لا يشبه مركز المعلوماتية القانونية في كلية الحقوق والعلوم السياسية والادارية الجامعة اللبنانية الاجهزة والمكاتب الادارية في كليات ومعاهد الجامعة، ولا ما درجنا عليه في مؤسسات القطاع العام. اذ الطوابق الاربعة التي يشغلها والمكننة بالكامل تجعله اقرب ما يكون الى مؤسسة عصرية تعتمد احدث نظم المعلوماتية بديلا للخزائن والملفات ورفوف الكتب التي يعلوها الغبار بفعل تراكم الزمن عليها. لكن المركز لا يستهلك التقنيات بقدر ما ينتج المعلوماتية، بهذا المعنى هو يساير العصر ويضع الموضوعات التي يتناولها في خانة التناول الميسّر عبر الوسائط الحديثة التي باتت متاحة، ويفترض ان تكون في مكنة المعنيين من باحثين وطلاب ومسؤولين في مختلف ادارات القطاعين العام والخاص. والمركز أُنشىء كوحدة جامعية مستقلة بموجب المرسوم رقم 3144 تاريخ 11/4/1986، والمعدل بالمرسوم رقم 4166 تاريخ 16/9/1987، ثم عدلت طبيعة المركز القانونية بالمرسوم رقم 4141 تاريخ 13/10/1993 الذي ألحقه بكلية الحقوق والعلوم السياسية والادارية، ويديره عميد ورئيس ومجلس مركز. واهتمامات المركز محددة بالعلوم الناشئة عن مجالات التقاطع المختلفة بين القانون والمعلوماتية والعلوم التوثيقية، وهو يتألف من اقسام عدة تتناول: الحقوق، المعلومات، الاسترجاع والادارة. يضم القسم الاول (الحقوق) عملية الانتاج، وتعمل هذه على جمع النصوص وفرزها وتحليلها وتوثيقها، ويتألف كادره من ثلاث فئات الاولى هي الاستاذ الباحث، وهو حائز على دكتوراه في الحقوق، والباحث المصنف وهو حائز على دراسات عليا في الحقوق او خبرة 10 سنوات في احد اختصاصات المركز، وفئة المساعد الباحث وهو حائز على اجازة في الحقوق. ويرأسه دكتور في القانون، هذا المثال الذي قدمناه حول القسم الحقوقي يعتبر نموذجا عن الاقسام الاخرى، وقدمنا التفصيل في المعلومات عنه، يفرض تكوين صورة عن كفاءات العاملين في هذا المركز ككل. والذي يضم 45 موظفا يملكون كفاءات اكاديمية ومهنية عالية لا تتوفر لسواه من مركز الادارة اللبنانية العامة والخاصة، اذ ان جميع افراد الكادر هم من المحامين والقضاة والحقوق والمعلوماتية والتوثيق. وهم ما بين متعاقدين بالساعة او متفرغين من دون الوصول الى الدخول في ملاك المركز. اذاً نشأ المركز في العام 86 وتطورت تباعاً أسسه القانونية، ويملك جهازاً لا يتوفر لسواه من ادارات القطاعين في لبنان. لكن هذا بعض التقديم، اذ المركز اساساً وبالاصل هو مؤسسة انتاجية بالمعنى العلمي للكلمة، وهو يملك بنك معلومات كان آخر انجازاتها اصدار محاضر مجلس النواب اللبناني بين الاعوام 26 وحتى ال2000، عبر C.D.، وقد تم تحقيق هذا العمل من خلال عقد خاص بين الجامعة اللبنانية والمجلس النيابي. وقد تم انجاز العمل وتسليمه لرئاسة المجلس قبيل منتصف الشهر الجاري. لكن في »خزانة« المركز ما هو اكثر من ذلك، اذ الى جانب ما ذكرنا هناك الجريدة الرسمية بين الاعوام 1918 1994، مجموعة القوانين النافذة، قرارات التمييز 1950 1987، قرارات مجلس شورى الدولة، احكام العمل بين السنوات 198565. ويستند هذا البنك من المعلومات على قاعدة بيبلوغرافية تضم الاحكام المنشورة في المجلات القانونية مثل: حاتم، باز، المحامي، المجلة القضائية، مجلة القضاء الاداري، الشرق الادنى، المجموعة الادارية. وتشمل هذه القاعدة على ثلاثة آلاف تسجيلة عن احكام ومقالات. اما القاعدة التشريعية فتحوي على احكام الشريعة الاسلامية حسب المذهب الحنفي ومقسمة على 4608 احكام زواج و391 حكما للنفقة، الى جانب احكام الشريعة تبعا للمذهب الجعفري و... هناك المزيد... ومثل هذه المعلومات موضوعة في حوزة من يحتاجونها ومجانا. وفي دراسة على طلبات الاستقبال والبحث والاسترجاع تبين انه من اصل ألف استقبال توزع الباحثون تبعاً للنسب التالية: 24$ قضاة، 37$ محامون، 12 طلاب دراسات عليا، 8$ باحثون، 5$ موظفون و14 في المئة لم تحدد اعمالهم. هذا بعض من عالم المركز، لكن على القدر ذاته من الاهمية اتصاله ببنوك المعلومات القانونية الدولية، لا سيما في المجالات الاقتصادية والسياسية والمالية والاجتماعية والاعلامية وغيرها. بالعودة الى موضوع انجازات المركز، لا بد من القول ان القاعدة المعلوماتية الممكننة التي يملكها تعني ليس كل محام وقاض وطالب حقوق، بل كل مواطن بدءا بالمسؤول السياسي والاداري والقضائي وصولا الى المؤرخ والباحث والاعلامي و... لكن ذلك لا يعني ان المركز يعيش افضل احواله. اذ انه يعاني من قيود ومصاعب تعترض امكانيات تحقيقه للمزيد من التطور، ولعل هذا بالضبط يفترض اعتراف الدولة به وبالدور التقني الفني الذي يمكن ان يلعبه، في تطوير الادارة اللبنانية وتوثيق معلومات مؤسساتها. ومن باب الذكر نشير الى ان المركز سبق له واشرف على انتاج نظام معلوماتي للجامعة اللبنانية ولوزارة الاصلاح الاداري ايضا. علما ان هناك الكثير من المجالات التي يستطيعها، على صعيد محاضر جلسات الحكومة، المحفوظات الوطنية و... و... قبيسي: العصر والواقع يؤكد عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية د. ابراهيم قبيسي اننا الآن في صميم عصر المعلومات، والأهم للباحث والاختصاصي وصول المعلومة بأسرع وقت ممكن. ومثل هذا الامر لا تتحدد قيمته في الجامعة اللبنانية، بل في المجتمع بأسره، وما انجزناه بالغ الضرورة لوزارة العدل بمن تضمّهم من قضاة ومحامين. اذ بات كل محتاج وبدلا من التفتيش في المصادر عن المعلومات يستطيع الحصول عليها وبسرعة، وبذلك فإن الحجج التي يمكن الادلاء بها باتت غزيرة وقابلة للاستخدام في مدة قياسية. ثم ان ما لدينا لا تقتصر فائدته على القاعدة القانونية اللبنانية، اذ يتعداه الى المعلومات التي تملكها بنوك المعلومات في الخارج. مثلا بات بامكان اي محام او باحث إذا اراد اعداد مادة عن الفساد مثلا ان يضع الكلمة، ومباشرة تأتيه الاجوبة من خلال القوانين واجتهادات المحاكم والآراء الفقهية، وبذلك يستطيع تكوين ملف كامل حول الموضوع وبأسرع وقت ممكن، مما يعطيه الافضلية على سواه. ويرى قبيسي ان مجلس الجامعة اللبنانية بدءا برئيسها د. اسعد دياب مروراً بالعمداء والاساتذة باتوا يملكون قناعة تقول انه لا بد للجامعات ان تتحوّل من المجال النظري والتطبيقي الى المدى الانتاجي. اذ لم تعد هناك دول قادرة على الاستمرار في تمويل الجامعات، وفي لبنان اذا ظلت الجامعة اللبنانية معتمدة على موازنة الدولة فقط، فمعنى ذلك انها ستواجه مشكلة سنوية، اما عندما تنتج وتبيع جزءا من انتاجها، فإن ذلك يعطيها حق الطلب من الدولة لموازنة اكبر، طالما ان جزءا مما تنفقه يعود الى خزينة الدولة، من جهة ويمكن من شراء تجهيزات ومواد ضرورية لمزيد من الانتاج. اي ان الجامعة عندها تدخل في دورة الانتاج. ويتساءل قبيسي هل من المعقول مثلا الا تستفيد الدولة من اساتذة مهندسين يعملون في كليات الجامعة، ويستطيعون من خلال كفاءاتهم تقديم خدمات مطلوبة بكلفة محدودة، قياسا الى مكاتب الهندسة بعموم اصنافها. ويثني قبيسي على مبادرة رئاسة مجلس النواب ووزارة الاصلاح الاداري اللذين تعاملا مع المركز، علما انه لدينا ما نقدمه لكل منهما. مثلا قوانين واحكام العمل، البرنامج الذي وضعناه حول قيادة السيارات للشباب، بحث لطلاب الثانويات الرسمية قدمناه لوزارة التربية يعرض معلومات وافية عن كل كليات ومعاهد الجامعة اللبنانية واقسامها الدراسية. لكن لا ندري اذا ما كانت قد أوصلته إليها، واذا ما كانت هذه الثانويات تملك الاجهزة لعرضه على الطلاب، برامج الادارة المركزية انتجت في هذا المركز ومن دون كلفة مالية. يلخص قبيسي رؤيته بالجزم ان في الجامعة اللبنانية قدرات يمكن الافادة منها لتطوير الجامعة والادارات والاداء الحكومي. ويعترف قبيسي ان المعوقات لا تقتصر على عدم رد الوزارات على الكتب التي نرسلها لها، بل ان هناك ما يشبه الموقف من الجامعة اللبنانية. وبفجاجة يقول قبيسي يجب ان تكسب الجامعة ثقة الدولة بأدائها. عندما تجرأ الرئيس نبيه بري واعطانا مشروع محاضر مجلس النواب هزّ الكثير من كبار الموظفين رؤوسهم بسخرية. وعندما حققنا الانجاز فوجئوا بتقيدنا بالمواعيد ونوعية العمل. اذ بات من السهولة بمكان ان تحصل على اي معلومة من هذه المحاضر التي تمتد على اربع وسبعين عاما، وفقط بكبسة زر واحدة. ويتحدث قبيسي عن المشاريع التي يملكها المركز ومن بينها الجريدة الرسمية، وبكلفة لا تزيد عن عشرة آلاف دولار، لانتاج الC.D.، ونريد ان نمنع نسخه، لذلك مضطرون الى طباعته في سويسرا. ونحتاج الى موافقات، وآلية لتسويقه، اذ ان مجموعة الجريدة التي تزيّن مكاتب المسؤولين والتي تكلف اكثر من ألف وثمانماية دولار باتت هناك امكانية لطباعتها على قرص لا تزيد كلفته عن اربعماية دولار ومن دون اشغال للرفوف وتنظيفها يوميا. يشدد قبيسي على ان مشروعا من هذا النوع يمكن ان يصبح موردا ماليا للجامعة. والمشروع انجز كتقنية. القوانين النافذة انجزناها ايضا، وهذه يصل ثمنها الى الالف دولار، ويمكن ان نقدمها نحن بكلفة متواضعة، ويستطيع اي كان من الحصول عليها والافادة من معلوماتها بيسر حتى للمبتدئين في العمل على الكومبيوتر. نحن في المركز نعمل على الحصول على دعم من رئيس الحكومة د. سليم الحص للمشروع هذا، باعتبار ان الجريدة الرسمية هي من اختصاص رئاسة مجلس الوزراء. ونعوّل على تفهم الرئيس الحص للمشروع. وزارة العدل ابلغتنا حماسها للمشروع، لا سيما بما يحويه من قوانين ومراسيم وقرارات و... يختم قبيسي بالقول: كل ما ننجزه لا بد وان يباع بسعر رخيص قياساً الى اسعار السوق، وغايتنا ليس الربح، وانما تشجيع البحث، ولا شك ان ذلك يطلق موجة من اعادة الاعتبار للقانون وللعلم والانتاج ينعكس على الجامعة كما ينعكس على الوزارات المعنية. نبهان: قيود رئيس المركز، الاستاذ (دكتوراه في الاحصاء من جامعة باريس) في كلية العلوم الدكتور فيليب نبهان يوضح الفارق بين المركز والمراكز التجارية التي تتعاطى المعلوماتية. ويؤكد على فشل العديد منها، نظرا لمبدأ الربحية الذي تعمل عليه، مما جعل قاعدة المنتفعين ضيقة، الى الحد الذي تعرضت فيه الى خسائر اضطر العديد منها الى الاقفال. ويصف نبهان مركز المعلوماتية بأنه الوحيد الذي يعمل لمنفعة الناس من دون مقابل، معربا عن امله ان يتمكن من تسويق انتاجه، او تقديم امكانات متاحة له، كي يتمكن من تطوير عمله باستمرار. علماً ان المعلومات التي يقدمها ذات كلفة، ان من خلال قاعدته الخاصة، او عبر بنوك المعلومات المفتوح عليها. ويتحدث نبهان بمرارة عن العقبات الادارية التي يعانيها المركز، اذ الآن لديه اصدارات يجب ان يتم تسويقها، وليس في قوانين الجامعة اللبنانية الصادرة في العام 1975 ما يلحظ مثل ذلك. اذن التسويق يفترض وجود جهاز وانظمة قوانين تتيح حرية الحركة، على صعيد العلاقات التجارية. الآن وضمن المعطيات القائمة لا يستطيع المركز ان يقبض شكاً، اذ يجب ان يوجه هذا الشك للمحتسب المركزي في الجامعة اللبنانية وعليه تحويله الى حساب وزارة المالية في البنك المركزي. اذاً مشكلة المركز كما يرى نبهان مضاعفة، اذ انه ليس كسواه من وحدات الجامعة. وهو يستطيع وبمكنته ان يقدم خدماته وهذه لها ثمن للقطاعين العام والخاص. ويتساءل نبهان كيف باستطاعتي ان اقدم مثل هذه الخدمات في ظل قوانين جامدة؟!. وعليه يُفهم من كلام نبهان ومن طابع المأزق الذي يعانيه المركز ان لا احد يستطيع ان يفعل شيئا لحلحلة الوضع، ما دامت القوانين التي تدير الجامعة باقية على حالها دون تعديل او تطوير. يشدد نبهان على تفاعل الجامعة مع محيطها. والتفاعل كما يطرحه هو الوصول الى الناس وتقديم ما يمكن ان يساعد المجتمع على التطور. اذ لم تعد فكرة الدور التعليمي تلقى قبولا لدى اكثر الجامعة المحافظة. بل لم يعد لها وجود. وهذا يتطلب العمل على الابحاث التي تساهم في تطور وتقدم المجتمع والبحث العلمي. واذا كان هذا صحيحا، فالبديهي ان يكون من يمسك بزمام الامور يملك صلاحية الثواب والعقاب لجهازه. يقول نبهان: لا استطيع ان اكافىء الذين يعملون، ومن لا يعمل لا استطيع ان اعاقبه، واخشى ان نصل يوما الى اصابتنا بعدوى الادارة العامة حيث تخضع الامور للتسيب، بينما في شركة خاصة يستطيع المشرف على العمل ومن خلال التسهيلات التي يتمتع بها تقديم الحوافز بما يقود الى مزيد من الانتاج والربحية. على ان نبهان يرفض مبدأ الخصخصة، اذ يصرّ في جانب على عملية التحديث المطلوبة للقوانين والانظمة النافذة، من خلال شكل من اشكال الدمج بين عقلي القطاعين العام والخاص. يطرح نبهان المشكلة القائمة على النحو التالي مختتما حديثه: كان هدفنا الوصول الى انتاج، وفعلنا ذلك، الآن لا نعرف كيف نتصرف، لان الابواب مقفلة امامنا. هناك عمليات مطلوبة بعشرات الالوف من الدولارات يمكن ان تحقق ربحية بمئات الالوف. وبذلك لا يحقق جانبا تجاريا فقط، بل نحقق هدفا علمياً بالحفاظ على تراثنا القانوني ما دامت المعلومات باتت جاهزة، ولم يعد ينقصها سوى عملية »التصنيع«. اسئلة د. نبهان، كما اسئلة قبيسي تطرح السؤال الاكبر من يفتح الابواب المقفلة، او نافذة ضوء على تجربة طموحة في الجامعة اللبنانية... ام ان لا احد يسمع هذه المزامير؟!.