As Safir Logo
المصدر:

## هكـذا تلقّـى أطفـال الأمـس تربيتهـم الجنسيـة

رسم فرات شهال الركابي
المؤلف: الموسى انور التاريخ: 2013-01-30 رقم العدد:12393

اغتصبت طفلة، واتهمت بالجنون شابة! إنها رلى التي لم تكن تتجاوز السادسة من عمرها حين تعرضت للاغتصاب. الجاني معلوم لديها: هو والدها بالتواطؤ مع أمها. قصة مؤئرة ومثيرة للعجب والدهشة، لكنها حدثت وتحدث مثيلاتها... «في أرقى العائلات». تقول رلى: «لم أكن لأدرك ما «يصنعه» أبي بي وبأخَوَيَّ. كنت أعتقد أن تصرفاته عادية. استعلمت لاحقا من أمي، فلم تصـغ لي، خوفا من قسوة أبي، ثم قالت: شيء عادي، إنه والدك! استمر «الوحش» في تحرشه. وفي سن التاسعة، بعد عملية اغتصاب مماثلة ومؤذية، استفسرت من فتاة تكبرني سناً، فأخبرتني أن تلك العـلاقة لا تمارس مع الأب. شكـوت لأمي التي كانت تترك المنزل، ولجأت لاحقاً إلى أخوالي وبعض أقربائي فلم يتدخلوا. وهـا أنا في سن الخامـسة والعـشرين، وقد لجأت لجمـعية حقوقية تقاوم العـنف، وتركت المنزل، وعادت لي الثقـة بنفسي... بيد أن أبي لا يزال يلاحقني، وهو مدعوم سياسيا، ويشوّه سمعتي، ويتهمني بالجنون!». تتابع باكية: «المجتمع لا يرحم؛ إذ أتعرض لاهانات جمة، وتحرّش الشبان والرجال بذريعة أني مغتصبة. بصراحة، لم تكن لدي تربية جنسية سليمة تجعلني أحمي نفسي وأنا طفلة، وحبذا لو تلقيت تلك التربية في سن مبكرة...». رلى، التي عرضت قصــتها مؤخرا على إحدى المحـطات الفـضائية، تتمنى لو أنها تلقت تلك التربية في الخامسة: «كنت ميّزت اللمـسة الأبوية من الأخرى الحيوانيـة والشهـوانية...». هنا تطـرح الأسـئلة الآتية: هل يؤيد الشباب الجـامعيون والاختصاصيـون ما طالبت به رلى؟ وهل تلقّى هــؤلاء في طفولتهـم تربيـة جنسـية سليمة؟ ومـا مــصادرها؟ ولِـمَ لا تدخل المدارس التربية الجنسية في مناهجـها؟ وما دور الأهل في هذا السياق؟ هذه الأسئلة تكشف عن مواقف متناقضة، فمن متحفظ على الموضوع «كوننا لا نريد فتح عيون أطفالنا على الإباحية والجنس...»، إلى متحرر يؤيد قضية التربية الجنسية في سن مبكرة، وإلى ثالث يدعو إلى إدخال تلك التربية في المدارس والجامعات... ضمن ضوابط! الشباب والتربية الجنسية تنوعت آراء الشباب الجامعيين حول المسألة. رامي سعد (20 عاما) ينفي أن يكون قد اطلع على تربية جنسية سليمة في الطفولة: «كنا صغارا نجتمع، ويدلي كل منا بدلوه في الجنس، ونتعلم معلومات خاطئة حول الزواج والعلاقة الجنسية والحب والإنجاب...». ويؤكد أن لذلك آثارا سلبية على الشاب ومفاهيمه حول الجنس والمرأة لاحقا. ولعل آراء رامي، تتوافق مع ما تبوح به علا غزال (22 عاما): «الجنس عند أهلنا من الأمور التي يرفض الحديث عنها في سن مبكرة، ومنا من كان يخجل من توجيه الأسئلة الجنسية للأهل...». بدوره، سليم شريم (19 عاما)، يسرد بعض مواقف الأهل مع أبنائهم لدى توجيه أسئلة محرجة لهم: «يقولون لنا لدى الاستفسار عن الجنس: عيب وحرام، ولا تزال صغيرا على هذه الأمور... أو نعاقب». في رأيه، الكبت الجنسي في مجتمعنا يصل إلى نسبة قياسية، و«لا أغالي إذا قلت: سبب نفاقنا يبدأ من هنا...» داليا أيوب (21 عاما) بدورها، تشير إلى نظريات نفسية لافتة. تقول: «يغلف الطفل بقناع زائف منذ صغره؛ فهو بسبب سوء تربيته الجنسية، قد يظهر عكس ما يبطن، فتكبت الغرائز عنده بشكل غير سليم». وتضيف متسائلة: «لم لا يشبع الأهل نهم الطفل للمعرفة منذ الطفولة؟ وما العيب في ذلك؟». وفي نـظر جـورج الـياس (ثالـثة علم نفس)، الهواجـس الجـنسية لا يمكن تعميمها عند كل الأطفال، ولا سيما ذوي الجو الأسـري الـهادئ والحميـم. وبالـتالي، لا داع لفتح أنظـار الطفل على الرذيـلة: «أنا شخـصـيا، لم يكـن لدي وقـت كاف للخوض بهذه الأمـور؛ نظرا إلى انشغالي وأنا طفل، بالدرس والرياضة والرحلات والمطالعة...». ويوافقه الــرأي الـشاب الثلاثيـني سامر عبد الـله (دراسات إسلاميـة): «هـذه ثقافة مستوردة من الغرب... جنس يقدم للطفل؟ هذا هراء، انظر ماذا حدث في الغرب؛ انتشرت المساكنة واللواط والشذوذ الجنسي نتيجة تلك التربية...». ولا يخفي نجيب عيسى (ثانية تاريخ) امتعاضه من كلام زميله، فيرى أن التربية لم تعد تقتصر على الأهل والمدرسة؛ لأن الغزو الثقافي طال حتى برامج الأطفال وألعابهم، فضلا عن المسلسلات المدبلجة والأفلام عامة؛ «ألم تشاهد كيف يتحلق الكبير والصغير لمشاهدة قبلة أو لقطات إباحية؟ ولذا، كيف يمكننا إخفاء القضايا الجنسية عن الطفل؟». إلى ذلك، لزهرة علوان (35 عاما) تجارب واقـعية حول الموضوع، وهي تبدي حيرتها في التعاطي مع أولادها، خـصوصا أسئلتهـم المحرجـة المتعلقة بالجنس: «يسألني أحدهم: من أين ولدنا؟ ويســأل آخر: لِمَ لا تمـتلك أخـتي قضيـبا؟ ولِمَ نغلـق (والده وأنا) باب الغرفـة في أثناء الليل؟». وتسرد: «ابنـي في الثامنـة، ضبطـته مرة يشـاهد فـيلما إباحيا عـبر الإنـترنت، فعاقـبه والـده عقـابا شديدا، ومنع عنه الإنـترنت». وتـروي قصة ابن جارتها الذي ضبطت في هاتفه لقطات مغلوطة عن الممارسة الجنسية، وراح يجمـع حوله أترابـه ليشاهدوهـا، ويوزعونـها على بعضهم عبر «البلوتوث». وتسرد أيضا حكـاية طفلة كـانت تشتري لدى مغادرتها المدرسة بألف ليرة؛ فيعطيها «الدكنجي» سكاكر وألعابا إضافية! من جهتهم، يروي بعض الشبان قصصا وهمية أو واقعية لزملاء لهم تعرضوا للتحرش، بسبب ضآلة التربية الجنسية؛ منها مواقف في أماكن نائية، أو في غرف مغلقة وحتى في المدارس. يقول باسم الأشقر (ثانية حقوق): «الكبت الجنسي الذي يعيشه العربي مدعاة للسخرية، فكل ممنوع مرغوب». ويشرح هازئا: «من أسباب الثورات العربية الكبت الجنسي منذ الطفولة». آراء الاختصاصيين ريما جشي (اختصاصية علم نفس مدرسي وعيادي) تؤيد بشدة مسألة التربية الجنسية في المنزل والمدرسة: «لأن الزمن تجاوزنا، والتكنولوجيا اقتحمت حياة الطفل في المهد». ولذلك، ترى «أن «تقديم مادة سليمة مقننة، تحت إشراف المدرسين والأهل ورقابتهم، خير من تلقيها بطرق ملتوية...»، لافتة إلا أن على المربين والأهل مراعاة المرحلة العمرية لدى الإجابة عن تساؤلات الطفل، ولا يجوز بالتالي تقديم معلومات مغلوطة أو خرافية، لأن حب الاستطلاع واكتشاف الآخر والنهم المعرفي... أمور تبدأ مبكرة عند الإنسان، وهي قضايا مهمة لتعزيز الثقة بالنفس، ومعرفة المحيط، وتطور الشخصية، ونمو الذكاء...». بدورها، ترفض رحاب الشريف (تربية، ورياض أطفال) تلقين الطفل تربية جنسية في سن مبكرة: «دعوا الطفولة تنمو مع الطفل، وعلى الطفل أن لا يلقن واجبات الكبار...». وتشدد على التربية الجنسية غير المباشرة، ولا سيما من خلال أدب الأطفال كالقصص والأناشيد والأغاني، مع مراعاة خصوصية الطفل في مجال العمر واللغة والخيال والعاطفة ومستوى الذكاء، «لأن الطفل يميل إلى التقليد في مرحلة ما، ويتماهى مع الأهل وبدائلهم من خلال الأبطال وشخصيات القصة ذات المغزى الهادف». وتؤكد على «أهمية تفهم الطفل والمراهق بعيدا من التسلط والنبذ والعنف، وفتح قلب الأم وأذنها لابنها من أجل تفهم هواجسه، والإجابة عن تساؤلاته بمنطق، بعيدا من التكتم والرياء». ويشـدد المـشرف التربوي وائل العلي على أن التربية الجنسية قضية باتت شائكة في هذا الزمن المفعم بالتنـاقضات؛ فالموضوع، في نظره، «يتطلب وعيا من الأهل والمجتمع، وتنظيم دورات الـتربية الجنسية للكبار قبل الصغار؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه. ومن الضروري أن يتحلى الأهل باتزان نفسي، وتوافق أسري، وتربيـة جنسـية ملائمة، ليقـدموا نماذج إيجابية في التربية الجنـسية لأطفالـهم، ومن المفـيد أيـضا توظـيف المناهج التربوية في التربية الجنسية على مستويات ـجمة... ولا سيما التربية الدينية والمدنية وبعيـدا من الخـوض في إثـارة الغرائز أو التعصب». من ناحيته، لا ينكر محمود العقيل (اختصاصي علم اجتماع) أن للتربية الجنسية مصادر جمة، كالأصدقاء، وأتراب المدرسة، ووسائط حديثة كالتكنولوجيا والخلوي، والإعلام والإعلانات، مشددا على أهمية توظيف وسائل الإعلام في هذا السياق، «عبر أفلام وبرامج هادفة، وضبط الإعلانات التجارية الرخيصة التي تحول جسد المرأة إلى سلعة، وتروج للممنوعات والإباحية». ويرى أن الطفل أو المراهق، قد يجد صعوبة في اللجـوء إلى الأهل لتـوضـيح بعض الأمور الجنسية؛ لأنه ينبذ السلطة، وبالتالي، قد يلجأ المراهق إلى عصبة أو أصدقاء؛ لأنه يرى فيهم حضنا دافئا. وكذلك، لا يتقبل فكرة اللجوء إلى المدرِّس، لأنه يجد فيه بديل الأب، فينبذ التلقين المباشر: افعل كذا، لا تتحرك، ممنوع... ولذا، من الضروري اللجوء إلى التعزيز الإيجابي، والإطراء... مع تقديم النصائح والتربية الجنسية بقوالب محببة للطفل. ويولي بعض المعنيين التربية الجنـسية للـطفل والمراهق عناية فائقة تطــال تأثيراتـها مرحلـة الرـشد. يقول الدكـتور حمدان حمـاد: «إن تأثــير هذه المسألة قد يشمل الشاب عند الزواج، ولا سيـما من خـلال عـلاقته بالجنس الآخر؛ فالتربية الجنسية الخاطئة، قد توقعه في حرج مع الزوجة، وقد يخفق في العلاقة الجنسية والإنجاب... والشواهد عديدة عند رجال تورطوا في علاقات أضرت زوجاتهم جسديا ومعنويا...». قضية التربية الجنسية للأطفال مسألة شائكة، وسواء لاقت المسألة قبولا اجتماعيا أم لم تفعل، فإن الطفل وحتى المراهق والشاب، لا يسلمون من تأثيراتها، فإما أن يقعوا في هوّة الخرافات، أو يترعرعوا على الصراحة والموضوعية. أنور الموسى

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة