As Safir Logo
المصدر:

لا يعتقد أن للشعر مشاريع والترميز لا يعجبه

حازم العظمة: الشعر أقدم من السياسة بكثير

المؤلف: عساف احمد التاريخ: 2013-02-08 رقم العدد:12401

الشاعر حازم العظمة من الأسماء المهمة على امتداد مساحة الشعر السوري، هو من تلك الأسماء التي استطاعت أن تترك نبرة شعرية خاصة في زمن ازدحم بالشعر والشعراء، قصيدته بخصوصيتها تؤسس لقصيدة شعر سورية تتابع تعب الرواد من حداثيين منتمين لشغف القصيدة ولصليب الشعر، بعيداً عن المشهد الشعري البائس. زمن شعري اختلطت فيه الأوراق وتبعثرت، استطاع حازم بعيداً عن تجارب مجايليه، أن يؤسس لقصيدة مختلفة عن يباب الشعر العادي المكرر والمعاد، تتميز تجربته الشعرية بذاك الهسيس الشعري الخافت حيناً والمتوهج لحد الحريق تارة أخرى، منحى ذكي وموهوب ونام يتدلى من خاصرة القصيدة إلى آخر جوري يزدحم ببنفسج يصعب علينا فك شيفرته ببساطة، اللافت في المنجز الشعري لقصيدة حازم العظمة، لتجربته، تتميز قصيدته بذاك المس الجميل واللافت والمؤثر في الوقت ذاته. هنا حوار مع الشاعر حازم العظمة: ÷ في أولى مجموعاتك الشعرية: «قصائد أندروميدا» أولى قصائد المجموعة تحمل عنوان: «عربة»، آخر مجموعاتك الشعرية الصادرة عن دار الريس، عنوانها «عربة أوّلها آخر الليل»، ما هي حكاية العربات؟ } بعد أن أرسلت مجموعتي هذه الأخيرة لدار النشر، سألني المدقق اللغوي سؤالاً يحمل الفضول نفسه: «هذه العربة التي أولها آخر الليل لا بد أن تكون قد غادرت في الفجر؟ «.. أحياناً يخيل لي أن هذا العالم هو هكذا سفر ذاهل في ليل لا ينتهي، ونحن في العربة لا نغادرها إلا لدقائق في محطات منسية، محطات غير محسوبة ولا نتوقعها .. أو لنقل إننا في حفلٍ ليلي طويل.. يدور في عربة.. ÷ ثلاث مجموعات شعرية: (قصائد أندروميدا)، (طريق قصيرة إلى عَراس) و(عربة أولها آخر الليل) هل قدمت فيها مشروعك الشعري؟ } لا أحسَبُ أنه كان لي مرةً «مشروع» شعري ..., وأنا لا أعتقد ان للشعر مشاريع, كما لا أعتقد أن الشعر يأتي في «مشاريع».. أعرف أن كلمة «مشروع» كثيراً ما تضاف إلى «شعر»، ولا يعجبني ذلك.. حسناً بالنسبة لي على الأقل ما أراه شعراً لا علاقة له بأي مشروع. الشعر يأتي أو يغيب, يصعد أو ينحدر, يستقيم أو ينحني, أو يُجلد أو يُخنق أو يُغرق بطريقة لا تشبه أي مشروع في العالم, وهو كذلك عفوي وطليق وحافٍ وبلا معدات.. ولا إطار له ولا «خطّة»، ما أراه أن ثمة نفوراً بين الشعر و«المشاريع الشعرية». ÷ أقتبس من قصائد هذه المجموعة: «نعيد من المشهد مدينةً كانت هناك / تشبه جبالاً ناعمةً / ومفازات ليليةً نطويها على سواعدنا / نخلّصها من حطام هواءٍ قديم /... البحر لا يصل»... نقرأ في ذات المجموعة: «كلُّ ما كان هناك كان بالصُدفةِ هناكَ / سـوى خيالاتٍ لها هيئة خرائبٍ في الليل / ومدنٍ وراء الخرائب كلما اقتربتَ ابتعدتْ... ثمة خراب، لماذا كل هذا الخراب؟ } الخراب ونقيضه يستمدان من بعضهما, لا أعتقد أني تحدثت عن الخراب بقدر ما تحدثت عن الضوء، عن المتعة، عن النهار... عن كائنات جميلة... الحديث عن الخرائب يكاد يكون نفسه افتقاد نقيضها.. هكذا بطريقة ما هو إشارة إلى المتعة، خصيمتها.. ÷ لكننا نتلمس تلك النبرة التشاؤمية في الكتاب؟ } أحمد أنت أول من يقول هذا الكلام, أو رأي كهذا, إذ على العكس عادةً ما أُفهم على أني متفائل.. لا أجد أن العالم يمكن ان ينقسم إلى متشائم ومتفائل، إلى تفاؤل وتشاؤم.. على أية حال جميل أن أجد انطباعات متناقضة، أحدها انطباعك أنت. ÷ في قصيدتك: (جدارٌ خفيفٌ آخر بحزيران) هل تقصد بحزيران هنا كرمز للنكسات والهزائم وإلا ماذا؟ } (مبتسماً) لا أنا لم أرمِ إلى ذلك, ومع ذلك نحن كأمة اعتدنا النكسات والخيبات والكثير من الهزائم، أنا لم أقصد ذلك أبداً, حين أقول حزيران فأنا أتحدث عن شهر حزيران، الرمزية في الشعر لا تعجبني أعني استخدام الكلمات كإحالات ومفاتيح شعرية, حين أقول تفاحة هي تفاحة، وحين أقول بريد سريع فهو البريد السريع الخ، وذلك رغم اعترافي أن ثمة إحالات في الشعر، وقد يقول أحدٌ إن اللغة من الأساس هي إحالات, لكني دائماً ما ابتعدت عن رموزٍ وجدتها فجّة. مسألة الإحالات في الشعر كانت مملة ليس من الآن، بل منذ نشأَت، انا في هذه القصيدة أشرت إلى الزيزان الخضراء التي كنت أراقبها وأنا طفل، وهي تأكل المشمش الفج... وكنت أعني الزيزان الخضراء فعلاً.. ربما الزيزان الخضراء تحيل إلى حزيران.. بالنسبة لي. جدوى الشعر ÷ ماجدوى الشعر في هذه الأيام؟ } ما أراه أننا حين نتحدث عن الشعر لا نفكر كثيراً في الجدوى.. ورغم أن الشعر قديم قدم اللغة كما أعتقد, إلا أن بحث «الجدوى» في الشعر لم يصل يوماً إلى نتيجة, قد يكون الشعر نقيض الجدوى.. في الجدوى تبحث عن نتائج وخلاصات و«منتجات» و«إنجازات».. وكلها تنفر من الشعر، والشعر ينفر منها. قد يفهم أحدٌ الجدوى على أنها الجدوى في السياسة أو الخطابة أو الإيضاح أو «التوظيف».. وأنا لا اعتقد ان الشعر كان شديد الحساسية للتبدلات والأحداث السياسية, مع انه كان أحياناً يشتبك معها, يخيل لي ان الشعر أقدم من السياسة بكثير، ويمضي أبعد، وسيستمر هكذا، مع ان نفوذه يبدو قليلاً وضئيلاً ويكاد لا يترك وراءه أثراً مرئياً.. يكاد لا يترك علاماتٍ تدل عليه, في ذات الوقت أقدّر كثيراً من يستطيع ان يختصر اللحظة السياسية في مقاطع شعرية, هذه المعادلة صعبة بمعنى ما,.. كثيرون ممن حاولوا أن يكتبوا السياسة شعرا وقعوا في فخ الخطابية والمباشرة والتقريرية، ولم يكن ثمة شعر ضمن هذا الخطاب.. أو أن ما بقي من الشعر كان نادراً.. أفضل أن نتحدث عن تأثير الشعر.. لا عن جدواه. ÷ يقال إن هذا العصر هو عصر الرواية, التي تحولت لديوان العرب, بعد ان كان الشعر ديوان العرب. ما رأيك؟ } هو يبدو فعلاً كذلك من إحصائيات قراء الروايات, إلا أن هذا شأن إحصائي كما أرى, والإحصاءات لا تقول كل شيء, وأحياناً لا تقول شيئاً, لماذا لا يقولون أيضاً إن هذا العصر هو عصر الأغنية وأعني الأغنية الأكثر انتشاراً .. وأحياناً ما تكون الأغنية الأشد ابتذالاً, لماذا لا يقولون إنه عصر المتفجرات.. الـTNTمثلاً.. إن كان ثمة من تحولٍ إلى الرواية فعلي على حساب كتب البحث والدراسات, لا أعتقد أن الشعر يقدم نفسه لأية (منافسة) من هذا النوع.. الشعر غير مرئي.. مع أنه موجود في كل شيء, وليس في القصائد وحدها، ويذهب أبعد.. لاحظ أن أحسن ما نمتدح به رواية ما أن نقول بأنها تكاد تكون شعراً.. يبدو لي أننا نبحث عن الشعر في الرواية أيضاً. ÷ في قصائدك نجد بعض القصائد تحمل أسماء علم, على سبيل المثال: أحمد ـ تواهي سعدي يوسف ـ بريد رشا عمران. وغير ذلك, ماذا يعني ذلك؟ } قصيدة (أحمد) اسم علم عام غير محدد, احمد قد يكون أي أحمد, فيما «تواهي سعدي يوسف», و«عربات بريد رشا عمران» وغيرها, أتحدث فيها عن شعراء وأصدقاء, هناك العديد من أسماء الأماكن أيضاً.. أماكن حقيقية ومتخيلة.. كـ«عَراس» مثلاً.. أحيانا أسماء العلم تفرض نفسها, تعطي الكتابة تلك النبرة الملموسة التي تعيد إقامة صلتها بواقع ملموس يومي حقيقي, وحميمي أيضا, وتبني جسراً آخر إضافياً بين عالم الشعر الذي يكاد يكون هباءً, وبين الواقع المحسوس الذي يمكن أن تتلمسه وتشمّه.. وتلوّنه, إن شئت. ÷ في عالمك الشعري, قصائدك, نجد هناك التجريد, والسريالية, والواقعية .. ما مدى تأثر تجربتك بالفن التشكيلي على هذا. } الكثير, لكنه ليس تأثراً بمعنى أني أستورد عناصر من صنف آخر.. فأنا أجد أنها صنف واحد الفنون كلها.. تستطيع أن تقول هذا عن المسرح أيضاً.. قد لا أجد فرقاً هائلاً في النهاية, أو حتى فرقاً ما, لنقل مثلاً بين الموسيقى والشعر، أو بين النحت والشعر واللوحة.. نحن نعيش هذا التشابك حين نتأثر بالفن عامة.. إذ نقول أن هذا الفلم شاعري.. أو أن اللوحة شعرية.. أو أن هذه اللوحة مليئة بالمسرح.. وغير ذلك. أما بخصوص التجريد فأجد أن اللغة, ناهيك عن الشعر، هي أبعد تجريد في العالم.. في اللغة نحن نحّول الكائنات، وما يحدث لها, إلى أصوات وإشارات مكتوبة.. كلمة «تفاحة» التي نلفظ (صوتها) أو نراها مكتوبة هكذا: (تفاحة) لا علاقة لها بالجسم الذي تشير إليه سوى العلاقة التي نحن أنشأناها, هكذا الشعر يعيد تشكيل تلك العلاقة السحرية بين اللغة والكائنات.. وهو يلغي علاقاتها المكرّسة القديمة وينشئ بينها علاقات جديدة. الطبيب والشاعر ÷ يقول د. يوسف إدريس «إن كل الكمية المعطاة من الحرية في العالم العربي لا تكفي كاتباً واحداً». ما رأيك؟ } صحيح.. حتى الآن...,. ÷ ما رأيك بما يسمى بالربيع العربي؟ } هو فعلاً ربيع عربي.. وكردي وأمازيغي ونوبي وشركسي وأرمني وسرياني وآشوري..., وغير ذلك.. الثورة في أفق هذا الشرق كله.. وثمة أمطارٌ وسخة وأمطار موحلة.. لكنه قادم. ÷ صفحتك على (الفايسبوك) تقدم فيها مقاطع شعرية تنال الإعجاب, ماذا يعني لك هذا؟ } هذا يعني لي أن الشعر يصل.. وهذا يسعدني.. دائماً ما وجدته مضحكاً الادّعاء: أنا لا أكتب لأحد.. أو: أنا أكتب لنفسي.. أو للعدم. ÷ بعيداً عن مجموعتك الأولى «قصائد أندروميدا» التي ضمّت قصائد غزل جليّة, تتخذ المرأة في قصائدك فضاءً غير ملموس, أو لنقل إنها تبدو غامضة, ما السر هنا أو ما هو الرمز؟ } ليس تماماً. وما الذي تقوله إذن عن عنوان كهذا: «تافهون كل قليلٍ يقعون عليكِ من الصيف». أو: «كؤوس متباعدة في حاناتٍ يضيئها برق خفيف».. لا أجد المرأة «غرضاً» من أغراض الشعر أو «موضوعاً».. أو لنقل الشيء نفسه عن»الرجل» بالنسبة لشاعرة.. لا بد أن نعيد النظر في تصنيف كهذا: قصيدة غزلية وغيرها ليست غزلية.. أو قصيدة وجدانية.. وغير ذلك.. يبدو لي كل شيء متشابكاً بطريقةٍ لا فكاك منها. ÷ ما هو جديد حازم العظمة؟ } نعم.. مخطوط كتابي الجديد «أسواق الموسلين».. وفيه أن امرأة في المسرح تغادر من باب الكواليس من منتصف مسرحية تجري حوالي منتصف الليل بعد عشر سنين من الآن.. فتجد نفسها في هذا الزمن.. لنقل اليوم أو البارحة.. مرعوبةً في ظهيرة شارع مزدحم بعابرين لا يكترثون لشيء. (دمشق)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة