عندما نشرت فرنسس وود كتابها: هل ذهب ماركو بولو الى الصين؟(*) في عام 1996 قامت الدنيا في الغرب ولم تقعد... بعد! جلب كتابها عليها سلسلة من الردود والتعليقات العنيفة والمعنّفة، التي نشرتها كبريات الصحف والدوريات الغربية، من جريدة التايمز اللندنية، الى الواشنطن بوست والنيويورك تايمز الاميركيتين... السبب ان المؤلفة، وهي متخصصة في العلوم الصينية ورئيس القسم الصيني في (المكتبة البريطانية) طرحت موضوعة تقول: ان ماركو بولو لم يصل الى الصين، وان ما احتواه المؤلف، المنسوب اليه إملاءه، من معلومات عن تلك البلاد وسكانها، مأخوذ، على الاغلب، من كتابات الجغرافيين والرحالة العرب والفرس والأتراك. المؤلفة الانكليزية تنتمي الى جيل أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، الذي كان جعل من عمّان وهانوي وهافانا ونيكاراغوا محجا له، يحاول المشاركة في الثورة ضد هيمنة الاستعمار وفكره وعقيدته. وبعد ان هدأ كثيرون من ذلك الجيل، وهدأت معهم الثورات التي وضعت عشرات الملايين من البشر آمالهم فيها، وبعد ان أدار كثير من محترفي الثورة ومترفيها، ظهورهم الى ماض عظيم، استمر البعض في الطريق الذي اختطه، لكن باستخدام وسائل اخرى نعثر عليها في المؤلفات الهامة التي تظهر بين الحين والآخر في أوروبا والولايات المتحدة. والى هذا النمط تنتمي المؤلفة التي فتحت بمؤلفها الاخير آفاقا واسعة لمن يود البحث في الموضوع من العرب لاستعادة بعضا من تاريخنا المنهوب. وحتى نتمكن من فهم دوافع المؤلفة وأبعاد موضوعتها، توجهنا اليها، عن طريق (الشبكة) نستزيد منها ونطلب اليها ان تساعدنا في هذا المشوار العلمي المعقد. { لنبدأ سيدتي بالسبب او بمجموعة الأسباب التي دعتك لاختيار العلوم الصينية، شديدة الصعوبة والتعقيد، مادة للتخصص؟ هل كانت سياسية فكرية، ام علمية محض؟ لقد اخترت متابعة دراستي العليا في ميدان العلوم الصينية لأنني رغبت في تعلم لغة غاية في الصعوبة وفي الوقت نفسه مختلفة تماما عما تعودت آذاننا الاستماع إليه، علما بأنني تعلمت في المدرسة اللغتين الفرنسية والاسبانية. لا ادري سبب اختياري اللغة الصينية وليس اليابانية او العربية على سبيل المثال، لكنني يمكن القول بثقة بأنها لغة تناسب شخصيتي تماما علما بأنني لا أشعر إطلاقا بأي ميل الى اللغات التي تحوي الكثير من القواعد (مثل اليابانية والالمانية). دعني أقول انني أستمتع حقا بحقيقة ان المرء بعد تعلمه 44 ألف رسم غير قادر على الإدعاء بأنه متمكن من اللغة الصينية لأن تعلمها عملية متواصلة لا نهاية لها. فقد بدأت في تعلمها في عام 1967، وما زلت أتعلمها حتى اللحظة هذه. { لننتقل الآن الى موضوع الكتاب ومنهجية بحثك. لقد كانت نقطة انطلاقك في البحث عن ماركو بولو في الصين هو غياب الدليل! هل تعتقدين أنه بقدرة هذه المنهجية البحثية تقديم اجابات مرضية على الاسئلة المطروحة؟ غياب اي برهان متين على ان ماركو بولو وصل فعلا الى الصين هذا بعد مرور ما يزيد عن (700) سنة يعني ان المرء بقدرته ان ينظر في المسألة وفي الاحتمالات الكثيرة، وكذلك باستحضار عوامل كثيرة الى ميدان النقاش. انني أؤمن بأن التاريخ الجدي يجب ان يتم التعامل معه بجدية، لكن هناك مواضيع، مثل قصة ماركو بولو التي يمكن النظر اليها من زوايا غير موقرة، تحديدا لأنها تحوي القليل جدا من الحقائق المثبتة. الايمان بماركو بولو { استنتاجاتك بخصوص مصداقية رحلة ماركو بولو جلبت عليك غضبا وحنقا شديدين من قبل علماء الصينيات، فهل وقف اي من زملائك العلماء المتخصصين معك؟ ان الناس، سواء أكانوا متخصصين بالصينيات أم لا، منقسمون على أنفسهم بخصوص المسألة الى قسمين متساويين تقريبا، فاما أنهم (يؤمنون) بماركو بولو او لا (يؤمنون) به، وأنا أرى ان التعبير (ايمان) صحيح تماما في هذا المقام: المسألة هذه تتطلب تدخل الايمان (بسبب غياب الدليل). { لماذا واجه كتابك وموضوعتك عن رحلة ماركو بولو المعارضة الشديدة تلك؟ هل كانت برأيك معارضة علمية محض، أم لأنك شكّكت في صحة احد »مقدسات« الغرب؟ يشكل ماركو بولو أداة أساسية لبعض المتخصصين في صين تلك المرحلة التاريخية: لكن كل ما وددت ان يتأملوا فيه هو ان يستثنوا الشخص من الأبحاث وان يتمعنوا في الوثائق تلك، وان يوظفوها للتعرف الى ما كان الاوروبيون يعرفونه عن تلك البلاد في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، وان لا يعتبروها ملاحظات شاهد عيان. من ناحية اخرى، فبالنسبة الى كثير من غير المتخصصين، فان ماركو بولو شخصية يتم تقديمها في المدارس الابتدائية، بما جعله بالتالي جزءا لا يتجزأ من تاريخ الصغار ومن قصص الأطفال التاريخية (حيث تقدم الأساطير على أنها حقائق)، والتشكيك في أحد أبطال الطفولة أمر استفزازي حقا. { في مقدمة المؤلف كتبت بأن البحث كان سيتم بشكل أفضل لو انه تم بمساعدة متخصص في العصر العربي الوسيط! هل يمكنك التوسع في هذه المسألة؟ عقب قراءة اقتراح هربرت فرنكه كنت آمل في العثور على مصدر عربي او فارسي: ذلك الدليل غير المشهور، الدليل الفارسي من العصور الوسيطة الذي يمكن انه شكل المصدر التاريخي... وباعتقادي ان المعارف العربية/ الفارسية الواسعة عن الصين حينئذ شكلت مصدرا رئيسا لها، لكن من الصعوبة بمكان العثور على مثل ذلك المصدر او ذلك الشخص الذي يمتلك قدرة البحث في هذا الموضوع. وقد أشرت في كتابي الى ان هربرت فرنكه اعتقد انه عثر على ذلك المصدر التاريخي، الا ان التواريخ لم تتناسب مع مادتنا. { ما مدى اعتماد أوروبا العصور الوسطى على المصادر الجغرافية العربية في التعرف على أقاليم العالم البعيدة؟ لم أتمكن من مراجعة كتاب جون لارنر عن المادة ذلك انه مصدر ممتاز فيما يتعلق بالمعارف الجغرافية. لكنني لا أعتقد ان أوروبا كانت مدركة لوجود المصادر العربية، كما انها لم تكن سريعة في توظيف المعارف. جغرافية مختلقة { برأيك هل يجب وضع رحلة ماركو بولو تحت بند المغامرات العظيمة، ام وجب النظر اليها ضمن إطار السياسة الدولية التي كانت قائمة عندئذ، ومن ذلك على سبيل المثال البحث عن (القسيس يوحنا) وايضا ضمن إطار الحروب الصليبية ضد الاسلام؟ أعتقد ان أحد الامور المثيرة في المخطوطة هي أنها تتأرجح بين الاثنين، بل وبين أمور غيرهما. فهناك أقسام تشدد على الجانب التجاري وليس اكثر من ذلك (لكن ما سبب إقحام كل هذه الوحوش وكل سلاسل الاحداث تلك؟). واذا قال المرء: انها مغامرة ليس الا، فما سبب كون معظمها ممل حقا أقحمت فيها مقاطع مطولة عن تاريخ المغول وتلك القوائم الطويلة عن أسماء المدن والأنهر؟ ومن ناحية اخرى، فان النسخ الأقدم من كتاب ماركو بولو تشدد على الجوانب الدينية والتي سريعا ما تنسى عند مغادرة مدينة قره قرم (على سبيل المثال)؟ لا يبدو ان عائلة ماركو بولو قضت سبعة عشر عاما في ملاحقة المصالح المسيحية. من كان بالفعل جزءا من الحملة الصليبية القرون وسطية ضد الاسلام هم المبشرون الحقيقيون الآخرون مثل وليَم الربركي وجون البلانو كاربيني الذين أوفدا في بعثات رسمية. والامر المثير في النسخ الأقدم هو ان هذه المسألة غير واضحة إطلاقا. لذا فمن الممكن الايحاء بأن روستيتشيللو البيزوي حصل بطريقة ما على كتاب جغرافيا وقام باختلاق الرحلة (ما يقرب من المئة سنة قبل وقتها). وقد كان مدركا ان الجغرافية المختلقة، وكما يحدث دوما، تنفخ فيها الروح فيما لو نسبت الى »شخصية« تقول: »أنا رأيت ذلك بأم عيني«. { إذا رغب بحاثة عرب في التعامل مع هذا الموضوع وطلب منك النصيحة، فماذا ستقولين له آخذين بعين الاعتبار الخبرة البحثية الكبيرة التي اكتسبتها منذ بدء تعاملك مع الموضوع؟ سأنصحه بالبحث عن مؤلفات شكلت مصدر المحتمل لرواية ماركو بولو، وربما تكرار ما قام به السير يول قبل فترة طويلة في مؤلفه كاثاي وما يليها والترجمة الى الانكليزية لتقارير الرحالة العرب والفرس عن رحلاتهم الى الصين وتسجيل ما حوته من معلومات كثيرة عن تلك البلاد فيما لو بحثت في المكان الصحيح. فمثل هذا العمل سيساهم في النظر الى الصورة ككل عندما نكشف عن مصادر جديدة ووجهات نظر جديدة. { أخيرا، بعد كل أبحاثك وما وجه اليك من انتقادات وتوافر الفرصة لديك لمراجعة نقدية لمؤلفك أسألك: هل وصل ماركو بولو الى الصين؟ ان مسألة فيما لو ان ماركو بولو وصل فعلا الى الصين لا تهمني إطلاقا! رغم ذلك، أعتقد انه لم يصل الى تلك البلاد. لكن المادة المنسوبة اليه مهمة لأنها تكشف لنا عما كان الأوروبيون يعرفونه في ذلك العصر عن الشرقين الأدنى والأقصى. انه مؤلف مهم، لكن هناك حاجة الى الحذر الشديد عند استخدامه. (*) ماركو بولو: هل وصل الى الصين؟ تأليف: فرنسس وود. ترجمة: فاضل جتكر. قدمس للنشر والتوزيع. دمشق 1999 288 صفحة. Wood, Frances, Did Marco Polo go to China? London 6991.