يوم الأربعاء الماضي، نزلت الناشطة السياسية علا شهبة إلى مقر الاتحادية لتشارك في اعتصام المعارضة ضد الرئيس محمد مرسي. قرارها بالتوجه إلى هناك، برفقة العديد من زملائها، جاء بناء على رغبة بحماية المعتصمين الذين كانوا يتعرضون لهجوم دموي مضاد من قبل جماعة «الإخوان المسلمين». تجربة علا، العضو في «حزب التحالف الشعبي الاشتراكي»، في ذلك اليوم كانت مريرة للغاية. اختُطفت وعُذبت وتعرضت للتحرش بمختلف أشكاله «الإخوانية». وجهها الموسوم بآثار التعذيب لن يسمح لها بنسيان الحادث قريباً، وروحها «الممزقة» سيستغرقها الأمر أكثر من ذلك بكثير. ومع ذلك، لم تمنع الحادثة علا من أن تتذكر اعتصام العباسية الذي شاركت فيه ورفاقها تضامناً مع السلفيين، تأكيداً على حق الجميع في الاعتصام، وتذكرت أيضاً دفاعها سابقاً عن المعتقلين من «الإخوان» وحقهم في ممارسة السياسة.. لتأسف اليوم بخصوص»المقهور الذي بات يقهر». تستعيد علا ما كانت تقوله ذلك اليوم أثناء اختطافها لمدة خمس ساعات «لا بد أن أتذكر كل التفاصيل التي تحدث حتى أستطيع فضحهم بعد فك أسري، لا يجب أبداً أن أفقد وعيي، لن أبكي ليس خجلا من دموعي، ولكن لأن ما يفعلونه بي هدفه كسري، فلن أعطيهم هذا الإحساس الزائف».. وهي اليوم تعيد كل تلك التفاصيل. كانت مسيرة المعارضين قد وصلت إلى أقرب نقطة، وأصبحت صفوفهم في مواجهة صفوف «الإخوان» والسلفيين، ليبدأ بعدها الهجوم على المسيرة. استمرت الاشتباكات بين الجانبين لساعات، ضُرب فيها من ضُرب وأُسر من أُسر. «بعد منتصف الليل جاءتنا أنباء عن بيان أصدرته الجماعة ومعها «حزب النور» يدعوان الجميع للانسحاب. قررنا وقتها أنا والزميل رامي صبري العودة لخط المواجهات للمساهمة في إسعاف المصابين وتأمينهم»، هكذا روت علا لـ«السفير» بداية رحلة الاختطاف. اقتربت علا وزميلها لمنطقة الاشتباكات الأعنف، وفي لحظة من لحظات ازدياد الهجوم حدث ارتباك كانت نتيجته اختطاف علا وزميلها من قبل مؤيدي مرسي. «بدأوا يسحبونني في اتجاههم وأثناء السحب بدأوا يضربونني. فهمت من حديثهم أنهم يظنونني رجلاً، لأنني كنت أرتدي خوذه للحماية من الطوب (الحجارة). حاول أكثر من شخص منهم خنقي. وفي هذه الأثناء، كانوا يضربونني بعصا على رأسي فانتبهوا إلى أن الخوذة تمنعهم، وعندما نزعوها أدركوا أنني فتاة». كان المتوقع من المعتدين على علا أن يتوقفوا لأنها فتاة، الغريب أن ما حدث هو العكس. «عندما اكتشفوا أنني فتاة قال أحدهم: خلاص حرام دي واحدة ست، لكن هذه الجملة لم تتكرر مرة أخرى... فبغض النظر رجل أم امرأة لا بد من ضربها لكي لا تكرر ما فعلته». الأسوأ هو ما حدث بعد ذلك، عندما تحول الأمر من مجرد ضرب عنيف إلى تحرش جنسي، فتوقفت علا عن السير وصرخت بهم، «لا أريد أن يلمس جسدي أحد». عندها بدأ الضرب يزداد، ووصلت الأحذية إلى رأسها. استمر الاعتداء على علا حتى رفع أحدهم صوته قائلاً «انتظروا أنا أعرفها.. دي مش فلول.. أنا شفتها في التلفزيون أثناء الثورة ..هذه فتاة محترمة وكانت من معارضي مبارك». بدأ هذا الشخص في سحب علا، وبعد بعض المقاومة منهم استطاع أن يدخلها سيارة إسعاف، لكن أحدهم دخل السيارة وأصرّ على نزول علا. ثم مثل ضابط أمن دولة عتيد فتح حقيبتها لتفتيشها، وعندما اطلع على بطاقتها وسألها عن اسمها، قال لها «أنت مسلمة... مسلمة وبتعملي فينا كده». سألها عن انتمائها السياسي وعندما قالت له إنها «في حزب التحالف الشعبي الاشتراكي»، رد عليها «شيوعيين ولاد ... يعني»، ثم سألها عن سبب تواجدها في المكان فقالت له إنها مسعفة. علا وبعض رفاقها كانوا من اليساريين الذين انتخبوا الرئيس محمد مرسي في الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة، رفضاً لمجيء أحمد شفيق، أحد رجال النظام السابق. انتخبت علا مرسي وهي تعلم أنها ستعارضه في يوم ما قريب. اضطرت علا لاحقاً للنزول من سيارة الإسعاف إذ كان فيها مصاب يحتاج للإسعاف الفوري. وطوال الطريق من السيارة إلى مكان احتجازها تعرضت علا للضرب على رأسها من الأشخاص المتجمهرين. وبعد أمتار من المشي اجتازت ومن معها حاجز أمن مركزي، لم يحاول أحد فيه حمايتها، كأنه من الطبيعي أن يتم احتجازها من قبل «الإخوان». «أثناء احتجازي في الكشك كان بعض الأشخاص المتجمهرين يأتون للحديث معي وشتمي. محاولة النقاش معهم كانت تزيد عنفهم ضدي فيعتدون علي بالضرب، ولم أكن قادرة على الرؤية جيداً بسبب الدم السائل من جروحي على عيني. ما استطعت رؤيته هو أن المتجمهرين يرفعون أجهزتهم المحمولة لمحاولة تصويري وهم يقولون أشياء مثل كل هذا لأنك لا تريدين شرع الله». وعندما نجحت علا في الرد على هاتفها المحمول، عرف زملاؤها مكانها، وبدأوا بمفاوضة «الإخوان» للإفراج عما أسموه «غنيمتهم». أثناء ساعات احتجازها كان هناك ضابط يعطي الأوامر للجنود أمام كشك الشرطة العسكرية، ويتحدث مع «الإخوان» والسلفيين عن المحتجزين. الضابط أشار إلى علا وسألهم «تحبوا نعمل فيها ايه؟ تجيبوا محامين ونستلمها هي والباقيين ولا تحبوا نضبطهم هنا؟». استمر احتجاز علا أمام مرأى رجال الشرطة، واستمرت المفاوضات حول الإفراج عنها. أما المتجمهرون فلم يرضوا بإطلاق سراحها لأنهم يعتقدون أن بحوزتها «مولوتوف». ... وأخيراً تمّ الاتفاق على فك أسرها، بعد أن قام زملاؤها بإجراء العديد من الاتصالات بقيادات الجماعة. «خرجت أخيراً، ولقيت محمد القصاص وعبد الرحمن فارس وإسلام لطفي ومحمد عباس، أصدقائي من حزب التيار المصري، الذين أكملوا بعد الاطمئنان علي في محاولات الإفراج عن باقي المختطفين. بعد تخليصي من الأسر اصطحبني أصدقائي ورفاقي للمستشفى حيث تمت خياطة جروحي والقيام بباقي الإسعافات المطلوبة». ما حدث مع علا لم يجعلها تندم على مواقفها السابقة المضادة للحكم العسكري. «لا شك عندي في أن اختطافي على يد العسكر كان في الأغلب سينتج عنه مصير أسوأ، وتنكيل مماثل، لكن هذا لا يمنعني من التفكير في المقهور الذي تمكن، فقهر».