As Safir Logo
المصدر:

نائب لمرة واحدة فقط.. في أفلامه إيحاءات جنسية لكنه يلتزم عن قناعة بالمحظورات الإسلامية بهروز أفخمي: الجوائز العالمية للأفلام الإيرانية جزء من ولع الغرب بالسر الإيراني

المؤلف: ف.ص. أ التاريخ: 2000-05-26 رقم العدد:8608

يتهافت الناس في طهران اليوم على فيلم »شوكران« الذي أنجزه المخرج الإيراني بهروز أفخمي. وبهروز كلمة فارسية أصيلة تعني »الرجل المحظوظ«. وهذا الرجل محظوظ فعلاً؛ فمن بين سبعة أفلام أخرجها حتى الآن حاز اثنان منها الرقم القياسي في طول مدة العرض وفي الإيرادات المالية. وُلد بهروز أفخمي في طهران سنة 1956، ودرس السينما في »المدرسة العالية للسينما والتلفزيون« في طهران. وواكب العمل السياسي منذ بداية الثورة الإيرانية مع أنه لم ينتم إلى أي حزب سياسي، لكنه كان معارضا للشاه محمد رضا بهلوي ومؤيدا للتغيير. عمل مديرا لقسم الأفلام والبرامج في التلفزيون الإيراني من سنة 1983 حتى سنة 1985. وبهذه الصفة أنجز فيلما عن الرئيس خاتمي في هيئة حوار طويل معه. وفي سنة 1997 كان أحد أعضاء المجموعة الفنية التي حققت عددا من الأفلام الاعلامية قبيل الحملة الانتخابية للرئيس خاتمي. رفض أن يترشح لانتخابات بلدية طهران لأنه، كما يقول، »لا يحب السياسة«. لكن »حزب المشاركة« أصر على أن يترشح للانتخابات البرلمانية سنة 2000 فوافق وفاز نائبا عن طهران متقدما على الرئيس السابق رفسنجاني. أخرج نحو سبعة أفلام ومسلسلا تلفزيونيا تاريخيا مدته 750 دقيقة. أما أبرز أفلامه فهي التالية: »العروس« الذي يتناول نقد الحياة الاجتماعية في المدينة وتكوينها البشري، وهذا الفيلم ضرب الرقم القياسي في الإيراد ومدة العرض؛ وفيلم »يوم الملائكة« وهو عبارة عن فانتازيا من عالم ما بعد الموت؛ وفيلم »يوم الشيطان«. أما فيلمه الجديد الجميل »شوكران« فهو، بدوره، يحصد الأرقام القياسية في طهران اليوم وينافس بقوة الأفلام السينمائية الجديدة التي تتزاحم في صالات العاصمة. »شوكران« تعني: السم اللذيذ. ويحكي هذا الفيلم قصة ممرضة تتعرف في المستشفى الى رجل متزوج كان ينقل رئيسه في المصنع جراء حادثة وقعت له. وتبدأ الأحاسيس بين الرجل والممرضة بالنمو والتفاعل. وفي إحدى الليالي يوصلها الى منزلها وتدعوه الى الدخول فيمتنع ويرتبك، لكنه يدعوها إلى العشاء. وفي أثناء ذلك يتحدثان عن الجنس ثم يعرض عليها زواج المتعة فتوافق، لكنها تقول له إن زواج المتعة صار مسألة قديمة وهو مجرد رجل تقليدي ما دام متمسكا بهذه القيود. وبعد زواج المتعة تتشابك خيوط القصة ويصبح الرجل غير قادر على الابتعاد عنها؛ فقد صار يحبها. وفي أحد الأيام يسمعها تتحدث مع رجل طالبة منه تدبير بعض المخدرات لوالدها المدمن، فتنتابه الغيرة ثم يشرع في مراقبتها. وعندما تخبره، في أحد الأيام، انها حامل يشك في أنه والد الطفل، ويحاول التخلص من هذه العلاقة، فيجنّ جنونها وتهدده بأنها ستخبر زوجته، فيهددها، بدوره، بأنه سيخبر والدها بقصة حملها. فتلجأ، عند ذلك الى محاولة إحراق منزله انتقاما منه، لكنها تتراجع عن هذه الفعلة بعدما شاهدت طفليه يلهوان في المنزل. وفيما هي عائدة بالسيارة وقد تخطت السرعة العادية، تنقلب السيارة فيها وتنفجر وتقضي الممرضة احتراقا على طريقة الأفلام العربية. والعبرة التي رغب المخرج في قولها هي ان الأفكار والايديولوجيات والنظم تحاول أن تقولب البشر وتسعى الى تنميط سلوكهم وحياتهم، ومَن يحاول كسر هذه القوالب وهذه الأنماط يكُن الموت مصيره في معظم الأحيان. بين فندق »أزادي« (أي الحرية) ومطعم »عالي قابو« في وسط طهران تحاورت مع المخرج بهروز أفخمي عن السينما وعن تجربته السينمائية وعن فيلمه الأخير »شوكران«. وما كان لهذا الحوار أن يبصر النور لولا الصديق حسن هاني فحص الذي تولى الترجمة من الفارسية إلى العربية وعانى في ذلك الكثير من الصبر ونشفان الريق. من القصة إلى السينما { كيف ترجع بذاكرتك إلى اللحظة التي سحرتك السينما فيها؟ كيف اخترت السينما؟ في طفولتي المبكرة استهوتني كتابة القصة القصيرة؛ كنت أريد أن أعبر عن انفعالاتي، وأن أمتلك لغة فنية للتعبير. وعندما بدأت التردد الى السينما اكتشفت ان السينما هي مدينة القصة. واستمر هذا الإحساس باللغة المرئية ينمو في داخلي. وأذكر أنني عندما كنت أكتب موضوعات الإنشاء مثلا كان ذهني ينصرف، بدلاً من ذلك، الى كتابة القصص. وفي الحادية عشرة صرت أقرأ المجلات الفنية، وعلمت، حينذاك، ان الأفلام يصنعها المخرجون لا الممثلون. وصار المخرج في تصوري هو راوي القصة. ثم تابعت قراءة المجلات الفنية، وتطورت قراءاتي الى الكتب التي تتحدث عن السينما، وتعلمت كيف يجب أن أروي، بدوري، القصة من خلال الكاميرا. وما كدت أبلغ الخامسة عشرة حتى أتقنت الكثير من الأمور السينمائية. { هل ثمة أجواء فنية لدى أفراد عائلتك؟ هل كان هناك مَن صرف اهتمامك إلى السينما وساعدك في الولوج الى هذا العالم الجميل؟ لا، لكن عندنا في إيران مؤسسة عامة غايتها التنمية الفكرية والفنية للأطفال واليافعين. والتحقت بهذه المؤسسة وبالتحديد بدروس صناعة الأفلام. وكان ذلك في عهد الشاه محمد رضا بهلوي. وقد أنجزت أول فيلم لي وأنا في السادسة عشرة. { هل تتذكر مشاعرك عندما دخلت صالة سينما أول مرة؟ أول فيلم شاهدته كان »دراكولا« وكنت طفلاً في الرابعة. ويمكنني أن أتذكر الآن تلك الرعشات وخفقان القلب والانبهار بالشاشة الكبيرة. { مَن اصطحبك الى السينما في ذلك العمر المبكر؟ والدك مثلا؟ لا. ابن خالتي هو الذي اصطحبني. { أظن أن أبناء العائلات الفقيرة قلما يذهبون إلى السينما في هذه الأعمار المبكرة. هل تنتمي إلى عائلة متوسطة الحال أم إلى عائلة غنية؟ عائلتي ليست غنية. إنها أقل من متوسطة، لكننا لم نحس يوماً بالفقر. والدي كان موظفا عاديا في إحدى شركات النفط، إلا أنه اجتهد كثيرا كيلا نشعر بأننا فقراء. وأنا كنت الولد البكر الذي لم يتنبه إلى ضيق موارد الوالد بسبب الاهتمام الخاص الذي توليه العائلة للمولود الأول. نحو سياسة أكثر جمالاً { كنت إذن، مشروع أديب. لكنك انتقلت من أدب القصة الى السينما. واليوم تنتقل من السينما الى السياسة. ولعلك مثلي ترى ان الفنان مشغول بالتطلع الى كسر القيود وإلى الحرية الرحبة، بينما السياسي مشغول بحسابات السياسة والمصالح وموازين القوى. كيف توفق بين الفن والسياسة؟ أنا لست سياسيا بالمعنى الاحترافي للكلمة، بل اشتهرت بالجرأة والصراحة في الكثير من المواقف. وأدرك جيدا ان الجرأة لا تتلاءم مع السياسة البتة. وهذا الأمر سيسبب لي المشكلات في المستقبل حتما. { أتوقع أن تصبح سياسيا فاشلا في هذه الحال، وأرجو أن تستمر فنانا مبدعا في جميع الأحوال. هذا الاحتمال ممكن جدا. وليس لديّ أي استعداد لأن أكون نائبا إلا لمرة واحدة فقط. وأظن ان مجلس الشورى لن يتحملني أبعد من هذه الدورة. { لعل أحلام الفنان تتخطى أفكار السياسي ومواقفه. لكن ما هي أحلامك التي تأمل أن تحققها من خلال السياسة؟ أنا أنتمي إلى تيار الإصلاح في إيران، وأنتمي بالتحديد، الى »حزب المشاركة«. ومن خلال هذا التيار أطمح إلى جعل السياسة أكثر جمالا. وحتى لو كان هذا الطموح غير واقعي، فأنا منهمك في فهم المشكلات الاجتماعية والخلقية التي تعصف ببلدي. مثلاً، سنكون في السنوات الأربع المقبلة أمام أزمة بطالة قاسية جدا. لماذا؟ لأن سنة 1980 سجلت أعلى مستوى في الولادات في تاريخ إيران. وحصل الأمر نفسه في السنوات اللاحقة حتى سنة 1984 إذ بلغت الزيادة الصافية سنويا نحو مليون ونصف مليون نسمة. وهؤلاء صاروا الآن في العشرينات أو في سن الانخراط في قوى الانتاج. إن محاولة إيجاد حلول لهذه المعضلة هي من مهمات مجلس الشورى. وليس ثمة أي حل كلاسيكي لهذه المسألة. وأرى ان أي حل، كي يكون ناجحا، يجب أن يعتمد على إشراك هؤلاء العاطلين عن العمل في تقرير مستقبلهم. ثم إن هناك الكثير من المشكلات الاجتماعية الأخرى مثل تفاقم جرائم السرقة وشيوع المخدرات وانتشار الفحشاء. وهذه كلها تتطلب جهدا خارقا للحد منها وعقلا ثاقبا لإنهاء آثارها. { مهلاً. لماذا ترتفع معدلات هذه الجرائم في مجتمع يقوم على الإسلام، وفي ظل حكم قام على أنقاض حكم الشاه وجاء ليقضي على هذه الآفات الاجتماعية. أليس في هذا الأمر فشل للنظرية؟ لا أعتقد ان في الإمكان الحكم على هذه المسألة بهذه الطريقة القاسية. ان الحرب الطويلة مع العراق أنتجت هذه الظواهر الاجتماعية وأعاقت تحقيق أهداف الثورة في التغيير الاجتماعي. ممنوعات { قرأنا في العالم العربي كثيرا عن السينما الإيرانية، وشاهدنا أفلام عباس كياروستامي ومحسن مخملباف وابنته سميرة مخملباف وداريوش مهرجوي وغيرهم. أين تلتقي سينمائيا، مع هؤلاء وفي ما تختلف؟ كياروستامي ومخملباف جيلان مختلفان. كياروستامي أخرج أفلاما قبل الثورة، وكان مشهورا منذ زمن طويل، بينما مخملباف بدأ إخراج الأفلام بعد الثورة، وهو أصغر من كياروستامي كثيرا. وأنا مثل مخملباف بدأت في إخراج الأفلام بعد الثورة، ونحن كلانا، نتشابه في أن أفلامنا ذات محتوى سياسي. أنا ومحسن مخملباف من جيل واحد وتجمعنا رؤية فنية وسياسية متقاربة. لكن في الثقافة والفن من الصعب أن يلتقي اثنان، فكل فنان تيار وحده. أما في الشأن العام فيمكن أن يلتقي الكثيرون. { حسنا. يبدو ان بعض الجهات السينمائية في العواصم الغربية راحت، منذ فترة، تهتم كثيرا بالسينما الإيرانية. وصرنا نراقب الجوائز العالمية وهي تذهب الى الأفلام الإيرانية. هل تعتقد ان السينما الإيرانية تقدمت أشواطا كثيرة حتى باتت تستحق هذه الجوائز؟ أم ان الغرب في سعيه الى فهم إيران يزيد اهتمامه بالفن السينمائي الإيراني، ولا يجد حرجا في منح الجوائز لأفلام المخرجين الإيرانيين؟ الوجهان موجودان معاً في هذه المسألة. السينما الإيرانية تقدمت كثيرا، بلا ريب، على المستوى الفني وعلى مستوى الرؤية الفنية في آن. وإيران في الخيال الغربي، سر، وهو يريد أن يكتشف هذا السر ويفك خفاياه. { أنت سينمائي يعيش في نظام إسلامي. هناك بالطبع ممنوعات كثيرة، وأكاد أقول: عوائق من صنوف وضروب مختلفة، فكرية ودينية وبصرية. كيف تحاول التحايل على هذه الممنوعات؟ وأرجو ألا تتحايل في الإجابة. أنا في النهاية مسلم. وأفلامي تلتزم تلقائيا، حدودا معينة، ينما يواجه صانعو الأفلام الآخرون مشكلات حقيقية إزاء هذه الممنوعات. { هل تعالجون قضايا الحياة اليومية كالحب والجنس والتمزق النفسي والشك والإلحاد؟ في فيلمي الأخير »شوكران« إيحاءات كثيرة عن الجنس. { تعالجون قضايا الحياة اليومية إذن، بالإيحاءات؛ وهذه ليست حتما معالجة واقعية ونقدية وجريئة، انها مثل بعض الأفلام العربية الساذجة التي تتقيد بالموانع التي يفرضها المنتج الخليجي مثل الإصرار على عدم تضمين المشاهد أي قبلة. وفي هذه الأفلام ترى الشاب الذي كان مسافرا يعود الى أهله فتستقبله شقيقاته وحتى والدته كأنها تستقبل زائرا قريبا. فلا تقبله ولو حتى على خده لأن القبلة ممنوعة. السينما الإيرانية في هذه الأمور لديها حدود وممنوعات. وحتى لو سمحت الدولة بتجاوز هذه الحدود، فإن الناس هنا، بسبب عقائدهم، لا يسمحون بهذا التجاوز. { هل تقصد أن الحدود والممنوعات لا تفرضها الدولة بل الناس؟ في فيلم »شوكران«، على سبيل المثال، تعرضت لعلاقة جنسية نشأت بين رجل وامرأة تعمل ممرضة. وهذه المرأة ذات الشخصية البسيطة أوحت انها امرأة سهلة للرجال. وبذريعة هذا الإيحاء قامت عليّ قيامة الممرضات في جميع أنحاء إيران واعتصمن ضدي أمام وزارة الثقافة. { هل احتوى الفيلم مشاهد جريئة؟ لا. لكنه تضمن إيحاءات كثيرة وإغواءً واضحاً في لغة الوجه والعينين، وأنا في أي حال ضد استخدام المشاهد الجنسية في الأفلام. { هل شاهدت أفلاما عربية؟ قليلا جدا. شاهدت »المومياء« لشادي عبد السلام و»سنوات الجمر« للمخرج لخضر حامينا، لكنني تأثرت ببعض المخرجين الأجانب أمثال: ألفرد هيتشكوك وجون فورد وهوارد هوكس ورومان بولانسكي وتيم بيرتون والأخوين كُوين. (طهران)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة