ عليها قانون الأحوال الشخصية، تظهر سجلات دوائر النفوس اللبنانية وجود مذاهب «ثانوية» تعتبر من الأقليات، يتولى معالجة قضاياها الاجتماعية من زواج وطلاق وإرث، القرار 60 ل. ر. (الذي استفاد منه الثنائي نضال وخلود لتسجيل عقدهما المدني)، وهي على سبيل المثال، بوذي، شهود يهوى، هندوسي، اسماعيلي، لا طائفي (مشطوب القيد الطائفي، أو أجنبية من دون مذهب تزوجت من لبناني) ... وتوضّب أصوات هؤلاء الناخبين جميعاً، في خانة الأقليات، وأكبرها طائفة السريان الأرثوذكس (أكثر من 18 ألف ناخب)، وأصغرها الإسماعيليون (7 ناخبين). ويظهر في الدراسة أيضاً 4 حالات لناخبين اعتبرت وزارة الداخلية أنّ مذهبهم بحاجة إلى التدقيق، إلى جانب أكثر من 1000 حالة عرّفت عنهم سجلات القيد بأنّهم مسيحيون من دون تحديد مذهبهم. فلمن سيقترعون؟ هذه المقاربة، تعني أنّه في حال تشريع اقتراح «اللقاء الأرثوذكسي»، سيكون لزاماً على الإسماعيلي على سبيل المثال، في حال قرر المشاركة في الانتخابات، الاقتراع لمصلحة مرشح من السريان الأرثوذكس أو اللاتين، في حال لم يترشح إلى مقعد الأقليات، إلا مرشحين من هذين المذهبين، وذلك على قاعدة أنّ كل مرشح لا يتمتع بمقعد مخصص لطائفته، سيلحق حكماً بمقعد الأقليات. إشكالية ثالثة يستولدها هذا الاقتراح، وهي المتصلة بالتعددية المذهبية داخل السجل الواحد، بمعنى أن عائلة واحدة قد تضم أكثر من مذهب في كنفها، فالزوجة قد تكون من مذهب غير مذهب الزوج، لا سيما وأنّ القانون سمح لها بالاحتفاظ بانتمائها الديني عند الولادة، والأخوة من مذاهب مختلفة... وهي حالة شائعة لدى العائلات اللبنانية، لا سيما المسيحية منها. وبالتالي، ووفقاً للاقتراح، القائم على أساس طائفة الفرد وليس طائفة السجل، لن يكون بمقدور أعضاء عائلة واحدة، التصويت للائحة واحدة. هذه عيّنة، من مطّبات عملانية قد يواجهها الاقتراح، وقد تزيد من كرة الاعتراض عليه...

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة