As Safir Logo
المصدر:

الـفـســاد المـلـكــي

المؤلف: شبيلات ليث التاريخ: 2013-01-24 رقم العدد:12389

إلى الدكتور عبد الله النسور رئيس الوزراء. السلام عليكم وبعد أرسل لك هذه الرسالة مفتوحة، لأن أكثر من 50 في المئة من الشعب الأردني لم يَصحَ على انتفاضة 1989، ولم يحضر الانتخابات التي سرقت تلك الانتفاضة وبدأت بإعادة إنتاج الظلم والفساد. أما الباقون فذاكرتهم ضعيفة. كان المرشحون، يومها، من نجح منهم ومن لم ينجح، يتقربون إلى الناس الذين يسألونهم لماذا رشحتم أنفسكم بقولهم: «ألا تريدون مثل الكوفحي وشبيلات والنوايسة والعكايلة في البرلمان؟» لتمر الأيام فأبقى أحد المتهمين بالفردية لأنني من الذين لم يغيروا ولم يتغيروا، بينما تغيرتم وتلونتم كلكم تقريباً. فبينما بقيت ثابتاً تهدى إلي السجون والاتهامات، أهديت لكم الوزارات والمناصب، وتصدرتم المحافل السياسية متناسين شعاراتكم. وفي الوقت الذي كانت حملتي مؤدبة ملتزمة ترفض أن يذكر فيها أي اسم لفاسد، لعدم جواز الخوض في الاعراض من دون دليل، كنتم تتبارون في شتم زيد وعبد الهادي وعبد الرؤوف وغيرهم بالاسم. واشتهرت أنت بخطابك الناري في السلط: «احملوني إلى عمان! وسوف أحاسب اللص ابن اللص (وذكرته بالاسم).» ونجح انقلاب الانتخابات في بدء مسيرة الارتداد، إذ خالفتموني كلكم تقريباً بتجاهل تحذيري لكم: «إياكم والاشتراك في الحكومات، قبل أن نجتث، كنواب، الفساد ونعيد هيكلة التشويهات التي حصلت على النظام؟» لم يطعني أحد بل سخرتم عندما ناديت بالتفصيل الممل عام 89 بإصلاح المواد الدستـورية التي تم الاعـتداء عليها والتي سلبت الشعب صلاحياته الأساسـية فأصبح النص الدستوري الأساسي «الأمة مصدر السلطات»، وان الركن النيابي مقدم على الركن الملكي في المادة الأولى، مجرد لغو وبقي الاعتداء على النيابة من قبل الركن الثاني حلالا زلالا، وبقي مجرد ذكر الركن الثاني بالنقد الصحيح خيانة تستدعي العقوبة القصوى. فقفزتم إلى الوزارات كما تسابق «الإخوان المسلمون» والقوميون في التنافس على قطعة عظم في الوزارات، فقضيتم جميعاً على ما قام الشعب منتفضاً من أجله. ولم تمض سنوات قليـلة إلا وانقلبت الرموز التي كان الشعب يتهمها بالفساد مطالباً بمحاسبتها والتي شللتم عرضها شتماً من شخصيات ترتعد فرائصها من إمكانية الملاحقة، إلى أعلى مراكز التمثيل الشعبي، ودخـل من صـدق في محاربـة الفـساد وترأس أعلى هيئة تحقيق في تاريخ المملكة السجن محكوماً بالإعدام المخفف إلى عشـرين سنـة، ثـم إلى عفو عام تم بموجبه تحصين كل الفاسدين من الملاحقة (حيث أن العفو العام يجب الجريمة.) لم يحتج الأمر إلا إلى أقل من 3 سنوات ليتم الانقلاب حيث ارتعدت فرائص من تحدثه نفسه بعد ذلك بمحاربة أصل الفساد خوفاً، بعد أن حكم على رئيس لجنة التحقيق النيابية بالإعدام. وبعد العام 1993 ظهرت «الحقيقة» بقدرة قادر، إذ تبين أن الذين تبوأوا أعلى مناصب تمثيل الشعب، هم أنفسهم الرموز التي كان ينادى بمحاسبتها، فأصبح أحدهم الرئيس غير المنازع لمجلس النواب، وأصبح الآخر الرئيس المؤبد لمجلس الأمة، حتى تنازل طوعاً، ليسلم وريثه رئاسة الوزراء. وأصبح الثابت على مبدئه «ناكراً للجميل» و«عدواً للوطن» «ونرجسياً» يغرد خارج السرب داخلاً من سجن إلى آخر، بمهازل محاكمات الواحدة تلو الأخرى. إنك تذكر جيداً أن الجميع معارضة وموالاة، كانوا ضد قانون الصوت الواحد الذي كان يهيأ له، فحتى أعضاء مجلس الأعيان في لقاءاتهم المتلفزة مع الملك الراحل، كانـوا في غالبيتـهم يحـذرون المـلك من أن هـكذا قـانون سيفتت البلد ويقلبها إلى صراعات أحياء وعشائر ويأتي بمن لا ينجح حتى كمختار لعشيرته إلى مجلس تدار فيه شؤون الوطن الأمة. كان معـظمنا يجتمـع إما في جبـهة العمـل الإسـلامي أو في مكـتبي من أجل رفض القانون، وأذكر منهم عبد الرؤوف الروابدة وطاهر المصري وسليمان عرار رحمه الله وفارس النابلسي وعشرات آخرين في شبه إجماع على رفض القانون. حتى إذا أعلن الملك حسين حل البرلمان، وفي الفقرة نفسها ذكر أنه بسبب غياب البرلمان (الذي اغتاله هو) سيصدر قانون الصوت الواحد وأنه سيغضب ممن لا يشارك في الانتخابات. كنت ليلتها مع حمزة منصور والمناضل ناجي علوش في إربد نحاضر ضد قانون الصوت الواحد، فقلت لمن كان بجانبي: «هذا خطاب لا تحتمله ركب الإخوان المسلمين» وسيقودوننا إلى الهاوية، وفعلاً بعد صمت أيام ثلاثة ينتظر الناس فيها قرار «قاطرة الإصلاح» «الإخوان المسلمين» خرج علينا المرحوم مراقب عام «الاخوان» بتصريحه «الناري» قائلاً: «الحسين نادى ونحن نلبي» فانفرط العقد وأصدرت بيان اعتزالي في اليوم التالي قرفاً من هكذا معارضة. كان الملك حسين يحتاج إلى برلمان مفصل تفصيلاً لا تغيب عنه جماعة أو حزب لكن لا يكون لأي منهم حجم يستطيع أن يوقف تمرير المعاهدة المشؤومة حتى لا يدعي أحد بعد ذلك أن المعاهدة لا تمثل جميع الأردنيين . هكذا ساهم «الإخوان» والذين تبعوهم بإعطاء الشرعية للمعاهدة بمشاركتهم (وصحيح ما نشرته الويكيليكس على لسان الكباريتي أنهم ساهموا في تمرير المعاهدة) لا لأنهم غير معادين للمعاهدة بل لأن ليس لديهم ما يكفي من جرأة للأسف لمواجهة الملك في إصراره. هكذا عودونا دوماً، وقد انحنوا بعد ذلك كثيراً أمام ملفات تصل إلى الملك وما زالوا، فلم يجرأوا حتى اليوم رغم سنتي الحراك على ذكر الملك كمغتصب لأراضي الخزينة رغم أنهم يصرون على عدم الإدلاء بالقسم الدستوري إلا إذا أضيفت له عبارة «في طاعة الله ورسوله»! إنها الانتهازية. اكتـمل الانقـلاب وانخفضت السـقوف إلى ما يجـب أن يخجل منه أي سـياسي مزعـوم، تغـيرتم ولم نتغير، فلسـت أذكر إن كـنت من السـتين شخـصية التي اجتمع بها نائب الملك الأمير الحسن في لقاء طويل متلفز العام 94 يستنصحهـم إذ قلـت له في مـا قلت: «إن الفساد يجري بالرعاية الملكية»، وكان الفساد على كبره يومها لا يقارن بحجمه المرعب اليوم ولا بغرق الديـوان الملـكي حتى رأسه فيـه، من كبـيره إلى صغيره. فما كان من الأمـير إلا أن وضـع كفـيه على وجـهه مـطرقاً مـردداً الآيـة الكريمـة (واصـبر كما صـبر أولو العزم من الرسل) وكأن الذي يحارب الفساد هو من خندق الكافرين الذين يؤمر النبي صـلى الله عليه وسلم بالصبر عليـهم، وكأن الذيـن ينتـسبون إليه دمــاً ويخالفونـه تـصرفاً وخلقاً هـم ورثـة الرسالة لمجرد الاسم الذي يحـملونه! وبـقيتم تتصارعون على مقاعد في مجيلس تـقزم من الركن الأول الأصيل في النظام إلى ما يشبه الحضانة في «روضة الأطفال الأردنية الهاشمية» كما وصفها كتاب غربيون. ان «المعلم» يدير البلد بالدوام الجزئي، إذ يمضي نصف وقته في الخارج بمياومات فوق الخيالية وبمصاريف مرعبة ، ويحيط نفسه بأشباه مستشارين غير دستوريين، تبلغ تفاهتهم حداً لا يوصف، يهيمنون وما زالوا على أشباه وزراء غضب أبو الراغب من وصفي لهم للنيويورك تايمز: (ما الفرق بين التي تبيع اللذه الجسدية والذي يبيع توقيعه؟ العمليتان تسميان أكاديمياً عهراً) . وعندما بدأتم تتحركون بتردد تحـت الضـغط الشعبي أصبـحت تذكـرون فساد الخراطـيم التي تصب في خزان آلة النهب ولا تذكرون آلة النهب نفسها التـي تتغــذى من خـلال تلك الخراطيـم. يقــول من لستَ أفصـح منه الرئيس الأسبق فيـصل الفـايز: «ما هو الأهم؟ أإدانة وليد الكردي؟ أم حماية العرش؟» فهو كرئيس سابق يعرف جيداً فساد العرش وكان شريكاً في التستر عليه مثل ما حدث للمعونة الكويتية التي فضحها البرلمان الكويتي. إن العرش يجب أن يحمى من إساءات الجالس عليه، ورغم كل ما جرى لا نرى بادرة لذلك. تظنون بأن الانقلاب الثاني على ثورة الجمهور بإجراء انتخابات تافهة سيضع غطاء على مطالب الناس. بئس البرلمان برلمان عنوانه الولاء للفساد المتمثل بمن دعا للانتخابات ظناً بأن الانتخابات هي التي ستطهره وتبرئه، لأن هكذا مجيلس لن يستطيع أن يحاسب الملك بل إنه قد بايعه قبل انتخابه على تسمية فساد الديوان اكسيراً لحياة الأردن. إن أكبر معول يهدم أركان العرش هو معول صاحب الجلالة. إذ لن يبقى الأمر على هدوئه المصطنع أمنياً فما كنت أقوله علنا قبل عشرين سنة، وسكت عنه سياسيو جيلي الساقط، إلا ما رحم ربي، قد بدأ شباب الأردن يرفعونه كشعارات ولا تجرؤون على محاكمتهم لأن محاكماتهم ستكون محاكمات لهذا النظام الذي أفسدتموه إما بالنهب والسلب أو بالسكوت «الشهم» عن الناهبين الانذال. ماذا كان سيضيرك لو استجمعت بعض الرجولة عندما كلفك الملك بتشكيل الوزارة بأن تقول له أنا مستعد كي أصارح الشعب بضرورة شد الأحزمة يا سيدي، ولكن مصداقيتي ستكون تحت الأرض إن لم أبدأ بك يا صاحب الجلالة مستعيداً كل ما وصل إلى حيازتك عن غير وجه حق، وإن لم أقدم كل شركائك الفاسدين للمحاكمة على أن تقلع أنت حالاً عن مشاركتك لهم. وسأكـون غاشاً للشـعب إن لم أشرط تغـييراً في أسلوب حياتك الذي لا يناسب شعباً فقيراً تجلس على عرشه، وإن لم أقصص أجنحة كل الأمراء والأميرات والأشراف والشريفات والصـناديق غير الدسـتورية التي يقبعون فوقها. وتقول له لا يمكنني أن أستلم حكومة ما لم أجتث كل أصول الفساد وكلها تقريباً تصل إلى بابك. العـرش يا أبـا زهـير هو ملكـنا نـحن الأردنيـين جمـيعاً، لا من حيث الجلوس عـليه، بل من حـيث ان فيه استـقرار بلدنا ووحدته الوطنيـة، وإن المحافظة عليه لتفرض على الجالس فوقه أولاً وقبـل غـيره الأخـذ بأسباب الحفظ، وأن لا يتصرف بما يسيء للعرش أو لسمعته. وإلا فلو صدق رجال يخطبون في الناس: «احملوني إلى عمان...» لما تجرأ أن يتخطى حدوده. إنه هو الذي يتخطى الخطوط الحمراء الأصلية، لا نحن المتهمين بتخطي خطوط حمراء وهمية لا يقبل بها أي أردني شـريف. يؤسفـني أن أبين لك ولمدير المخـابرات وآخـرين، بأنكــم في دفاعـكم عن تجاوزات الملك تزيـنون له طريـق الهـلاك. وأنا مسـتعد لأواجهكـم دفـاعاً عن عرش نظــف بعيد عن الفساد وعن الولدنة والاسـتفراد. اللهمّ قد بلّغت،فاشهد.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة