As Safir Logo
المصدر:

معـلومـاتـية تـُوسّـع الأسـواق وتُضيّـق الهـويـات

المؤلف: بعلبكي احمد التاريخ: 2013-02-08 رقم العدد:12401

تبرز هيمنة النخب الحاكمة، والمتدينة منها خاصة، في ترويج المضامين الملائمة لكل مكوّن من مكونات الثقافة لضمان استدامة تسلطها وتوريثه وفي اختزال الديانة في إقامة مواسم التدين المفرط ومسرحة شعائره، وفي ترويج ملاحم العزاء وتفصيح اللغة المقيت ببلاغة الولاء لمواقف الزعماء في موازاة موجات تدهور السيادة والأمن والمديونية في المجتمعات الفقيرة، تنشط الميول والدعوات فيها لدى فئات شعبية واسعة للانغلاق داخل موروثاتها الثقافية التقليدية واللوذ المفرط برمزيات المخزون من الشعائر الدينية. وتقترن هذه الميول برخص انتشار تكنلوجيا الاتصالات وإغوائها للشباب اللاهثين عبثاً في الأوساط الشعبية وراء ما يكتشفونه وما يحلو لهم فيها من تخيلات العيش والمعاصرة. وتبرز في الحياة اليومية لفئات واسعة من النخب، ولا سيما السلطوية منها، ميول لتبني ظواهر لا عهد لها بها من ترف البذخ والتنعم بما ابتدعته تقنيات العصر من وسائل التواصل والبروز، ومن ظواهر الاستهلاك المرهف الوافد من المدن الليبرالية المتطورة. أصبحت هذه الظواهر تُعتمد في تصنيف تراتب النخب داخل هرميات السلطتين الأهلية والحكومية، ولا سيما مع توافر فرص الاغتناء المستحدث في المدن العربية، وما أدى اليه من حراك المراتب، بفضل التعليم أحياناً، أو الاغتراب أو الحرب أو الفساد الإداري أو التهريب، وكلها فرص توريث تقود الى الثروة وتحصن الجاه والزعامة. وأدت هذه الظواهر المترابطـة إلى ترهل مؤسـسات الدولة والى تحول ولاءات الكثير من القيادات العصبوية داخل السلطة إلى محاور سياسية - طائفية ومراجع خارج حدودها. ولاءات تعكس عجز الحكومات وتبعياتها وتعكس عصبويات زعامات الطوائـف الحاكمة فيها، ما يؤدي الى تحول العوام فيها عن وعي شروط تحقيق تقدمها الـثقافي والمدني والاقتـصادي، في الكيانات السياسية العربية والإسلامية، إلى زيف الوعي المستنقع في تجاويف ذاكـرة دعاة التـخلف والفتن بين عوام الطوائف الإسلامية. وقد نجح هؤلاء الدعاة في تشويه معاني الجهاد، حتى الشهادة في بطولات أئمة الطائفة الشيعية في محطة فارقة من محطات تاريخها (شهادة الحسين بن علي في معركة كربلاء ضد فسق خلافة يزيد بن معاوية). ونجحوا في تزييف وعي معاني هذه الشهادة غير اليتيمة في تاريخ الجهاد الشيعي الى حد اختزالها الى مجرد ظلامات وضغائن، لا تستطيع دهماء الشيعة بعدها أن تفصل بين مسؤولية خليفة فاسق أوقعها عليهم وحكمت ذاكرتهم الجمعية ولا تزال منذ أربعة عشر قرنا من جهة وبين براءة مليار مسلم غير شيعي من دم أهرقه ذلك الخليفة. كما نجح دعاة التخلف والفتن الشيعيون من استثمار أكثر تكنولوجيات البث والتعبئة، بدعم من نخبهم الحاكمة وفي حضرة زعمائهم، في إحكام الغلق السياسي لثقافة دهمائهم وتزييف وعيها عبر التاريخ تزييفا لم يحُل ولن يحول دون توسع آليات النهب للثروات في أسواق بلدانها ولا دون تهافت المنعة في قيام دولها. لقد طالت ظواهر الإفقار والانغلاق من جهة والإفراط في تبعيات الاستهلاك والسياسة من جهة أخرى مكوّنات الثقافة في مجتمعاتنا العربية وهي: أولاً: مكون القيم التي تُنـشئ غالبيـة الجـماعات عليها أفرادها فتحكم شعـائرهم وتمـثلاتهم لوجودهم في مجتمعاتهـم وتحكـم خصائص تكيفـهم مـع السلطة المعنية بشؤون حـياتهم ومـع الجيرة والبيئة وما تقتضيه ضرورات الاندمـاج في الحـياة الاجتـماعية. ثانياً: مكون منظومة التقاليد والقواعد السلوكية المُحفِزة لاندماجهم الاجتماعي أو المحددة لمجازاتهم على مخالفتها من خلال مؤسسات تحدد مقتضيات العدل في التعاملات. وتحدد بالتالي مراتب الأفراد والأدوار المنتظرة منهم في المجتمع. وهي مراتب وأدوار تميل السلطات الأهلية المحافظة على حصر تعريفها بالتقاليد وعلى استبعاد التأثيرات الوافدة عليها من ثقافات المجتمعات الليبرالية المتطورة المحرضة للنخب المعارضة والفتية إجمالا على تجاوز التقاليد ومن يرتبط بها من سلطات تعززها. إن الطابع الخاص للثقافة في مجتمع ما لا ينفي وجود التزامات متفاوته بثوابتها بين الجماعات. ثوابت تختلف باختلاف المناطق والديانات وبمدى انفتاح الشبيبة فيها، واستحسانهم للعلاقات ولأساليب العيش والممارسات الاجتماعية المدنية الليبرالية الوافدة إليهم في برامج مرفّهة تتمحور حول ترف الاستهلاك والفردانية برامج يضخّها الإعلام الفضائي المتعولم خاصة، مراهناً على إمكانية الوصول إلى تجانس ثقافي مفروض على العالم عبر إغواءات تهدد حصون ثقافة السلطة المحافظة و«احتشاماتها». تهديد يدفع بهذه السلطة باتجاه غلق وتحصين ما يُسمى بثقافة جمهورها (culture de masse). وهي ثقافة يرتبط اسمها اليوم بإعلام الجمهور (Mass - média). ويتمثل هذا التحصين للثقافة المحافظة بمحاولات التظاهر برفض ظواهر الثقافة الليبرالية الغاوية (Contre acculturation) الوافدة مع الإعلام الغربي. انها ظواهر تؤدي في أوساط معينة إلى التمرد على الأخلاقيات التقليدية والدينية على الأقل وإلى تهجين ثقافي يسهّل من تقبل علاقات التبعية ومن طلب الاستزادة منها. وتؤدي في أوساط اخرى إلى تطرف ثقافي ديني دفع بهانتغتون إلى القول بازدياد المواجهات بين الثقافات والحضارات بالرغم من توسع تكنولوجيا التواصل بينها. وجدير بالذكر أن توسيع عروض الفـضائيات الإعلامية المتاحة أكثر فأكـثر للفئات الشعبـية توهم هذه الفئات بأنها باتت أكثر تعرّفاً على ما يجري يومياً داخل مجتمعاتها وخارجها. وتوهمها بأنها باتت مكتفية بما توفره لها الفضائيات وشبكات التواصل من أخبار يومية وبالتالي قادرة على التباهي بتجاوز تحليلات النخب المتسمة بتعددية المحدّدات المنظّرة. وبمثل هذا التوهم تجد الفئات الشعبية نفسـها أسـيرة الارتباك بين فهم سياسي تنقله اليهـا الفضائـيات حول مجريات أوضاعها من جهة، وميل هذه الفئات من جهة اخرى، إلى التسليم لبداهاتها الإيمانية تهربا مما لا قدرة لها على فهمه ولا على توقعه. فتلوذ، والحال هذه، بتسليم أمرها لزعامـات طوائفها وعشـائرها وهـم الأكثر استقطاباً لعوامهم ليس إلا لأنهم أقرب الى عقول وميول أتباعهم وهم الذين غالباً ما يكونون أكثر حيلة أو «أقل إرهافاً للحد» على حد قول ابن خلدون، أي أقل حنكة وتدقيقا في ما يُكتب أو يُذاع، فتجدد الدهماء تمثيل الزعامات، والحال هذه، في السلطة المتحكمة بتوزيع الخدمات الاجتماعية الأساسية في الإدارات الحكومية. ويزيد في رسوخ هذا التمثيل لجوء مفاتيح الزعامات إلى استنهاض عصبياتها يومياً، وإلى الإكثار من المناسبات التعبوية لصغارها وكبارها. وهي مناسبات تغتنمها النخب المتنفِّعة لاستثارة الحساسيات بين الطوائف وتبرير التحالفات المحلية والإقليمية على حساب وحدة الدولة والعدالة في تنمية وتثمير مواردها. إنها ثقافة السوق التي تتعزز يومياً من خلال برامج تبثها مراكز إعلام التدين السياسي من جهة ومن خلال برامج ثقافة السوق التي تبثها مراكز الإعلام النيوليبرالي المؤدية من جهة أخرى، فتؤدي مجتمعة إلى انغلاق الجماعات في خصوصيات موروثاتها الثقافية والى فتح أسواقها لعروض الاستهلاك المادي والثقافي المصدرة إليها المتسببة بعجوزات موازينها التجارية والمالية وبمديونيتها وبتدهور قدرات السلطات الحكومية والأهلية منها على حد سواء. وعلى صعيد آخر، تجهد مراكز الإعلام النيوليبرالي من جهة ثالثة على دعم حركات المعارضة الدينية التي هي ليست أقدر من الأنظمة السابقة في مـصر وتونس وسوريا على تجاوز التبعية إلى أسواق المال وتجاوز الاضطرار للارتباط بدوائر تأهيل القيادات العسكرية العليا في البلدان الغربية أو إلى تجاوز الاضطرار الى الإغداق في منح التسهيلات والإعفاءات لجذب الاستثمارات السياحية في أحسن الأحوال، ومواصلة فتح الأسواق المؤدي إلى المزيد من صعوبات منافسة ما تبقى من صادراتها السلعية. وهكذا تتواصل الجهود الإعلامية، سواء من المراكز الثقافية الدينية ـ الإقليمية أو من المراكز الليبرالية الغربية في أنواع بثهما وتلتقيان، وإن بموارد تعبوية مختلفة، حول أهداف تصب في دعم الحكومات البائدة أو الجديدة، سواء في إعلام ديني ـ تقليدي يرسخ خصوصيات الثقافات والسلطات التقليدية المحافظة أو إعلام ليبرالي تجاري يعزز الانفلاتات الثقافية ـ الاجتماعية ويؤسس لعلاقات وسلوكيات تهدد تلك السلطات المستجدة. وفي ظل هذه الجهود الإعلامية ـ الثقافية المتعارضة في مضامين ما تبثه والمتقاطعة في دعم الحكومات البائدة والمستجدة تبرز أهمية الثقافة كمنظومة من التمثلات السائدة في المجتمع للثوابت والتحولات الحاصلة في بنيته. تمثلات تهيمن في التحكم بترويجها أجهزة الأحزاب الطائفية مجهزة بأكثر الشبكات السمعية والبصرية والشاشات قدرة على نقل وتوصيل أصوات خطاباتها إلى أبعد الآذان. تمثلات تبرز في كل من مكوناتها التي أشار إليها شتراوس، وقد ذكر في طليعتها «اللغة والقواعد التراثية والعلاقات الاقتصادية والفن والعلم والديانة». وتبرز هيمنة النخب الحاكمة، والمتدينة منها خاصة، في ترويج المضامين الملائمة لكل مكون من مكونات الثقافة لضمان استدامة تسلطها وتوريثه. فتعمد بعد تحكمها بالعلاقات الاقتصادية إنتاجاً وتوزيعاً، الى اختزال مكون العلم وحصره بحمل الشهادات الأعلى المؤهلة لتعيين حملتها في قطاعي التعليم العالي والإدارة الحكومية ممن تستغويهم مناصب الوظيفة العامة وقيادة الأحزاب السلطوية، والى اختزال مكون اللغة إلى مجرد التفصح المقيت ببلاغة الولاء لمواقف زعاماتها وحلفائها الخارجيين من على منابر القرى والضواحي. واختزال الديانة في إقامة مواسم التدين والإفراط في مسرحة شعائرها غير المعهودة قبل عقود واختزال الفن، كما هو الحال عند الشيعة، في ترويج ملاحم العزاء على وقع اللطم والندب واستبكاء عيون العوام وحتى الزعماء ممن كانت قلوبهم من صوان.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة