As Safir Logo
المصدر:

من الشعر الى الرواية و»الحمى المسلحة« بمليون دولار أسعد الجبوري: أول من خان الحداثة هم الرواد

اسعد الجبوري التشظي في الرواية ايضا
المؤلف: الامير عبد الحليم التاريخ: 2000-05-24 رقم العدد:8606

كان الكاتب العراقي أسعد الجبوري المقيم في الدنمارك مع الشعر دائما، متميزا ومختلفا عن الآخرين في كتابة نصه الذي ما زال متقلبا، او انقلابيا، في التجارب التي قدمها عبر سبع مجموعات شعرية، كان آخرها »الامبراطور«. فالشاعر الذي أتقن سحر اللغة، لم يستقر في مكان او على ضفة محددة بعد، لأنه لا يريد الانتماء الى مدرسة شعرية بذاتها، لئلا يكرس النص تابعا لخدمة رمز او كيان أدبي بذاته. انتقاله من الشعر الى الرواية، بصدور روايته الثانية »الحمى المسلحة« قبل أسابيع، كان هو المفاجأة حقا، وروايته تخطت البنيات الفنية واللغوية السائدة، تلك التي هيمنت على عوالم الجغرافية الكلاسيكية للرواية، دون ان تستجيب لما هو مفترض أصلا، ونجح حينما عالج موضوع إرهاب الدول للأفراد بطريقة فانتازية، محمولا على الجنس، ليس كمادة شهوانية، بقدر ما هو أشعة كشف عن حطام بشري مهول يتمركز على هذه الأرض. وعلى الرغم من ان الرواية في طبعتها الانكليزية التي تأخر صدورها بمواكبة الطبعة العربية التي نفدت من المكتبات بسبب شرائها من سفارتي دولتين خليجيتين، كون الرواية تعرضت الى حرب الخليج الثانية، فانها ما تزال تثير الكثير من الغبار ما بين المؤلف ودار النشر الاوروبية، فالكاتب أسعد الجبوري لم يجد نفسه مضطرا للتنازل عن حقه في الانتاج السينمائي مقابل ربع مليون دولار من دار النشر التي سعت من وراء ظهره الى عقد صفقة هامة لإنتاج الرواية فيلما مع احدى مؤسسات الانتاج السينمائية في أميركا. هنا هذا الحوار مع الشاعر الروائي أسعد الجبوري حول الشعر والرواية والعالم. { عبر ماذا ندخل الى عالم أسعد، الشعر أم الرواية؟ الشعر طبعا، فأنا في هذا المقام أولا. { وكيف تنظر الى الشعر اليوم؟ الشعر، هو الذي ينظر الينا، هو الذي يتعقبنا ويفتش عن مخلوقاته في تربتنا، وليس العكس. وعندما لا يفعل النص ذلك، تكون خسارتنا مضاعفة. { إذن.. لنقلب السؤال. الشعر الآن، كائن يتحصن بالعوالم التي يخلقها لذاته بذاته، وهو مضطرب الآن بعض الشيء، ليس بسبب ضعف أصابه في عيونه، بل لأنه يحس بخيانة الآخرين له. الرواد خانوا الحداثة { ماذا تعني بالخيانة؟ أقصد الخيانة الأدبية التي اقترفها بحقه ممن يسمون أنفسهم بالطليعة. أجل، فأول من خان الحداثة هم الرواد، لقد كان هؤلاء، ومن بقي منهم جرح الشعر العربي العميق. كلهم انسحبوا من الفضاء الشعري الجميل الشاسع المطلق، مفضلين القيود والجدران والتعايش مع طقوس غرف الانعاش على الهواء الطلق، تلك كارثة لن تنسى. { ألا تشعر بأنهم قدموا شيئا متميزا للحداثة الشعرية؟ أبدا. وأرفقها بكلمة مع الأسف. { أليس في هذا تحامل او تجاهل للرواد؟ كلمة »رواد« عميقة وواسعة، لا تنطبق على شعراء التزموا العمود الشعري، بفارق بسيط، انهم قدموا نصوصا لتفاعيل متفرقة التوزيعات على أعمدة السيد الفراهيدي، هؤلاء عبيد لأنظمة شعرية غير ملزمة لأحد من الشعراء في عصرنا الراهن. { ألا تخدم أفعالهم الحداثة بشيء ما.. ليتم الخلاف معهم؟ أم لأن البعض من هؤلاء، ما زال يمارس بعض الاعتراضات على شرعية قصيدة النثر؟ أنا ما زلت معتقدا بأن الحداثة لم يبدأ نهرها بالجريان بعد، كل ما كتب وما نكتبه الآن، ليس سوى خربشات على سبورة أفق شعري ما زال مجهولا. اما بالنسبة للخلاف او الاختلاف، فهو قانون يجب الالتزام به بين كل الأطراف الأدبية، فما لم تكن مختلفا، تصبح تاكسي خدمات. وهذا لا علاقة له بالفن، اما الاعتراضات على قصيدة النثر، فهي تشبه اعتراضات الأعمى على تشعب الطرقات والمسالك والمسارات. نقتل الأمل { وما الحداثة التي تقصدها أنت في شعرك؟ ان يتخلص من العقل، وتلك أولى المراحل لتجاوز العثرات في التاريخ الشعري. { إذا كانت خيبتك من الرواد بهذا المعنى، فكيف تحس بالأرتال الشعرية اليوم؟ لست ناقدا لأجتر ثرثرات حول البنية الشعرية العربية. فذلك خارج اختصاصي. وربما أكون بحاجة لمن يدلني على مكمن او طريق او فضاء شعري، لأذهب اليه، وأستخرج منه نصي. المعضلة الآن، بأننا ما زلنا نرتكب المزيد من المعاصي بحق الشعر، وكأن هدف العالم، هو عقلنة هذا المخلوق الشاذ غير المهذب، تحويل الشعر الى دابة من دواب الأرض، كارثة، يأكل وينام ويشخر أحلامه شخيرا، نحن في هذه المرحلة بالضبط، نقتل التأمل في الشاعر، نبتز مخيلته بشهادات الخيانة العظمى، نحطم مدرجاته، لئلا يحلق بالكلمات الى آفاق نجهلها. فالشعر لدينا هو المعلوم، والمعلوم فقط، وتلك مصيبة. { كأنك محبط، أيشمل هذا تجربتك الشعرية؟! لا، لست كذلك، فالشعر خلاصة الروح الآدمية، ومن العار أن يمتلك شاعرا الاحساس بالاحباط، الذنب، ليس ذنب الشعر، بل هو ذنب الذين يتحدثون عن الشعر بهذا المستوى، او ذنب من يكتبون أغاني وموشحات ومعادلات وزينة، ويطلقون عليها تجارب شعرية، هؤلاء شعراء أرضيون بالمعنى التقليدي، ونحن نطمح الى رؤية مخلوقات من غير هذا الطراز بالتأكيد. { قد يكون ذلك ذنب النقد؟ لا أعتقد ذلك، فعندما لا يوجد شعر اختراقي بالمعنى الدقيق للكلمة، فلا يكون ثمة نقد، النص هو الذي يلد الناقد، لا العكس تماما. { ولكن الساحة الثقافية مليئة بالنقاد! أجل، ولكنهم بمثابة حفاري قبور بالنسبة الى الشعر، فهؤلاء ما زالوا يجتهدون بتقديمات الهوامش والأفكار عن شعراء لا يستحقون سوى عبارة »وداعا أيها البؤس«. { كم في هذا الكلام من قسوة.. ألا تجد ذلك مروعا؟ اذا كنا من جماعة الواقعية، فهذه ليست قسوة بالمطلق، قد تكون تشعر بذلك حقيقة، فعلى حساب الشعر، لا يمكن تقديس أية مادة او كائن على هذه الارض، لا يمكن التفاوض على الشعر كمخيلة للطيران ولإكتشاف التيه الذي نغوص في رماله راهنا. { أنت تعمل على جعل العالم عالما شعريا فقط، علما بأنه ليس في هذا المقام، ماذا تريد بالضبط؟ أن يكون المرء حالما دون انقطاع، هل ثمة ضرر في هذا؟ { ولكن الشعر ليس هو العالم، والعكس هو الصحيح ايضا. أنا أهرب من تجحيم الكون بهذه الطريقة، وأرغب بأن يكون عالمنا عالم خردة فقط. { لننتقل الى الرواية الثانية بعد »التأليف بين طبقات الليل« لماذا كانت عوالمها مبنية على الجنس؟ لنفترض كما لو أنها كانت كذلك. ألم تحقق هدفها؟ { نعم. ولكن لماذا اختيار ذلك للكشف عن الارهاب؟ عندما تقفز الى رأسك فكرة، وتنجز عليها رواية كاملة، فلا يمكن ان تسأل نفسك سؤالا من هذا القبيل، للروائي رأس واحدة. فيما للشاعر مئات الرؤوس، لذلك، حاولت بالشعرية التشظي في الرواية قدر الامكان، فكان العالم بهذا الشكل الذي قدمته رواية »الحمى المسلحة«. اما الجنس، فهو ليس هدفا بعينه، بل كان بمثابة سيف حاد للكشف عن أحشاء عالم متداع. فنحن سردين محفوظ في كبسولة الارهاب. مليون دولار { من يقرأ الرواية يلمس تضخيما للوضع الذي يمثله البطل »توتميتو« في سياق الأدوار التي لعبها في مختلف منعطفات الاحداث. هل كان ذلك ناتجا بفعل التوجه لتقليص أدوار الآخرين في الرواية؟ بطل الرواية هو الذي يملك مادة تجديد الخلايا في أجسام الآخرين. وهو المحور والجوهر الذي تتطاير حوله الاحداث. ولكن في ذلك معنى تهميشي للمجموعات التي تحيط به. كل شخص في الرواية، بقدر ما يقدم لتطوير الاحداث، يستحق البطولة، وأستطيع القول بأن مادة تجديد الخلايا، هي البطل الحقيقي في الرواية، وليس »توتميتو« حامل تلك المادة. { ثمة من وصف بأن رواية »الحمى المسلحة« حطمت البنية الفنية التي عادة ما يستخدمها الروائيون العرب في كتابة أعمالهم. الى أي مدى كان ذلك صحيحا؟ أنا لم أرسم خريطة للعمل إطلاقا. ولا تهمني البنية الفنية ولا التفاصيل الاخرى التي ينتهجها الروائيون العرب في كتاباتهم، بقدر اهتمامي بفكرة النص. وهذا ما حدث بالضبط. لقد فاجأتني الفكرة في ثوان. واختمرت في الرأس ثلاثة أيام، ثم دونتها لتنتهي الى ما انتهت إليه خلال 173 ساعة من الكتابة. { قلت انهيت كتابة الرواية خلال 173 ساعة فقط!! نعم. هذا ما حصل بالفعل. وما العجيب في الامر؟ { لأن الروائيين يكتبون أعمالهم خلال سنوات. ذلك لأنهم روائيون في المقام الاول، وليسوا شعراء، هذا هو الفرق. { ما قصة الخلاف الناشب بينك وبين دار النشر الاوروبية؟ خلاف في تفسير بنود العقد حول الطبعة الانكليزية للرواية. اي انني وقعت في نفس مطب تفسير القرار 242 الخاص باحتلال أرض عربية. { ولكن الطبعة الاجنبية لم تصدر. لأن الخلاف لم يحل بعد. فالدار تحاول استحصال تنازل كامل عن حقوقي في تأليف الرواية مقابل ربع مليون دولار، وهذا يتضمن كما فهمت من المحامي، التنازل عن حقي في الانتاج السينمائي. { وهل ثمة توجه لإنتاج الرواية سينمائيا؟ نعم، فقد عقدت دار النشر صفقة يبدو أنها مهمة مع احدى مؤسسات الانتاج السينمائي الاميركية لصناعة الرواية فيلما، لذلك فهي تضغط على الدار لاستحصال موافقتي الشخصية بالتنازل لهذه الغاية. والدار تضغط علي في الاتجاه نفسه. { وهل سيتم التوقيع على عقد للتنازل لحل النزاع قريبا؟ مقابل مليون دولار فقط. { أليس في هذا مبالغة؟ أبدا، أنت تعرف بأن أجر ممثل الدرجة الثالثة في الأفلام الاميركية، لا يقل عن عشرين مليون دولار. ليوناردو كابري يكافأ بسبعين مليون دولار على كل دور يمثله. جوليا روبرتس وجودي فوستر تقبض خمسين مليونا الخ... فما قيمة عمل هؤلاء دون نص هذه الرواية او ذلك السناريو مثلا؟ { ولكن قد لا يتحقق شيء مما تصر عليه؟ ذلك سوف يحدث قريبا، ما داموا يحلمون بالأوسكار، وروايتي ستقدم لهم اكثر من جائزة حتما، في حال صناعتها فيلما، انا متأكد من ذلك، ودار النشر متأكدة من هذا، ولو لم تعرف مؤسسة الانتاج ذلك جيدا، لم تدفع بمحاميها الخاص، ليتبنى دور الوسيط بيني وبين دار النشر لحل النزاع القائم. { ولكن الرواية ضد أميركا! والسينما لديهم تحب الفضائح، وتخوض في الممنوعات الى حدود اللامعقول. غرف العزل { ما مشاريعك المقبلة على صعيد الرواية. هل ثمة جديد؟ هناك عملان جاهزان للطباعة. رواية »اغتيال نوبل« وقد تمت ترجمتها الى اللغة الانكليزية. ورواية اخرى »ديسكولاند« رفض اتحاد الكتاب العرب طباعتها لأسباب لا أعرفها، على الرغم من أنها استحصلت على موافقة قارئين من اللجنة الخاصة، وهو ما يعني انها تستوجب الطباعة، حتى في حال عدم موافقة القارئ الثالث. وكما يبدو فان أمور قراءة النصوص في الاتحاد تخضع لقوانين ما زالت »مجهولة«! { ربما لأن الرواية سياسية مثلا؟ طبعا سياسية. لكن هذا لا يبرر ان تكتب في غير السياسة. في الرواية الاولى التي صدرت عن الاتحاد »التأليف بين طبقات الليل« كان هناك فرض بضرورة اجراء بعض التعديلات، كي تكون صالحة للطباعة. وعندما قطعت الطريق من الدنمارك الى دمشق، وجدت ان التعديلات تتعلق بحذف بعض الكلمات العاطفية. أجل. فقراء اللجان مثلا، يعدون كم قبلة شرعية في هذا النص، وكم ضمة غرامية محرمة في ذاك النص. هم يتحدثون في سياسة مواجهة التطبيع وتشعبات قضايا الوطن والقومية العربية، ولا يميل أحدهم لدعم نتاج الكتاب العرب في أوروبا، ممن يواجهون العنصرية والنازية الجديدة ومنطق الغرب الاستعلائي مع العرب. هل يعرف هؤلاء أن الأديب او الكاتب العربي في أوروبا، ما لم يكن بعقل صهيوني خاص، عليه ان يمشي بقدمين يهوديين، والا فان الحجر يتم عليه في غرف العزل والتهميش؟ المصيبة الاخرى.. وربما هي الأعظم، ان تكتب عملا أدبيا في شهرين او ثلاثة شهور، لينتهي أعضاء اللجان من البت بصلاحيته خلال سنة او اكثر!! الكاتب العربي المغترب او الموجود في الغرب عموما، لم يرغب بجيش مجوقل يرسله اليه الاتحاد او جامعة الدول العربية. ولا بميزانية خاصة لتدعيم ركائز الثقافة العربية خارج حدود العالم العربي، ولكنه يريد ان ينظر للأعمال التي يقدمها اليه هؤلاء، نظرة مختلفة للأعمال التي تتحدث عن عوالم الداخل. فأغلب كتابات هؤلاء تضمن عوالم اخرى، قد تكون غريبة او جديدة، ولكنها تخدم المسار الصحيح للحوار الذي نهدفه ما بين الشرق والغرب. (كوبنهاغن)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة