إحدى كبرى العقبات أمام الباحثين في الشأن السكاني في لبنان هي ندرة الإحصاءات السكانية وتناقض الموجود منها. وهي إحصاءات بمعظمها أرقام تقديرية احتمالية وغير علمية، تشكو من غياب الموضوعية وحضور سافر للأهداف الإيديولوجية: منها إحصاءات لم تُجرَ إلا لتبرير توازن طائفي غير حقيقي، أو دعم سياسة فئوية وخاصة. الإحصاء الرسمي الوحيد في لبنان جرى في العام 1932 تحت رعاية السلطة الاستعمارية الفرنسية، التي لم تكن تهدف إلى معرفة دقيقة لعدد السكان بقدر ما كان القصد منها العمل على تثبيت وضع سياسي طائفي قائم آنذاك بقوة وسطوة الانتداب الفرنسي. الدولة اللبنانية بعد مرور أكثر من ثمانية عقود من الزمن على تحقيق الاستقلال السياسي، لم تُجرِ أي تعداد رسمي كي لا تأتي نتائج التعداد غير مُطابقة للوضع السياسي الطائفي القائم منذ بداية الاستقلال، وهو الوضع الذي لا يرغب الزعماء الطائفيون في تغييره، علما أن دولاًّ أقل نموًا من لبنان وأقل ادعاءً بالتمسك بالتحديث تُجري إحصاءات سكانية شاملة مرة واحدة كل عشر سنوات، فيما دول أخرى تجري تعداداتها مرة كل خمس سنوات. والمعروف أن التعداد السكاني الجدّي يكشف معطيات هامة جدًا على مختلف الأصعدة، تساعد الأجهزة المختصة للدولة على وضع الخطط التنموية، كما تُسهم في تصويب ومعالجة الخلل في البنية العامة للاقتصاد والمجتمع والدولة. في غياب الإحصاء الرسمي، لا بد للباحثين من اللجوء إلى التقديرات المُعلنة والإحصاءات غير الرسمية على علاتها، فهي، كما أشرنا غير دقيقة وغير علمية، لكنها، بشكل ما، تساعد في تحديد مسارات نمو الطوائف اللبنانية، وتكشف بعض المعطيات التي يلجأ إليها صانعو التوازن الداخلي الطائفي في المقاطعات اللبنانية خلال القرن التاسع عشر، وفي لبنان لاحقًا. لذلك يجب اعتبار الأرقام الواردة أدناه مؤشرات على التطور الديموغرافي. وهي تقدم، رغم مساوئها، فكرة أولية ما عن أحجام الطوائف اللبنانية الكبرى. يسمح هذا الجدول باستخراج عدد من الاستنتاجات حول التركيبة الديموغرافية الطائفية للبنانيين سكان المقاطعات اللبنانية منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى أواخر القرن العشرين، وهو «جدول الأمر الواقع» أي الجدول «الذي لا بد منه» في غياب تام لإحصاءات رسمية ودقيقة. ويُتيح هذا الجدول إيراد الملاحظات التالية: ـ إن الطوائف اللبنانية الكبرى من حيث عدد أفرادها منذ بداية الفترة العثمانية وحتى قيام دولة الاستقلال هي الموارنة، السنة، الشيعة، روم أرثوذكس، الدروز وروم كاثوليك. ـ إن حجم هذه الطوائف الست يتصاعد باستمرار، وإن المنازعات والحروب الداخلية التي شهدها لبنان لم تسفر عن نزوح أو انقراض أي طائفة منها. في ضوء ذلك، يصبح لبنان وطنًا نهائيًا لها بحكم تواجدها واستمرارها، شاء زعماؤها أم أبوا. ولا مُسوٍّغ في تاريخ لبنان للقول إن أيا منها هي الأساس في قيام الدولة. ـ إن أيًا من الطوائف المذكورة لم تشكل طوال تاريخ لبنان أكثرية طاغية بين السكان، وبالتالي لا يمكن لأي منها أن تفرض، في النظام الطائفي، ما تراه مناسبًا دون موافقة الآخرين إلا عن طريق القوة والإكراه. وهذا ما يُسميه زعماء الطوائف في لبنان بـ«الديموقراطية التوافقية» التي تُلغي الديموقراطية الحقيقية وتُلغي المساواة بين المواطنين. ـ بسبب غياب «الطائفة الطاغية عدديَّا» في لبنان، تشكَّل توازن دقيق على الصعيد السياسي، لكنه توازن هشٌّ وقابل للاهتزاز العنيف لدى أي خلاف حول امتيازات الطوائف أو حول القضايا الوطنية العامة، وهذا التوازن هو أخطر ما يُنتجه النظام الطائفي القائم في لبنان. لذك، تاريخ لبنان هو سلسلة من الأزمات الداخلية المتكررة. من أرقام الجدول أعلاه، بالإمكان بناء جدول آخر حول تطور عدد المسيحيين (موارنة وروم) وعدد المسلمين (سنة وشيعة ودروز)، وهو التالي: يبدو واضحًا من أرقام هذا الجدول أن مسلمي الطوائف الثلاث يتكاثرون بوتيرة أسرع من تكاثر مسيحيي الطوائف الثلاث: ففي عام 1921 كان المسيحيون 51% من المجموع، فأصبحوا 49% عام 1944، ثم 38% عام 1984، وذلك خلافا لتكاثر المسلمين حيث ارتفعت نسبتهم من 49% إلى 51% ثم إلى 61% خلال السنوات ذاتها. يعود ذلك إلى جملة أسباب: في مقدمتها أن المسيحيين هم أول من باشر منذ أواخر القرن التاسع عشر بالهجرة إلى مصر ثم إلى أوروبا والأمريكتين (راجع عن الهجرة اللبنانية الدراستين العلميتين: مسعود ضاهر، «الهجرة اللبنانية إلى مصر»، منشورات الجامعة اللبنانية، 1986، وإيلي صفا، «الهجرة اللبنانية»، بالفرنسية، بيروت 1960). في وقت كان معظم المهاجرين اللبنانيين، خاصة خلال القرن التاسع عشر، ينقطعون عن لبنان بشكل كامل. ومن أسباب تكاثر المسلمين نسبة للمسيحيين، ان دعوات تحديد النسل، وهي أصلا تدبير أوروبي ـ غربي حديث يهدف إلى تنظيم الأسرة، لم تلق قبولا عمليًا منذ بداية الانتداب سوى لدى المسيحيين اللبنانيين، بينما لم تتقبل الشرائح الكبرى من المسلمين اللبنانيين دعوات تحديد النسل بشكل عام إلا خلال السنوات الأخيرة من القرن العشرين، فقد تضمنت الأحاديث النبوية الشريفة إشارات واضحة حول ضرورة تكاثر المسلمين (راجع: زهير حطب، «تطور بنى الأسرة العربية»، معهد الإنماء العربي، طبعة 3، بيروت، 1983، ص 80) فأثًّر ذلك في ارتفاع وتيرة زيادة عدد المسلمين نسبة لمثيلتها لدى المسيحيين. وإذا أخذنا بالاعتبار مسألة تعدد الزوجات المحظورة دينيًا لدى المسيحيين (إضافة للدروز) بحيث تتعدد أو «تُستنْسخ» الأسرة الواحدة، يمكن الافتراض أن الأسر المسلمة تتضمن عددًا وسطيًا من الأفراد أكثر مما لدى الأسر المسيحية. وتؤكد هذه الفرضية دراسة أجرتها «جمعية تنظيم الأسرة في لبنان» في مطلع سبعينيات القرن الماضي، فقد أشارت هذه الدراسة (وردت هذه الدراسة في: هشام سعد، «الوضع الديموغرافي والمسألة الطائفية»، مجلة الطريق، عدد شهر نيسان 1978، ص110) إلى المعدل الوسطي لعدد أفراد الإسرة في لبنان حسب الطوائف، فتبين انه بلغ 4,9 لدى المسلمين، و3,7 لدى المسيحيين. أما معدل زيادة الولادات لدى الأسرة المسلمة فهو في أربعينيات القرن الماضي 34 بالألف، بينما لدى الأسرة المسيحية فهو 14,5بالألف. (محمد جميل بيهم، «النزاعات السياسية في لبنان في عهد الاحتلال والانتداب»، جامعة بيروت العربية، 1977، ص20). إن إشكالية زيادة عدد المسلمين على عدد المسحيين لا تُحل بنقل الامتيازات الطائفية المعمول بها في النظام الطائفي القائم من طائفة إلى أخرى، بل بإلغائها جملة وتفصيلا مع ما تعنيه من توزيع للمناصب السياسية والإدارية كونها أحد أهم أسباب ترهل الإدارة وانتفاء تكافؤ الفرص وهدر الإمكانات والعدالة الاجتماعية. والقضاء على هذه الإمتيازات الطائفية، هو الطريق الآمن والمؤدي لبناء الوطن والدولة. (1) هنري غيز، «بيروت ولبنان منذ قرن ونصف القرن»، ترجمة مارون عبود، جزء أول، بيروت 1950، ص218 . (2) غسان سلامة، «المجتمع والدولة في المشرق العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت 1987، ص 103، جدول (2 ـ 5). (3) E. Rabbath, La formation historique du Liban politique, v. 1, Beyrouth 1978, p 3. (4) التعداد الرسمي الوحيد في لبنان عام 1932. (5) Al.Hourani,Minorities on the Arab World, Oxford, 1947, p 76. (6) غسان سلامة، «المجتمع والدولة.في المشرق العربي»، مركز دراسات الوحدة العربية، طبعة أولى، بيروت 1987، ص110، جدول (2 ـ 6). (7) مصطفى كركوتي، «دراسة أكاديمية بريطانية عن الأقليات في لبنان»، صحيفة «السـفير» اللبنانية، عدد 11 ك 2، 1984.