الرحمن الرحيم: في الحديث القدسي الذي يرويه المسلمون والنصارى ويتناقلونه مع شيء من الاختلاف الكمي والكيفي، أن نبي الله موسى عليه السلام مرّ براعٍ في البرية يناجي ربه يقول: «أين أنت لأقبّل يديك وأمسح قدميك؟ لأخدمك إذا مرضت وأبقى بقربك، فداء لك أهلي ومالي وروحي، غنمي ومعزي، اختر أي كبش من أكباشي لأذبحه لك وأطعمك إياه، ألا تذكر صياحي على قطيعي مرغباً له بالرعي أو الشرب أو النظم أو المشي (هيهاي وهيهوي)؟ فهو من أجلك». ونهاه موسى عن ذلك لأن في كلامه كفراً، وإن استمر فسوف تأتي نار تحرق الدنيا ومن عليها، وعلّمه كيف يناجي ربه بلغة فلسفية تجريدية، وبعدما فارقه حاول الراعي أن يعمل كما علّمه موسى، فلم يجد كلاماً للنجوى، كأنه لم يجد ربه الذي يعرفه على طريقته، فأخذ يعاتب موسى عن بعد: ماذا فعلت بي؟ أحرقت روحي بنار الندم، أخرستني!! فنادى الله موسى معاتباً: «ماذا فعلت بعبدي؟ دعه لي ودعني له، أنا بعثتك للوصل لا للفصل، لقد فصلته عني، وأنا أنظر الى الداخل والحال لا الى الخارج والقال». (هذا الجزء من الحديث نظمه جلال الدين الرومي (مولوي) شعراً بالفارسية وأداه على السنتور المنشد الإيراني المعروف شجريان)[ . حاولت أن أفهم هذا الحديث علمياً، فقلت: إن علم الراعي قد لا يساوي واحداً من المليون من علم موسى، وعلم الراعي بالنسبة الى علم الله هو صفر على اللانهاية، وعلم موسى كذلك بالنسبة الى علم الله، إذن أمام علم الله يتساوى الراعي والنبي، لأن علم النبي بشري محدود مهما اتسعت أو علت مساحته ونسبته، وعلم الله مطلق.. وهكذا الارادة والمحبة والغضب والرضا.. والرحمة، رحمة الأنبياء والرسل والصلحاء والقديسين وسائر الناس، تتساوى في ضآلتها مهما تكن عظيمة وراقية أمام رحمة الله، الذي وسعت رحمته كل شيء.. وأول رحماته خلقه الخلق ومنتهاها غفران ذنوبهم (لا يؤوده ذنب) وهو التوّاب الرحيم، وهو الرحمن الذي تعمّ رحمته الخاطئين، يبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده في النهار ليتوب مسيء الليل.. «وويل للمقنّطين» أي الذين يقنطون الناس من رحمة الله، كما في كلام الإمام جعفر الصادق (ع).. ويقول زين العابدين (ع): «إن بعض الناس يدعون أخوانهم الى الجنة ويزينوها لهم ولو كانت كما الدنيا في أيديهم لما تخلوا لهم عن شبر واحد منها». مع الله (من شهاب الدين السهروردي) «الحقيقة شمس واحدة، لا تتعدد بتعدد مظاهرها من البروج، المدينة واحدة، والدروب كثيرة، والطرق غير يسيرة. صمْ عن الشهوات صوماً ينقطع باستهلال هلال موتك، وورود عيدك بقدومك على مبدئك ومعيدك. صلّ لربك والليل مظلم فيسترهبك بتحيير حواسك، ويخوفك بهمس أنفاسك، فيلزمك حينئذ الالتجاء الى نور الأنوار. قف على باب الملكوت وقل: يا قيوم الملكوت، الظلام أحاط بي، وحيّات الهوى قصدتني، وعقارب الدنيا لسعتني، وتماسيح الشهوات لدغتني وتركتني بين خصومي غريباً. يا أرحم عليّ من أبويّ، انقذني وخلصني من سخطك، سبحانك رب الجبروت، أنت سبوح قدوس، رب الملائكة والروح، أذقني حلاوة أنوارك، أهّلني لمعرفة أسرارك، يا من قذف نوره في هويات السابقين، وتجلى بجلاله على أرواح السائرين، وانطمس في عظمته ألباب الناظرين، اجعلني من المشتاقين اليك، العالمين بلطائفك، يا رب العجائب وصاحب العظائم، ومبدع الماهيات وموجود الإنيات ومنزل البركات ومظهر الخيرات.. إنك أنت الحي القيوم، ذو الحول العظيم، والأبدي المتين، الغفور الرحيم». سؤال: هل يمكن أن يتوقع أحد أن يصل الواحد منا أو كلنا بالإيمان والتوحيد والتوحد والشفافية الى حد أن يدخل الواحد منا الى جماعته الدينية أو رعيته في الجامع أو البيعة ليعلّم الناس دينهم، ويكتشف في نهاية التعليم أن من بين الحضور فرداً أو أفراداً من دين آخر أو مذهب آخر أو جماعة أخرى، ولا يشعر بالندم أو الحرج؟ لا يجد نفسه مضطراً للاعتذار عن شيء قاله؟ هل يستطيع الكاهن أو الشيخ وهو على منبره أن يكمل عظته أو تعليمه من دون تحويل أو قطع للسياق عندما يشاهد فرداً أو أفراداً مختلفين وقد فاجأوه بالدخول عليه وجلسوا ليسمعوا؟ هل يمكن توسيع مساحة المشاعات في المعرفة الدينية؟ اختبار: في أحد أيامنا في طهران قالت زوجتي: فلانة تريد ألف تومان ديْناً وأنا معي ثلاثة آلاف ولكني في آخر أيام الشهر، قلت أعطيها ألفين هبة، تهللت زوجتي، وأنا أهمّ بالخروج في طريقي الى قم للقيام بعملي الثقافي والتعليمي لمدة يومين أسبوعياً. زرت في قم صديقاً عاتبني لأني رفضت عشرة آلاف تومان هدية منه لشهر رمضان المقبل، وقال: لم يكن ذلك مني، لقد أحرجتني مع الرجل، وكان الرجل الذي أرسل لي المال مرجعاً كبير القلب. وفي تقاليد الحوزة أن لا شيء يبرر ردّ هدية المرجع. فاستعدت العشرة. ولدى عودتي عرجت في طهران على صديق آخر فقال: لك عندي خمسة آلاف تومان مكافأة على بحث لم أكن أتوقع عليه أجرة، وقبل خروجي جاء صديق ثالث وقال: لك بذمتي ثلاثة آلاف لأني أخطأت الحساب معك، حملت المال الى منزلي وأنا أستعيد الآية الكريمة «من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له». والله لا يقترض، الإنسان هو الذي يقرض ويقترض والله يفي.. وإذا ما افتقدنا هذه الرواسخ في سلوكنا من الرحم الى الجيرة الى العونة الى المسامحة الى المصالحة والنسيان، فماذا يتبقى لنا؟ هل تكفينا السياسة أو غيرها.. أليس هذا معنى من معاني الغيب من دون شطط ومن دون اعتداء على الأسباب الطبيعية للحوادث؟ دعاء: يا ربّ.. وهل أوصيت أباً بابنه كما أوصيت الأنبياء بالآباء؟ أعن حاجة الآباء الى الأبناء أو حاجة الأبناء الى الآباء؟ أليس لأن محبة الأب للإبن مضمونة ما عدا الشذاذ من المرضى بأمراض لا بُرء منها ككراهية الذات التي تتجلى كرهاً دميماً للآخر.. مهما كان قريباً من الرحم.. وكأنهم يأتون من غير رحم، ما يفسر عدم شعورهم بجمال الرحمة؟ فكيف بخالق الآباء ومكوّن الأبناء، ومَن كل الخلق عياله؟ أليس لأن الأبوة حب مطلق، وأنت المطلق؟ أما أنا.. فأنا المقيد المحبوس في جسدي وذنبي.. فأعتقني.. تطمعني رحمتك في مغفرتك.. فلا تخيب رجائي يا رجائي. علامات ومخاوف: كان علماء الدين أكثر علماً من رجال الدين الآن، وكـان الأهـل أقل علـماً من الأهـل الآن، ومع ذلك فقد كانت المسافة بين العـلماء والناس أقصر.. والآن هي الى مزيد من البعد أو الـقرب، ولكن ليس على أساس المقاييس العلمية أو الروحية.. بل على مقاييس محض دنيوية، أليس لأن العالم إذا زاد علمه زادت قدرته على الاندماج والتوحّد بالناس؟ أليس التوحّد بالخلق اقتراباً من الخـالق؟ أليـس لأن التماثل مع الناس مظهـراً وأسلوب عيـش ولو مع فـارق معـقول، هو المدخل الى عقولـهم وقلوبهـم؟ أليس لأننا الآن نزداد غنى كلما ازداد أهلنا فقـراً؟ إذن أين المـثال والأمثولة والرمـز؟ أين القـدوة؟ أليس الغرق والاستغراق في الدنيا هـو الذي قلل من علمـنا وجعله غير نافع لنا ولأهلنا؟ وهل المطلوب أن نهجر الدنيا؟ ألم يكن بإمكاننا أن نختار عملاً آخر وعلماً آخر فيصبح حسابنا أهون؟ ألا نلاحـظ أن أهلنا في الماضي كانوا أقل معرفة بتـفاصـيل الـشريعة ولكـنهم كانوا أكثر تقوى وطاعة ومحبة؟ ألا يستدعي كل ذلك أن نعيد النظر في دورنا وموقعنا ومعرفتنا ولغتنا وأسلوب حياتنا وعملنا وعلاقاتنا وأولوياتنا وأفكارنا وقيمنا وعلومنا؟ وإذا فسـد الملح فبـماذا يُمـلّح؟ وهنا يحضرني ردّ علي بن أبي طالب على صاحبه عاصم بن زيد الحارثي: «ويحك إني لست كأنت، إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضَعَفَة الناس، حتى لا يتبيّع (لا يضيق) على الفقر فقره». وكان قد كتب الى صاحبه عثمان بن حنيف والي البـصرة مقرعاً له على استجابته لدعوة الى ترف (من غير حـرام معـلوم) وحكى عن إلحاحه في أن يكون قدوة للفقـراء، داعياً المـسؤولين «وأعلم أنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد». في الوحدة الطهارة والسلامة: في فقه العبادات أحكام للمياه، ومنها أن الماء القليل ينجس كله بملاقاة النجاسة (الدم مثلاً) فإذا كان كثيراً، أي له رصـيد يمده ويجـدده، كمـاء الـعيون الجارية - حتى لو كان الظـاهر منه قلـيلاً - أو كالأنهار أو البحـار، أو كان من مـطر السـماء بحيث يجري على الأرض الصلبة ويـبقى متـقاطراً، أو كان راكداً بالـغاً ما يقـرب من 375 ليتراً، في مكان واحد أو أمكنة متصلة، أو إذا كان قليلاً متصلاً بكثير، فإنه لا يتنجس بملاقاة النجاسة، وإنما يتنجس إذا تغـير لونه أو طعمه أو رائحته بلونها أو طعـمها أو رائحـتها (تمـاهى معها).. وهكذا الأمم والشـعوب والأوطان، تصبح عرضة للنـجاسة والفـساد إذا ما تجـزأت وانفـصل بعـضها عن بعـض وصـار كثـيرها قليلاً بفــعل التجـزئة... أما إذا كانت موصـولة متـصلة ومعتـصماً بعضها ببعض وقليلها بالكثـير، متحداً فيـها القلـيل بالقــليل ليصـبح القلـيل بالقــليل كـيراً، وبالكثير أكثر وأوسـع وأمــنع، فانها يصـعب إفـسادها، لأنه يستلزم إفساداً لكل عنصر من عناصرها، وكل عنصر من عناصـرها ليـس عنصراً وحده، لأنه جزء من كل، فمن أين تدخل النجـاسة؟ وإذا دخلت فإنهـا لا تلـبث أن تزول.. تماماً كالبحــر أو النـهر إذا ما قسـمناه الى أكــواب أو أباريق أو كؤوس وحتى (براميل).. فمن يقسم، تحت أي ذريعة حزبية أو مذهبية أو دينية أو جهوية، فإنه يعرض نفسه والآخر الى النجاسة والفساد. والوحدة ضـمانة الـسلامة والطـهارة.. هذا إذا كان الماء مطلقاً، أما إذا كان مضافاً - غير وطني خالص مهما يكن حلواً أو جميلاً- كماء العنب أو الشعير أو التفاح أو البــرتقال أو الورد، أياً كان، فانه يتنجس بملاقاة النــجاسة، قلـيلاً كان أو كثيراً، ولا يطـهر أبــداً، لا يبقى نافعاً إلا في حـدود تخرج عن الغاية التي من أجلها تم تحضيره.. بينما يطهر القليل المـطلق إذا فتـحنا عليـه ماء مطلقاً كثــيراً وطاهـراً، أي أعدنــاه الى نـصابه، وتطهر الجـماعة المنـشقة وتصلح، إذا لم تكن قد انفصلت عن جسمها وأضيفت الى جسم آخر، أي فقدت استقلالها، ويمكن إعادتها الى وعيها وصفها.. أما المضاف الذي غير هويته ولونه وتعريفه وطعمه، وأصبحت ماهيته من ماهية أخرى، فإنه لا يطهر، لأن عناصر مناعته تكون قد استهلكت.. ولأن الاستقلال والنزوع الوحدوي هو ضمانة الشفاء من النجاسة والفساد والتبعية المطلقة.. هذا ليس ترغيباً الى القطيعة مع الآخر، أياً كان، بل هو تشويق الى الذهاب الى الآخر من الذات، أي أنت كما أنت.. وهو كما هو.. لتعود الى ذاتك مترعاً بالآخر، لا ممحواً به ولا ماحياً له. سؤال: هل يستطـيع فرد أو افراد من دين آخر أو مــذهب آخــر أن يأتوا لماماً أو دوماً الى أماكن العبادة والتعلـيم الديني لأديان أخرى ليتعلموا أو يتعظوا أو يعرفوا ويحــبوا ويـعودوا الى أهلــهم وعباداتهم موصولين بمن وراءهم وأمامهم وحواليهم من خلق الله وتصبح عبادتهم من أجل الجميع مع الجــميع؟ هل يمــكن أن يكون الله لواحد؟ ان الواحد تكتمل وحدانيته بالجميع، والجمـيع هم المعادل الموضوعي والتاريخي للواحد.. هل يدخل المسلم الجنة لأنه مسلم؟ هل يمكن أن نسأل هذا الـسؤال والسؤال الــموازي له أو المتفرع عنه.. أو نجيب عليه من دون أن نتحسس أعناقنا وألسنتنا وأرزاقنا؟ إلى موسى قال رب الراعي: «أنت بُعثت نبياً أو رسولاً لتقوم بالوصل لا بالفصل».