As Safir Logo
المصدر:

نجيــب محفــوظ مهنــدس الملحمــة المصريــة

المؤلف: الذهبي خيري التاريخ: 2013-02-08 رقم العدد:12401

سئل نجيب محفوظ في أحد الحوارات التي أقيمت معه: ما سر هذه الهندسة الصارمة التي تتبدى في نصوصك الروائية؟. فأجاب في تبجح وثقة وصدقية المصري الذي كانه... قال: لا تنسَ أني حفيد المهندسين العظام الذين أنشأوا الأهرام والذين بنوا المعابد في الجنوب. وهو على حق, ففي نفس الوقت الذي كانت مصر تبني فيه معبد رمسيس ذا الساعة الفلكية العجيبة, كانت حضارات كثيرة أخرى، ما عدا حضارات الأنهار الآسيوية العظمى، ما تزال تتعثر في بناء الأكواخ والبيوت حتى لا يسقطها تراكم الثلج وعواصف الريح. بدأ نجيب محفوظ هندسته واستكشاف ميراثه الهندسي حين قرر تجاوز الروايات التاريخية, أي الملتزمة بالنص التاريخي, أو المحرضة على استنهاض الأحفاد للحاق بالأجداد فتوقف بعد رادوبيس وكفاح طيبة وتخلى عن الروايات الطبيعية واستسلم تماماً للرواية الواقعية التي قرأ نموذجها لدى الكاتب الانكليزي غولزورثيي ملاحقته الانفلات السري والتحفظ الفيكتوري لأسرة برجوازية في تعبدها ولهوها وازدواجية رؤيتها للعالم الجنسي, وصعودها السياسي، متنقلة من الهم الشخصي إلى الهم الوطني, ثم إلى دخولها ضمن برجوازية المستوظفين الرائعين في خير الميري. ملحمة الحسينية ثلاثية بين القصرين، وقصر الشوق والسكرية، ملاحقته هذه الأسرة وتفرعاتها وتضحياتها وموت بعضها على يد الاحتلال البريطاني، وتعلقها بسعد زغلول، رمز الوطنية المصرية، الذي بدأ يظهر بعد أن انتشر شكل ما من أشكال التعليم بين المصريين منذ أيام محمد علي وأبنائه وأحفاده، ورغم تردي التعليم بشكل فاحش بعد تغيير المناهج والغرض من التعليم، على يد دنلوب أيام الخديوي توفيق، إلا أنه ظل تعليماً ومنهجاً لضبط العقل وجعله يعرف أنه ليس ابن الجارة فقط, بل ابن الوطن، وكان للصحف والمسرح وللمركزية السياسية التي جعلت كثيراً من أبناء المدن يمضون موظفين ومعلمين إلى أقصى القطر فيعرفون أنهم مصريون, ويعرفون أن الفلاحين مصريون. وهكذا ربما كانت هذه الثلاثية المصرية بامتياز أولى ملاحم نجيب محفوظ التي لا تقل عما كتب الجبرتي قبل قرن وبضع عقود. بعد ثلاثية الحسينية هذه توقف نجيب محفوظ لفترة، كتب فيها روايات مفردة تتراوح بين الحداثة (ثرثرة فوق النيل) وبين السجالية مع رواية أخرى (ميرامار, في سجالها مع رباعية الإسكندرية )، وشبه البوليسية (اللص والكلاب ). في ثلاثية الحسينية اكتشف نجيب محفوظ جذره المهندس الذي لا ينسى وهو يبني الدرجة الأولى في الهرم أن هناك قمة أعلى الهرم، عليه أن يضبط الزوايا والجدران منذ القاع حتى لا تنحرف الجدران فتضيع القمة. كان نجيب محفوظ حينها قد أصبح الاسم الأول بين كتاب مصر الروائيين، مبعداً نجومها الذين سبقوه عن المنافسة. ولكن طموح المهندس كان يقول له: أنت مهيأ لما هو أكبر, وبهدوء أخذ الطموح لديه ينمو شيئاً فشيئاً لكتابة شيء اشبه بالتوراة, أو بملحمة جلجامش, أو الشاهنامة. إن ما يريد كتابته ليس ملحمة أسرة لخمسين أو سبعين, أو حتى مئة سنة... بل هي ملحمة الجنس البشري منذ آدم وحتى يومنا هذا. فها هو يبدأ روايته الجديدة مع أدهم (هل يحق لنا اعتباره معادلاً لآدم)، ربما. ولكن هاهو آدم الإبن المدلل عند صاحب القصر والجنينة, هاهو يخطئ حين يستجيب لإغراءات إدريس (أتراه معادلاً لإبليس) سأترك الجواب لمن يريد. يطرد أدهم من عمله الهام والمحسود عليه. كقيم على حسابات وإدارة مصاريف القصر والجنينة. ويطرد حتى من القصر، فقد أغواه إدريس وجعل الجبلاوي الأب والمدلل يغضب فيأمر بطرده. وهكذا يصبح أدهم وإدريس مطرودين من القصر. وتبدأ مناوشات إدريس وكأنها مقالب عادية, إلا أنها مقالب مؤذية تغرق أدهم في الخطايا يوماً بعد يوم, وتأخذ الأحزان خارج القصر في مطاردته (المعادل لآلام آدم المطرود من الجنة). الى آخر هذه المقابلات التي ما أعتقد أن الكاتب يفضلها. يختفي أدهم وتبدأ عذابات أبنائه ـ وإن ظلوا طوال الوقت يرنون الى القصر وجنينة الفرح والحلم ـ وفجأة يظهر في الحارة فتوة جديد, إنه (جبل) المعادل الموضوعي لموسى, الخ. الى آخر الرواية التي سنرى فيها محاولات البشرية حل مآزقها في السعي وراء الخبز والعدل والحرية, ولكن كل داع جديد، موسى كان أم عيسى (رفاعة) أو محمد (قاسم). لا يلبث أتباعه أن يتحجروا ويكلسوا أفكاره, راجعين بها إلى ما يشبه الوثنية في عبادة المال, والجبن أمام السلطان والضعف أمام الجنس, وكان يمكن لهذا كله أن يدوم إلى الأبد لو لم يظهر (عرفة)، إنه العلم الذي يقدم الحلول في الاكتشافات والاختراعات ولكن الطاغية في القصر يستولي على منافع هذا العلم, وهذه هي رؤية الكاتب, وربما هي رؤية الواعين في تحول العلم إلى أداة بيد الأقوياء والمتنفذين, به يستعبدون ويتسلطون ويمكنون لأنفسهم. جوبهت هذه الرواية حين صدورها برفض شديد من رجال الدين وبدأ التهجم عليها, وكانت قد طبعت على فصول في جريدة الأهرام, ثم طبعت في بيروت كاملة, ولكنها لم تطبع طبعة ثانية لما يزيد على الثلاثين عاماً, فقد كان نجيب محفوظ يرفض أن يقف في الصف المقابل لشعبه وللرأي العام, وكان في هذا يمثل الرجل المصري الوسطي, الذي لا يريد صداماً مع عموم الشعب ومع المؤسسات الدينية (الأزهر)،ومع ذلك فلم يسلم محفوظ من محاولة اغتيال ذبحاً عام 1994،على يد شاب اعترف بأنه لم يقرأ الرواية, ولا يعرف عنها أكثر من أنها رواية كفر كتبها كافر. وأنها الرواية التي شجعت سلمان رشدي على كتابة رواية آيات شيطانية. عاد نجيب محفوظ بعد رواية أولاد حارتنا, إلى كتابة الروايات المنفردة فوضع المرايا وهي شكل جديد حاول فيه أن يقدم صورة لأشخاص عرفهم في شبابه محاولاً جعل هذا الموزاييك نصاً روائياً, ثم دخل روايات السجال مع الفترة الناصرية وضغط المخابرات وتخريبها الفرد أمام التحديات الخارجية, فكتب الكرنك، والحب تحت المطر, وحضرة المحترم وروايات أخرى. ملحمة الحرافيش.. إنها المرة الأولى التي يسمي ما يكتبه بالملحمة, فهو لم يسم ثلاثيته بالملحمة (الساغا)، وكلمة ساغا التي استخدمها غولزورثيي البريطاني مستعيراً إياها من الأدب الاسكندينافي والتي تعني السيرة الأسطورية لشعب ما بكل ما فيها من مغامرات وبطولات وصراعات آلهة وجان وأقدار غامضة، ولا شك أن كاتبنا حين قرأ هذا المصطلح الذي يستخدمه غولزوررثيي عن أسرة بريطانية وهي أسرة الفورسايت, أسرة برجوازية في انتقالها من الفيكتورية وحتى المعاصرة. لا شك أنها قدمت له نموذجاً من الكتابة عرفه الأدب العربي الشعبي في السير (الملك الظاهر, سيف بن ذي يزن) الخ وكان قد حاول أن يستفيد من الأدب العربي التاريخي ليستحدث شكلا جديداً في الرواية. ثم حاول استخدام شكل أدب الرحلات, فكتب رحلات ابن فطومة, لكنه تخلى عن كل تلك الأشكال ملتزماً بشكل الساغا ـ الملحمة, حينما كتب أولاد حارتنا ولكنه لم يسمها ملحمة أو ساغا تاركاً هذا الاسم حتى كتابة ملحمة الحرافيش. ولم يسم أولاد حارتنا بالملحمة أيضاً, ولكنه هاهنا يعرف، وهو المثقف العارف لمهنته جيدا،ً أن يسمي ما يكتب بالملحمة (الساغا)، وكان قد سمى الناس الذين تابعهم في خان الخليلي وزقاق المدق وحكايات حارتنا, سماهم بالحرافيش, فقرر في جرأة أن يجعلهم الأبطال في ملحمته هذه ملحمة الحرافيش. في هذه الرواية التي نشرت في العام 1977، أي بعد حوالي خمسة عشر عاماً من نشره (أولاد حارتنا) والتي حملت العنوان المخادع والأقرب الى السذاجة أولاد حارتنا. انتقل محفوظ إلى همه الأساس... الحرافيش.. فقراء في الحرف الدنيا, أكثرية الشعب المصري ممن لم يكونوا فلاحين ولا موظفين, الرعية. هؤلاء الناس الذين كتب عنهم ابن إياس والجبرتي والمقريزي.. إنهم العامة.. وقود الأوبئة والطواعين وربما كانوا وقوداً للحروب, فلم يسمح لهم السلطان أبداً من قصره البعيد أن يحملوا السلاح فيصبحوا خطراً محتملاً. تبدأ رواية الحرافيش بوباء يضرب حارة عاشور الناجي, العملاق الفقير الذي يهرب من الحارة بعد تلقيه تحذيراً في الحلم عن الوباء القادم فيهرب مع عائلته الى الجبل حيث النقاء من الأمراض. وتمر الأيام ليعرف بعدها أن الوباء قد انقضى, فيحركه الحنين ويعود إلى الحارة ليجد أنها قد خلت من سكانها تماماً، فيمر بها ويتفحصها, وفجأة يرى قصر ثري الحارة, فيتجرأ ويدخل ليكتشف ألا ساكن فيه, فقد مات الجميع, يأتي بزوجه ويسكنان البيت مع أطفالهما، ويبدأ حلم اليقظة في الثراء يتحقق. منذ سكنى عاشور الناجي مؤسس الأسرة في القصر تبدأ الملحمة, لتبدأ قصص الأبناء, فابنه شمس الدين الذي نشأ في العز يبدأ بتصنيع أسطورة التفوق والتميز على أبناء الحارة الذين يتقاطرون ويعيدون ملأ الحارة التي خلت لزمن من السكان. ثم يأتي الحفيد سليمان الناجي الذي تتدهور معه سيرة الأسرة حين أخذ يخزن المال ويحرم الفقراء من حقهم في أموال وريع صاحب القصر من أوقاف القصر, الذي حل الجد عاشور فيه. ويذكرنا هذا السقوط بنظرية ابن خلدون, أن للأسر الحاكمة ثلاثة أجيال تبدأ من بعدها بالتحلل. وهكذا يتقدم فتوة آخر ليس من أسرة الناجي, فتنحدر الأسرة لتصبح من الحرافيش في انتظار المنقذ, ويكون عاشور الثاني فيحول العشيرة من شحاذين ونشالين إلى العشيرة الأعظم في تاريخ الحارة. ثم يأتي شمس الدين سارق النعمة, ويأتي بعدهم أحفاد فيهم من يريد بناء برج يصل فيه إلى السماء, وفيهم امرأة تتسيد حين يعجز الرجال. إنها ملحمة البحث عن العدل المطلق, والحرية المطلقة, والخبز المطلق. هي رحلة البشرية مختصرة بحرافيشها. ملحمة الحرافيش هي النص الأدبي الذي أعلن فيه نجيب محفوظ أخيراً أنه يكتب ملحمة, فقد كان يكتبها في النصين السابقين, ولكنه لم يكن يدرك أولم يكن متأكداً أنه يكتب ملحمة ولكنه أخيراً أعلن أنها ساغا الحرافيش الذين ظل يشتغل عليهم لأكثر من ربع قرن كانت قمة الهرم فيها هي هذه الملحمة التي ستظل تحدياً لكثير من مهندسي الرواية في الأدب العربي. (كاتب سوري)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة