As Safir Logo
المصدر:

قانون الانتخاب واتفاق الطائف

المؤلف: سكينة محفوظ التاريخ: 2013-01-05 رقم العدد:12374

تنفيذاً لما ورد في بيانها الوزاري بشأن قانون الانتخاب، أحالت الحكومة الحالية إلى مجلس النواب مشروع قانون جديد للانتخابات النيابية في الأول من أيلول 2012. والى جانب مشروع الحكومة، يوجد أمام مجلس النواب، اقتراح قانون «اللقاء الأرثوذكسي» الانتخابي وكذلك اقتراح قانون الخمسين دائرة انتخابية. ويجري الحديث أيضا عن احتمال طرح مشاريع أخرى أبرزها مشروع «الهيئة الوطنية لقانون الانتخاب» المعروف بـ«قانون فؤاد بطرس». ومن الثابت، أنه إذا لم يتمكن مجلس النواب من إنجاز قانون جديد، فإن الانتخابات النيابية المقررة في ربيع 2013، ستجري وفقاً لأحكام «قانون الستين» الشهير. والسؤال، هل هذه المشاريع الانتخابية، و«قانون الستين» متوافقة مع اتفاق الطائف؟ لقد ورد في وثيقة الوفاق الوطني اللبناني المعروفة بـ«اتفاق الطائف» التي وافقت عليها الجامعة العربية، وحظيت بموافقة الاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن، في البند الرابع من القسم الثاني المتعلق بالإصلاحات السياسية، أن الدائرة الانتخابية هي المحافظة. كما ورد أيضاً في القسم الثالث المتعلق بالإصلاحات الأخرى، الفقرة ج ـ قانون الانتخابات النيابية، ما يأتي: «تجري الانتخابات النيابية وفقاً لقانون انتخاب جديد على أساس المحافظة، يراعي القواعد التي تضمن العيش المشترك بين اللبنانيين وتؤمن حسن التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب وأجياله وفعالية ذلك التمثيل، بعد إعادة النظر في التقسيم الإداري في إطار وحدة الأرض والشعب والمؤسسات». يتضح مما تقدم، أن المحافظة هي الدائرة الانتخابية الواجب اعتمادها في قانون الانتخابات النيابية، إلا أنه، في هذا المجال، تطرح الأسئلة التالية: ماهية المحافظة وحدودها الجغرافية؟ هل تعتبر دوائر انتخابية فقط، المحافظات التي كانت قائمة أصلا عند إقرار الطائف؟ هل تعتبر دوائر انتخابية المحافظات التي استحدثت، أم أنها تعتبر دوائر إدارية؟ هل تعتبر دوائر انتخابية الدوائر (المحافظات) التي ستنشأ عند إعادة النظر في التقسيم الإداري، أم تعتبر دوائر إدارية؟ وإذا افترضنا أن الدوائر الانتخابية هي المحافظات التي ستنشأ عن إعادة النظر في التقسيم الإداري، فإن هذه الدوائر يجب أن تؤمن العيش المشترك وحسن التمثيل السياسي كما ورد في الفقرة ج، وهذا الهدف لا يمكن تحقيقه إلا في ظل الدوائر الكبرى، حيث يوجد الاختلاط بين مختلف الطوائف والمذاهب والفئات. وفي مطلق الأحوال، وطالما أن إعادة النظر في التقسيم الإداري لم تحصل حتى الآن، فإن المحافظة، تكون بالتالي، الدائرة الانتخابية الواجب اعتمادها في أي قانون انتخاب جديد. وتأكيداً على ذلك فإن القانون الرقم 154 تاريخ 22 تموز 1992 المتعلق بتعديل بعض أحكام «قانون الستين»، قد نص في المادة الأولى - المادة الثانية الجديدة ـ على ما يأتي: «تتألف الدائرة الانتخابية من المحافظة» إلا أنه أشار في المادة الثالثة الجديدة، إلى أنه «بصورة استثنائية، ولدورة انتخابية واحدة، تتألف الدوائر الانتخابية على الوجه الآتي: دائرة انتخابية واحدة في محافظة مدينة بيروت دائرة انتخابية واحدة في محافظتي الجنوب والنبطية دائرة انتخابية واحدة في محافظة لبنان الشمالي دائرة انتخابية واحدة في كل قضاء من محافظتي جبل لبنان والبقاع الخ... ويستفاد مما تقدم، وكذلك من المناقشات التي جرت حول مشروع القانون في جلسة اللجان النيابية المشتركة، المنعقدة بتاريخ 7 تموز 1992، أن المحافظة هي دائرة انتخابية لكونها تتناسب مع ما ورد في وثيقة الوفاق الوطني، إسهاماً في تأمين الانصهار الوطني مع الأخذ ببعض الاستثناءات لمرة واحدة، نظراً للظروف التي خلفتها الحرب الداخلية. وتكمن أهمية هذا القانون، أنه صدر بعد فترة قصيرة من إقرار اتفاق الطائف، وان النواب الذين اعتمدوا هذا القانون، هم ذاتهم تقريباً الذين اقروا اتفاق الطائف. وإذا كانت المحافظة هي الدائرة الانتخابية حسب اتفاق الطائف، إلا أننا نسأل، ما هي القيمة الدستورية والميثاقية لهذا الاتفاق؟ تطبيقاً لوثيقة الوفاق الوطني، صدر القانون الدستوري الرقم 118 تاريخ 21/9/1990، الذي كرس بنصوص دستورية بعض الأحكام التي وردت في تلك الوثيقة، وبقي قسم كبير منها خارج الدستور ولا سيما الأحكام المتعلقة بقانون الانتخابات النيابية والدائرة الانتخابية الواجب اعتمادها. فهل هذا الأمر يعني أن تلك الأحكام لا قيمة دستورية لها وان لها قيمة معنوية فقط؟ يقول د. ادمون رباط في مقال حقوقي بعنوان «وثيقة الوفاق الوطني وتعديل الدستور»، منشور في الشرق الأدنى ـ دراسات في القانون 1992 مجلة كلية الحقوق والعلوم السياسية ـ جامعة القديس يوسف ـ ص 46 ما حرفيته: «ليكفي مقارنة هذه الأحكام التي تضمنتها «وثيقة الوفاق الوطني اللبناني» والتعديلات التي أجريت في الدستور، تنفيذاً لتلك الأحكام، لكي يتضح أن قسماً وفيراً منها لم يجد وكان من المتعذر أن يوجد له محلاً في الدستور، مما يجعل إذن الأحكام التي بقيت خارجة عن الدستور، أحكاماً منطوية على تعهدات وطنية». وإذا كانت تلك الأحكام التي بقيت خارج الدستور تمثل تعهدات وطنية، فأن قيمتها تعادل لا بل تفوق قيمة الأحكام الدستورية. وينتج عما تقدم، أن الأحكام الواردة في اتفاق الطائف المتعلقة بقانون الانتخاب والمحافظة كدائرة انتخابية لها قيمة دستورية. وينبغي بالتالي على قانون الانتخاب العتيد أن يعتمد المحافظة كدائرة انتخابية، وإلا تعرض لإعادة النظر من قبل رئيس الجمهورية سنداً للمادة 57 من الدستور أو الطعن أمام المجلس الدستوري. وبالإضافة إلى ما تقدم، ينبغي دستورياً على قانون الانتخاب أن يضمن العيش المشترك ويؤمن حسن التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب كما ورد في الفقرة ج من اتفاق الطائف، وان يحترم الأحكام الأساسية الواردة في مقدمة الدستور ولا سيما: لبنان وطن واحد أرضاً وشعباً ومؤسسات. الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية. إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية ـ وقد حددت المادة 95 الآلية الواجب إتباعها في هذا المجال. لا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان ولا تجزئة ولا تقسيم. لا شرعية لأية سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك. ومقارنة مع ما تقدم، يتبين من الرجوع إلى قانون الستين واقتراح اللقاء الأرثوذكسي الانتخابي واقتراح القانون المتعلق بتقسيم لبنان خمسين دائرة انتخابية، ما يأتي: 1. إن اقتراح «اللقاء الأرثوذكسي» القائم على اعتماد لبنان دارة انتخابية واحدة، واقتراح القانون الرامي إلى تقسيم لبنان خمسين دائرة انتخابية وكذلك «قانون الستين»، القائم على اعتماد القضاء كدائرة انتخابية، جميعها تتناقض مع اتفاق الطائف الذي قضى بوجوب اعتماد المحافظة دائرة انتخابية. 2. إن اقتراح «اللقاء الأرثوذكسي» القائم على أن تنتخب كل طائفة لنوابها، وإن كان يؤدي إلى تحقيق المناصفة الفعلية بين المسلمين والمسيحيين، المنصوص عنها في المادة 24 من الدستور، والى تمثيل المسيحيين بصورة صحيحة وكاملة، إلا أنه في المقابل يتعارض مع العيش المشترك، والمادة 27 من الدستور التي نصت على أن عضو مجلس النواب يمثل الأمة جمعاء، والفقرة د من مقدمة الدستور التي تشير إلى أن الشعب هو مصدر السلطات وليست الطوائف، فضلاً عن أنه يكرس ليس فقط الطائفية السياسية، وإنما أيضاً المذهبية السياسية الخ... 3. إن اقتراح القانون الرامي إلى تقسيم لبنان خمسين دائرة انتخابية، وإذا كان يؤدي إلى تحسين التمثيل المسيحي بصورة جزئية، إلا أنه في المقابل يتعارض مع العيش المشترك كما أن من شانه أن يؤدي إلى خلق كانتونات طائفية ومذهبية، والى التفتيت والتجزئة الخ... 4. إن الانتخابات النيابية التي جرت في العام 2009 على أساس «قانون الستين» القائم على النظام الاكثري والقضاء دائرة انتخابية، لم تؤد إلى تمثيل صحيح لمختلف فئات الشعب ولا سيما المسيحيين، كما أنها لم تضمن قواعد العيش المشترك بصورة فعلية وجدية. إن «قانون الستين» يعزز الخطاب الطائفي والمذهبي، ومن شانه أن يؤدي إلى خلق كانتونات طائفية ومذهبية الخ... ونظراً للآثار السلبية التي يمكن أن تنتج عن اعتماد «قانون الستين» في الانتخابات المقبلة، أعلنت القوى المسيحية الدينية والسياسية والنيابية، وكذلك بعض القوى الإسلامية السياسية الفاعلة، رفضها العودة إلى «قانون الستين». 5. أن القاسم المشترك بين الاقتراحين النيابيين الانتخابيين و«قانون الستين»، هو مخالفة الأحكام الأساسية الواردة في مقدمة الدستور والتي سبقت الإشارة إليها، وقواعد العيش المشترك، بالإضافة إلى عدم ضمان حسن التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب بصورة صحيحة وشاملة. وبشان مشروع قانون الحكومة، فإنه، يتبين، مقارنة مع اتفاق الطائف، ما يأتي: 1. يعتمد المشروع على تقسيم لبنان ثلاث عشرة دائرة انتخابية ـ إن هذه الدوائر وإن كانت لا تنسجم تماماً مع اتفاق الطائف الذي اعتمد المحافظة كدائرة انتخابية، إلا أنه في المقابل يمكن اعتبارها متوافقة معه إلى «حد كبير». 2. إن الدوائر الانتخابية المعتمدة، تضمن بصورة كبيرة العيش المشترك نظراً للاختلاط القائم والموجود بين مختلف الفئات والمذاهب والطوائف- وهذا الأمر يتوافق مع اتفاق الطائف. 3. إن النظام الانتخابي الذي اعتمده المشروع، هو النظام النسبي الذي، كما جاء في الأسباب الموجبة «يمكن الأقليات، سياسية أم طائفية، من أن تتمثل في البرلمان». في الواقع، إن النسبية تسمح لكل القوى الفاعلة على الساحة السياسية، أن تتمثل في مجلس النواب بنسبة حجمها، فلا تعطى الأكثرية حجماً أكبر من حجمها، ولا تحرم الأقلية، مهما بلغ حجمها من المشاركة في القرار السياسي. مع النظام النسبي يصبح مجلس النواب، مرآة تعكس الواقع السياسي بصورة صحيحة، وذلك بعكس النظام الاكثري الذي يصادر كل المقاعد النيابية لمصلحة الفريق الذي يحصل على النسبة الأعلى من أصوات الناخبين، حتى ولو لم تشكل هذه النسبة أكثرية الناخبين. فضلاً، عن أن النظام النسبي يساعد على ارتفاع نسبة المشاركة في الانتخابات، ويقل بذلك عدد الممتنعين عن التصويت. وطالما أن النظام النسبي يؤدي إلى حسن التمثيل السياسي، فإن مشروع الحكومة، يكون بالتالي متوافقاً مع اتفاق الطائف. في المحصلة، يمكن استنتاج الأتي: 1 ـ إن المحافظة، هي الدائرة الانتخابية الواجب اعتمادها حسب اتفاق الطائف. 2 ـ إن اقتراح «اللقاء الأرثوذكسي» واقتراح الخمسين دائرة انتخابية مخالفان لاتفاق الطائف. 3 ـ إن «قانون الستين»، في حال تم اعتماده مجدداً في الانتخابات المقبلة، سيكون مخالفاً لاتفاق الطائف. إلا أنه، لا يمكن الطعن به أمام المجلس الدستوري. 4 ـ إن جميع القوانين الانتخابية الصادرة بعد إقرار الطائف، كانت مخالفة له. 5 ـ لا يمكن الاعتداد بهذه السوابق المخالفة، لاعتماد قانون جديد مخالف لاتفاق الطائف، وإلا تعرض لإعادة النظر من قبل رئيس الجمهورية والطعن أمام المجلس الدستوري، والذي نأمل، أن يكون تكوينه القانوني، قد أصبح، عند تقديم الطعن، صحيحاً وسليماً، وذلك تلافياً لأي تشكيك، يمكن أن يحصل بهذا الشأن. 6 ـ إن مشروع الحكومة (13 دائرة) هو «الأقرب» إلى اتفاق الطائف. 7 ـ إذا كان تمثيل المسيحيين بصورة صحيحة وفعلية، يشكل هاجساً مشروعاً، إلا أن تحقيق هذا الأمر لا يجوز أن يتم على حساب اتفاق الطائف. 8 ـ على قانون الانتخاب الجديد، أن يؤمن أفضل تمثيل للمسيحيين، من دون المساس بميثاق العيش المشترك. ([) دكتور في القانون العام

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة