لم يكن زائراً عادياً، ولم يكن مسقبلوه امام واجب بروتوكولي وحسب. هو الموعد الذي انتظره »السيد« حوالى ربع قرن ليعود الى مهد طفولته وشبابه وثقافته، فيجد الاماكن والوجوه قد تغيرت لكن المحبة والاصالة ما تبدلت ابداً... في عيناتا وبنت جبيل وكل قرية وبلدة ودسكرة جنوبية مر فيها موكبه. عند حافة الحرب الاهلية كان السيد محمد حسين فضل الله، ولعشر سنوات خلت، داعية للاسلام الحركي، من حزام البؤس الشيعي في النبعة وبرج حمود، ووجد نفسه في العام 1976 مهجراً مع الآلاف ممن نزحوا نحو غرب العاصمة او الجنوب او البقاع... في مسجد الامام الرضا في بئر العبد كان يؤسس لحقبة جديدة تخرّج من مدرستها اولئك الشبان الذي انتفضوا على جيش امين الجميل واحرقوا العلم الاسرائيلي احتجاجاً على 17 أيار. وتحول بعد ولادة »حزب الله« الرسمية في العام 1983 الى »مرشد روحي« له حسب التعبير الذي اسرف الاعلام الغربي في استخدامه حتى الامس القريب، وصار رأسه مطلوباً كأحد رموز »الارهاب العالمي«، ولعل ذلك ما يفسر محاولات الاغتيال التي تعرض لها على مدى عشرين سنة والتي أُعلن عن ثلاث منها فقط. بالامس، عاد السيد محمد حسين فضل الله، الى مسقط رأسه عيناتا والى بنت جبيل التي ذهبت الى النجف لتنادي بوالده الجليل السيد عبد الرؤوف فضل الله إماما ومجتهداً وتزوِّجه السيدة رؤوفة بزي ابنة الحاج حسن بزي وشقيقة النائب والوزير الراحل على بزي. ها هو »السيد« في بنت جبيل ابناً باراً للبلدة التي احتضنت والده كما احتضنته واخوته في دروب تنقلهم بين النجف وجبل عامل. ها هو »السيد« في عيناتا امام مقام ومنزل جده السيد نجيب فضل الله والحسينية التي اشرف على بنائها حجراً حجراً. انه المعنى المختلف للزائر... انه الآتي الى اهله حاملا فوق رأسه هالة الدائرة الكبرى من الاسلام الحركي الذي طالما انتمى اليه... هذا هو خطابه المترفع عن الدوائر الصغرى الضيقة يلقيه امام اسرته الكبيرة تحيط به ثلة من العلماء والناس الطيبين. وها هو »حزب الله«، برغم الجفاء الملتبس بينه وبين »السيد« في السنوات الاخيرة على خلفية الاختلاف حول مسألة المرجعية، يقوم بواجب التحية ل»المقاوم الاول« بمواقفه وفتاويه يوم كان العالم كله يقف ضد منطق الممانعة في لبنان، حيث شارك وفد قيادي كبير منه، برئاسة عضو »شورى القرار« السيد هاشم صفي الدين باستقبال »السيد« ومرافقته خاصة في محطته البنت جبيلية. لقد شاء »السيد« ان تكون زيارته عائلية وحميمة وصادقة، فغاب عنها الفولكلور وحضر خطابه المحبب، قال للناس: هناك في عمق كل واحد منا عمق متخلف، ودعاهم الى تحطيمه والانطلاق في حركيتهم في خط الجمال وصنع الجمال في الانسان قائلا لهم: »إن وطننا جميل فتعالوا نُزده جمالا ونغرسه محبة«.. قال »الآخ« وكأن كل واحد من اهله كان يرددها معه عندما صارحهم: الكل ينتظر في بلدنا كلمة سر... آخ ما اكثر ما قتلت كلمة السر مستقبلنا. عاد النجفي العاملي الى عيناتا وبنت جبيل وسبقته صوره الى هناك في مشهد لم يألفه جمهوره من قبل... عاد المجتهد العنيد صاحب الفتاوى المثيرة للجدل، الى القرى الامامية، فاذا بها تكبر بحضوره... عاد المساجل والمشاكس الحاد فاذا بكلمات يحفظها الناس عن ظهر قلب في القرى التي اشتاقت اليه منذ ربع قرن. جبشيت المحطة الاولى في زيارة السيد محمد حسين فضل الله الجنوبية كانت صباح امس في بلدة جبشيت في قضاء النبطية (»السفير«) ولم تدم اكثر من ثلاثين دقيقة حيث أُعد له استقبال حاشد نحرت خلاله الخراف ونثرت النسوة الارز والورود على موكبه، وكان في استقباله حشد من العلماء يتقدمهم مسؤول »حزب الله« في الجنوب الشيخ نبيل قاووق. وقد تلا فضل الله الفاتحة على روح الشيخ راغب حرب بحضور اهالي البلدة وشقيق الشيخ راغب حرب الشيخ اسماعيل ووالدته التي عبرت بكلمات الصدق والمودة عن عمق مشاعر الجميع تجاه السيد فضل الله. ورد فضل الله بكلمة أكد فيها على ان الشهيد الشيخ راغب حرب كان المقاوم الاول لانطلاقة المقاومة وعنوانها ورمزها، مشيدا بأبناء جبشيت وشهدائها، وقال: لم تسقط راية الجهاد ولن يسقط الموقف، ولكن الظروف قد تبدل الاساليب إلا أن الاستراتيجية تبقى، وأنتم جميعا حركة الاستراتيجية في سبيل الله وفي سبيل الاسلام. بنت جبيل المحطة الثانية في زيارة فضل الله كانت بنت جبيل التي غصت شوارعها وطرقاتها وباحاتها المؤدية الى الثانوية بالآلاف من حشود القادمين، وكان في مقدمة الحضور السيد هاشم صفي الدين مسؤول شورى التنفيذ في »حزب الله«، مسؤول الجنوب في »حزب الله« الشيخ نبيل قاووق، النواب: نزيه منصور، محمد فنيش وحسن علويه، وفد من حركة »امل«، وفد من مدينة جزين، والخوري انطونيوس الحاج خوري رميش على رأس وفد كبير من وجهائها. وقد نحرت الخراف خلال الاستقبال فيما كانت النسوة ينثرن الارز والورود والزغاريد. بعد قصيدة للحاج محمد رمال وثانية للسيد حسين هاشم وكلمة ترحيب للشيخ حسين سرور وكلمة تحية من الشيخ نبيل قاووق باسم »حزب الله«، تحدث السيد فضل الله عن دم الشهادة الذي اعطى قيمة للحرية المستعادة، وقال: ان قيمة الشهداء ان الارض لم تعد عشبا ولا ترابا بل اصبحت إنسانا، وليست كل الدماء تصنع التاريخ ولكنه دمنا هنا يصنع التاريخ. واكد ان الامة لا تختصر بأشخاص »ومشكلتنا في هذا العالم العربي انه عاش الشخص، ولم يعش المؤسسة«. وأشار الى ان للاشخاص عظمتهم عندما يقودون »لكن الامة اعظم عندما تتحرك في الساحة وتتشابك العقول والايدي والقلوب والاصوات مع بعضها البعض«. وتناول الانتصار الذي حققته المقاومة وقال: »اعتقد ان هذا الانتصار يمثل قضية قرن في قضية امة. نحن عشنا في القرن الماضي نتابع الهزيمة تلو الهزيمة، حتى عندما ننتصر كنا نخاف من النصر، واحيانا نحول النصر الى هزيمة. ان يعتبر الشخص او نظام اننا لا نستطيع ان نواجه امريكا فذلك هو الهزيمة«، اضاف: »لقد كانت الكلمات في كل إعلامنا ان اسرائيل هزمت العالم العربي، فهل يستطيع هؤلاء الشباب ان يهزموها. وكان الذين يريدون السياسة في لبنان ان تتحرك بعيدا عن محيطها العربي والاسلامي ويريدون لهذه السياسة ان تتحرك في باريس وواشنطن، كانوا يريدون لفرنسا واميركا ان تتدخلا في كل شيء. أما ان يتدخل اي بلد عربي او إسلامي فإنهم يقولون ان هذا ضد الاستقلال«. وتابع: »الاستقلال هو الذي صُنع في هذه الأيام من خلال المقاومة، الحرية لا تصدر بمرسوم، انها تنطلق من الداخل.. وانت في كل الضغوط وداخل السجن ان تملك ان تقول نعم فهذه هي الحرية«، وقال: »لقد انتهت مرحلة، ونحن لا نتحدث استعراضيا عندما نقول: »ان اسرائيل هزمت«، اسرائيل تقول ذلك، لقد حول المجاهدون الاحتلال الى »طاعون« للمحتل، ليست المسألة هي عنترياتنا العربية ولكن واقع المقاومة فرض نفسه على كل الواقع السياسي في المنطقة، والمسألة الآن كيف نحافظ على هذا النصر، وكيف نقف امام الذين يريدون ان يحولوا النصر الى هزيمة من خلال الاستغراق في كل التفاصيل«. وانتقد بعض الافتتاحيات الصحافية والابواق السياسية المطالبة بنزع سلاح المقاومة، وقال: علينا ان نصبر صبر الاحرار فالقضية لم تنته وإسرائيل ما زالت تحتل جزءا من أرضنا وتعتقل بعض أسرانا ولا تزال تخطط مع اميركا والامم المتحدة للعبث بنصرنا او للبحث عن جائزة ما لاسرائيل«. وقال: »ليس للمسلمين في لبنان الا المسيحيون، وليس للمسيحيين في لبنان إلا المسلمون، فلا تتحدثوا عن تاريخ الامتيازات في لبنان، ان العالم تغير فابحثوا عن دوركم في رحم هذه المتغيرات. هناك لبنان علينا ان ننتجه من جديد، لقد تحررت الارض وعلينا ان ندخل في معركة تحرير الانسان من الحق والتخلف والطائفية«. واضاف: »قالوا عن لبنان ان مشكلته هي الدين لكن قلت وأقول ان مشكلته هي عدم الدين لأن الدين قيمة والطائفية هي عشائرية متخلفة لا تملك حتى قيم العشائرية، هناك مسحة حضارية تخدعنا ولكن هناك عمقا متخلفا يعيش في أعماقنا.. تعالوا عقلا بعقل وقلبا بقلب، تعالوا فالبلد جميل لنغرسه بالمحبة، وان تكون حركتنا في خط الجمال وصنع الجمال في الانسان«. وقال: »لم تعد الحزبية في اكثر مظاهرها برنامجا وخطا ولكنها اصبحت عصبية، ان تكون من حزب ذلك يعني ان يرفض الحزب الآخر. نحن قوم ننتج الحقد في عصبياتنا، نحن متعبون اقتصاديا واجتماعيا، لماذا لا نفكر بالراحة من خلال المحبة. مشكلتنا في هذا اللبنان ونحن نريد ان ننفتح على مستقبل فكر فيه الشهداء واعطوه كلَّهم فهل نعطيه بعضنا، لذلك كونوا جادين وانطلقوا من خلال ما تؤكدون في عقولكم لا من خلال ما تسمعونه من آذانكم، لأن الله سيحاسبكم على كل كلمة أيدتم فيها ظالما وتجسستم فيها على الابرياء«. وأشار الى أن المرحلة صعبة »تحاول فيها إسرائيل التخطيط لمصادرة القضية الفلسطينية، وتعمل أميركا لمحاصرة الواقع السوري. إنهم يطلقون الكلمات: لا بد من نزع سلاح المقاومة، وقد قلت ان المقاومة هي الجيش اللبناني الاحتياطي، ولا بد من التنسيق بين الجيش اللبناني الرسمي وبين الجيش الشعبي أي جيش المقاومة«. وسأل العلامة فضل الله: »من يُخرج إسرائيل إذا دخلت مجددا، وما هو الأساس للوثوق بإسرائيل؟ نحن لا نزال في حالة حرب مع إسرائيل. فكيف يطلب ممن يقود عملية التحرير والمقاومة أن ينزع سلاحه؟ إن سلاح المقاومة لم يكن يوما للداخل، لذلك ليكن الصوت واحدا مع استمرار التحرير وإنتاج الحياة السياسية الحقيقية، حتى ننتج الارادة والقرار. علينا أن نفكر في أن لا نستعير قراراتنا حتى من أصدقائنا، بل ان نقول لهم أقنعونا برأيكم نصر معكم. أما ان نستظهر المواقف، فهذا ما يضرنا ويضر أصدقاءنا، فقد بلغنا سن الرشد، ومشكلة الكثيرين في انهم يخافون ان يضبطوا أنفسهم وقد بلغوا سن الرشد لأنهم أدمنوا على الخضوع«. وقال: »إني أتكلم وأنا منكم ومن عمق دماء قلبي لأني أعاني ما تعانون. إن هذا الوطن دُمِّر جسديا وأخشى أن يُدمَّر إنسانيا. لقد أُبعددت المنطقة المحتلة عن كل ميزانية الدولة لعشرات السنين وأخذها كثيرون بعنوان الهدر وغيره. إننا نطلب من الدولة ان تكون في حالة طوارئ لمواجهة حالة الصفر التي يعيشها أهلنا هنا من الناحية الاقتصادية والاجتماعية. نحن لا نريد أن نسترخي أمام الوعود، ولا نريد أن نثقل الدولة. إذا كانت الدولة تتحدث عن الفساد، فنحن نسأل: لماذا لا توجَّه الأصابع الى الكبار؟ إننا نقول للدولة إذا كنتم تريدون إعمار الجنوب، فأرجعوا كل الأموال التي سرقها الكبار، وعندها لن تحتاجوا الى الصندوق الدولي، والى الدول المانحة، والى المساعدات العربية، التي تبقى وعودا عرقوبية. هل تريدون وطنا حرا؟ كونوا أحرارا في دنياكم، يكن وطنكم حرا«. وبعد انتهاء الاستقبال في ثانوية بنت جبيل توجه السيد فضل الله الى الجامع الكبير في بنت جبيل القديمة حيث أقيم له استقبال حاشد وأمّ المصلين في صلاة الظهر هناك وزار المقام المجاور حيث دُفن جده الحاج حسن بزي وجدته رؤوفة وخاله علي بزي، ثم لبى دعوة أحد أبناء بنت جبيل لتناول الغداء والقيلولة. عيناتا وقرابة الرابعة بعد الظهر وصل موكب السيد محمد حسين فضل الله الى مسقط رأسه عيناتا حيث أقيم له استقبال محلي عفوي حاشد نثرت خلاله النسوة الأرز والزهور على موكبه ونُحرت الخراف ورافقته مسيرة في الشارع المؤدي الى منزل جده السيد نجيب فضل الله، حيث دخله للحظات والتقى بعض أقاربه قبل ان يتوجه سيرا الى الأقدام الى حسينية البلدة ومركزها الإسلامي لملاقاة المحتشدين من الأهالي حيث ألقى فيهم كلمة ركز فيها على ان صمودهم في أرضهم هو الذي ساهم في تحريرها الى جانب ما صنعه المقاومون من بطولات، وشدد على الوحدة والعمل معا لصناعة مستقبل أفضل. وكان السيد فضل الله قد عرّج في طريقه من بنت جبيل الى عيناتا على المدفن الذي دُفن فيه جده السيد نجيب فضل الله وعمه السيد عبد اللطيف فضل الله وزوجته. ومن عيناتا، توجه موكب السيد فضل الله الى كونين في طريقه الى قانا، وكانت له محطات وداع في كل القرى التي عبر منها موكبه كما حصل في استقباله. ووصل مساء الى قانا (»السفير«) المحطة الأخيرة حيث كان في استقباله أعضاء المجلس البلدي ومخاتير قانا وعوائل الشهداء الذين استقبلوه برش الورد والأرز وذبح الخراف. واثر وصوله قام فضل الله بوضع إكليل من الزهر على أضرحة شهداء المجزرة، ثم تلا الفاتحة عن أرواح الضحايا. وانتقل بعدها الى مكان وقوع المجزرة داخل المقر الدولي واطلع على الصور الحية التي تجسد المجزرة. وتحدث فضل الله الى الأهالي فشكرهم على حفاوة الاستقبال وأكد »ان قانا هي المهد والمنطلق وستبقى في البال والوجدان الى الأبد«.