As Safir Logo
المصدر:

إحياء «السلافوفيليا» في قالب سوفياتي.. فاليري لاتينين «شاعر الروح الروسية»

المؤلف: رائف عماد الدين التاريخ: 2013-03-01 رقم العدد:12419

يتمتع النتاج الأدبي الروسي المعاصر، سواء ضمن حدود روسيا الاتحادية، أو دول الاتحاد السوفياتي السابق، وأوروبا الشرقية، بعمق مستمد من أعماق النتاج الأدبي ما قبل السوفياتي شعراً ونثراً. وتبرز على الساحة الأدبية الحالية وجوه تتمتع بظهور متميز يمكن للأجيال المقبلة أن تحكم عليها، إلا أنها ذات موهبة تتخطى الحدود. ومن تلك الوجوه الأدبية فاليري لاتينين، الذي حظي من شاعر الصرب الكبير نيناد غويتشيش، بلقب «شاعر الروح الروسية». وقد يستحق لاتينين أن يمثل نموذجاً لجيل من الشعراء الروس، استمد من العصرين الذهبي والفضي أفضل ما فيهما، مع بعد سلافي واضح يصل إلى مرحلة «السلافوفيليا» من جهة، وواءم ذلك مع ما صقلته التجربة السوفياتية من «تطوير» في النتاج الشعري. وقد أمّن مسار عقدين من «الحرية» للشعوب الروسية، وخاصة الجنوبية منها، في التعبير عن فنونها، وأهمها القصيدة المغناة، إبداعات من شعراء سهوب الدون والكوبان، ومنهم لاتينين. مواضيع تلك الإبداعات الأساسية ثالوث الأرض الأم، واللغة الأم، والديانة الأم. و«السلافوفيليا» تلك، تحكمها عقدتا الأرض والديانة، وتقمصهما اللغة الزاهية المغناة. الأولى التعلق بـ«الأرض السوداء»، أرض السهوب بشكل خاص، تلك التي روّتها دماء الملايين من البشر على مرّ القرون، والثانية هي اللقاء بـ«المخلص» في أرض فلسطين المقدسة. ولعل لاتينين أول من صدح بأن صربيا تعتبر القلب الموجه لروسيا التاريخية، وهو في ذلك يعتبر مغالياً في قوميته، وذلك على العكس من كثيرين يعتبرون أن صربيا قد لا تشكل سوى امتداد «طبيعي» لروسيا الأرثوذكسية. إلا أن النظرتين تلتقيان في أن الروس والصرب شعب واحد متحابٌ، في الجذر السلافي، وفي الآمال القومية المشتركة. يقول لاتينين: «الصرب والمنجل/ لقد كانا وحدة/ الروس والصرب/ كذلك لم يقوَ الدهر على التفريق بينهما». ذلك «الالتزام» ذو الجذور التاريخية، يقود لاتينين إلى التزام شكلي، فشعره المتعدد الموضوعات مصقول بوزن وقافية، لكنه لا يضيع بوصلة التماهي مع «آمال روسيا». الشكل كلاسيكي بامتياز، واللغة تزهو بحلة حديثة رائجة، غنية بالصور الشعرية، سهلة تفيض من بين الأسطر راسمة موسيقى المحكي من الكلام بوضوح. وضوح اللغة الأم، التي تتمتع بقابلية حركية عالية تطويعاً، وتوليداً، واشتقاقاً. فمن «أطلال أريحا» التاريخية، يصحبنا لاتينين إلى القدس، يقول: «جذر الروسية من هذه المدينة العتيقة/ مرساة القرون الغابرة/ لها يولد الشعراء/ ليتعانقوا مع نبض اللغات». فالعقدة الأولى - المقدس، ومدى تغلغله في الشاعر لغة وحياة. ففي ذروة الأحاسيس ينطلق نداء الصلاة للمسيح، كما في «آرارات»، و«دعاة الجليل»، و«أصل الكلام»،.. ليصل إلى باب الكنيسة المفتوح «الحقيقة». وذلك المقدس يظلل الأشعار والأحاسيس، إلى لحظة اللقاء، إذ يبدو ضارباً في صوفية متألقة نلمسها أثناء «الاغتسال في الأردن»، حيث يقول: «في يوم العمادة (الغطاس)، تنهار الحواجز كلها/ لا فرح كذلك الفرح/ فكلما كان الغوص في الأردن أعمق/ كان لقاء المسيح بالمسيح حقاً/ في ذلك اليوم، وأكثر من أي وقت مضى/ نتحد بلغاراً، وروساً، وصرباً، رومانيين،.../ كل من اغتسل ببرد القداسة/ يدفئ قلبه حب المسيح». أما العقدة الثانية، التي لا يمكن أن تنفك عن المقدس، فهي حبّ الأرض، والوله اللامتناهي بالسهوب الروسية، وخاصة الجنوبية منها، إلى حيث ينتمي الشاعر. أرض الدون والقوزاق، وهم مجموعة أثنية للسلافيين الشرقيين الذين يقطنون بجملتهم السهوب الجنوبية في شرق أوروبا وروسيا وكازاخستان وسيبيريا. ومن المعتقد أن موطن القوزاق هو خط من القلاع والحصون كان يمر من نهر الفولغا الوسطى باتجاه مدينتي ريازان وتولا، ثم ينعطف نحو الجنوب ويصل إلى نهر الدنيبر في منطقة مدينتي بوتيفل وبيرياسلاف. وقد اتخذت منذ العام 1989 محاولات لنهضة القوزاق في روسيا السوفياتية. وقد أصدر «مجلس السوفيات الأعلى» للاتحاد السوفياتي آنذاك، مرسوماً اعترف «بأعمال القمع والاضطهاد بحقهم»، وأكد إعادة الاعتبار السياسي لهم. وفي العام 1995 صدر المرسوم الرئاسي الذي تشكلت بموجبه «الإدارة العامة لقوات القوزاق». أما في العام 1998 فصدر مرسوم يقضي بإنشاء «جمعيات القوزاق السبع عشرة»، وبينها جمعيات الفولغا، وسيبيريا، وإركوتسك، وما وراء البايكال، وتيرسك، وأسوريسك، وينيسيه، وأورينبورغ، وكوبان، والدون أو «جيش الدون الأكبر». ووافق الرئيس الروسي السابق ديميتري مدفيديف، في 3 تموز 2008 على «مفاهيم سياسة الدولة الروسية إزاء القوزاق الروس» التي تهدف إلى تنسيق سياسة الدولة الخاصة بنهضتهم في ما يتعلق بخدمة الدولة والتعاون بين جمعيات القوزاق وأجهزة الدولة المركزية والمحلية. وتقوم الفكرة على أن القوزاق يسهمون بنشاط في حل المسائل الاجتماعية انطلاقاً من مصلحة السكان وآخذاً بالحسبان التقاليد التاريخية والمحلية. وتهدف سياسة الدولة إلى النهوض بالأصول الثقافية والحضارية والدينية للقوزاق الروس. وتعيدنا القصائد القصيرة المنتجة خلال العقدين الماضيين، إلى أغاني القوازاق الشهيرة التي جمع بعضها الكاتب الكبير ميخائيل شولوخوف بين ثنايا روايته «الدون الهادئ». وفي أشعار لاتينين يمتزج حب قومه وأرضهم بالألم على المصير الذي آلوا إليه في القرن العشرين. وتعتبر قصيدة «المرأة القوزاقية»، تمجيداً للجمال الأنثوي في تلك الديار، يقول لاتينين: «كل ما فيك ممزوج بروعة/ الشخصية القوزاقية والقوام/ لا ينقصك الائتزار/ بشالات الحرير الغجرية..». حتى عندما يتعلق قلب الشاعر بجمال امرأة من قومية أخرى، يستحضر «نهر الدون الخالد» ليمزجه بالجمال الآتي من البعيد، يقول في قصيدته «سفيتلانا الكلميكية»: «كم يبدو ذلك غريباً/ شعرها كسواد الليل/ وتدعى بالروسية سفيتلانا (منيرة)/ ابنة الكالميك الغضة/ تحاصر مياه الدون قدمي سفيتلانا/ والأحاديث تتشابك كإكليل ورد/ والنظرة تلمع كالعقيق/ وتتسلل جاذبيتها إلى القلب/ مخمور أنا بعبق الشيح/ بسموفونية الخرير/ آه يا سفيتلانا/ ذكراك في ذلك اليوم/ بطعم عسل حار على الشفتين/ يكاد ينفجر القلب نوراً/ مما يظهر من بشرتك السمراء اللامعة/ وما يخفيه ثوب السباحة السالب للروح».

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة