تاريخيا، فان مفهوم جزين للجغرافيا غلبت عليه مفارقة التبدل ما بين كونها نعمة ونقمة. وفي التاريخ الحديث لوطننا، فان هذه المنطقة ذات الأغلبية المسيحية الرابضة على الحد ما بين جبل لبنان وجبل عامل، وسهل البقاع وشاطئ المتوسط، تميزت بشخصيتها الفريدة ونعمت بفترات من الهدوء والازدهار، ومن ثم بفترات من الاضطراب والركود، وذلك كله للسبب نفسه، موقعها الجغرافي. وفي السنوات الخمس عشرة المنصرمة أيضا، استولدت العوامل الجيوبوليتيكية المتضاربة، المعاناة الأطول التي كان على جزين ان ترزح تحتها بسبب موقعها عند تقاطع مصالح ورغبات اقليمية كبيرة. بدأ الكابوس في حزيران من عام 1982، عندما استولى رتل من المدرعات الاسرائيلية الغازية على المدينة، بعدما نجح عسكريا في قهر مفرزة محصنة من كتيبة مشاة سورية، وقد شكل هذا الحدث تطورا أساسيا في اجتياح اسرائيل للبنان، والذي ما زال وطننا يناضل للتخلص من ذيوله. قبل هذا التاريخ، استطاعت هذه المنطقة المختلطة الطابع ان تعيش السنوات الاولى من النزاع الاهلي بسلام نسبي، معتمدة على علاقات مسالمة وتقليدية مع محيطها المسلم على الصعد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ولقد استطاعت هذه الروابط ان تستمر على رغم اندلاع الاضطرابات وانهيار الدولة اللبنانية في ربيع 1975. وقد كان هذا الامر الاخير موضع استياء وأسف شديدين في جزين، حيث ان ولاء هذه المنطقة للدولة كان مستمرا وواضحا دونما لبس منذ قيام هذه الدولة في العام 1920، وليس ما يفوق ولاء جزين للدولة اللبنانية سوى طاعتها للكنيسة الكاثوليكية. ولقد عاشت المنطقة حالة توتر شديد مع الاختراق المتدرج للجيش السوري للبنان الذي بدأ في كانون الاول 1975 واستمر حتى حزيران 1976، كونها تقع على أحد المحاور الرئيسة لدخول هذا الجيش: مرة جديدة تبرز لعنة الجغرافيا. وبلغ التوتر ذروته عندما قامت مجموعة فلسطينية ولبنانية مسلحة بمحاربة الحملة السورية هناك، غير انهم وحين سيطروا على الموقف، فان السوريين وانسجاما مع خطتهم الآيلة للسيطرة على مناطق واسعة من لبنان في مرحلة لاحقة، أعادوا النظام والقانون، ووضعوا الامور في نصابها من خلال تجميع بقايا الدولة اللبنانية المتهالكة تحت سلطانهم. ومما يحتسب لصالحهم الامر الذي يتناقض بشكل صارخ مع السلوك الاسرائيلي بعد ست سنوات احترامهم للنمط القائم من التعايش السلمي بين المسيحيين في جزين وجيرانهم من المسلمين والدروز في صيدا والشوف وجبل عامل. في هذه المنطقة المعقدة من لبنان، الواقعة جنوب »طريق الشام«، وحيث يتشارك أناس من أديان متعددة في الكثير من الحالات، مدن كبيرة، وقرى صغيرة، يغدو التعايش السلمي والجيرة الطيبة من أساسيات البقاء، وما يجدر ذكره، ان طريقة الحياة البالغة القدم هذه، لها عاداتها المتأصلة وقواعدها الواجبة الاحترام، وقد قدر لهذه المنطقة ان تحيا بسلام ما استمرت هذه العادات والتقاليد، وان تنهار عندما تم الإخلال بهذا التوازن الدقيق. وكان لعلاقات جزين مع سوريا ان تستمر حتى بعد مغادرة الجيش السوري في حزيران 1982، ولكنها تأزمت خلال التسعينات، عندما اعتبرت دمشق مسؤولة عن فيتو وضعته حكومتنا ضد انسحاب مبكر من جزين للميليشيا الموالية لإسرائيل، وهي فرصة دبلوماسية لاحت فورا بعد مؤتمر مدريد السلمي. وبحسب الفهم السوري فان خطوة من هذا القبيل من شأنها ان تضعف الربط القائم ما بين جنوب لبنان والجولان في عملية السلام، من وجهة نظر جزين، كانت هذه فرصة لتسريع عودة الدولة اللبنانية الى المنطقة، ولوقف التدهور الحاصل في العلاقات مع جيرانها والذي يشجع عليه الاحتلال الاسرائيلي. وحدث لاحقا، ان أخلت إسرائيل المنطقة في حزيران من العام 1999، كانت السنوات الاخيرة من الاحتلال مؤلمة بدرجة استثنائية، حيث ان قيادات جزين خاضت معركة شديدة على المستويين الداخلي والدبلوماسي لإنجاز هذا الانسحاب، غير ان هذا لم يرق للسلطات اللبنانية. قوى غريبة قدمت ثم ارتحلت، وجزين بالكاد تعافت من الضعف المزمن للدولة اللبنانية، إذ ولربع قرن كامل، يترك مجتمع محلي عرضة للأزمات بحكم موقعه الجغرافي بمفرده ولشأنه كي يتعاطى مع تطورات جيواستراتيجية معقدة وقاهرة، ولا أهلية لديه سوى بعض من تقاليد وعادات للعيش البهيج مع جيرانه ودعم الكنيسة المحلية، والفاتيكان في لحظات الخطر الأعظم، كما حدث في ربيع العام 1985، كما على الموهبة السياسية لوجهائه. ورغم ذلك استطاعت جزين ان تتجاوز المعاناة الطويلة باللجوء الى خيارات مؤلمة وغير مرغوب فيها، ودفعت ثمنا غاليا جدا: خسائر بشرية واجتماعية واقتصادية. المعاناة نفسها، وان بسياقات مختلفة، أصابت غير مجتمع محلي في جنوب لبنان، بمعزل عن انتمائه الديني، وفي هذا الإطار فان مأساة قانا كانت معلما بارزا، ولا يمكن اعتبارها حادثا منعزلا. وبهذا المعنى فان معاناة جزين لم تكن استثناء، رغم ما تحمله من معنى خاص لسكانها وجيرانهم على حد سواء، إذ سوف يكون عليهم جميعا ان يضمدوا العديد من الجراحات، وباعتقادي الصادق ان الجميع جاهزون وقادرون على ان يعبروا باتجاه مشوار المصالحة. في الوقت الراهن، فان القاسم المشترك الاقوى بين كل مجتمعات الجنوب بالتأكيد هو في رؤية نهاية الاحتلال الاسرائيلي في أقرب فرصة ممكنة. وبموازاة ذلك أهمية، هناك هدف آخر يتمثل بعودة الدولة اللبنانية، لتفرض احترام القانون والنظام على الاراضي اللبنانية المحررة، ولتمنح الخدمات الاجتماعية ولتطلق مشاريع التنمية اعادة إحياء الجنوب، ولتقود عودة سكانه الى مدنهم وقراهم. منذ الانسحاب الاسرائيلي من جزين في أوائل حزيران 1999، أخفقت الدولة اللبنانية في تأكيد سلطتها هناك، وبالرغم من الزيارات الاحتفالية من قبل رئيسنا ورئيس حكومتنا بعد أيام فقط من تحرير المنطقة، تركت جزين تغرق مجددا في بقايا الستاتيكو السابق الذي انهار في الصيف الماضي، إذ أحجمت قوى الجيش اللبناني عن الانتشار في المنطقة، وظلت حركة السكان بمن فيهم السكان المحليين والبضائع خاضعة للاجراءات الامنية المشددة نفسها التي كانت ترزح تحتها عندما كانت تحت الاحتلال الاسرائيلي. هذه الاجراءات، اضافة الى الأحكام بالسجن التي غير المستحقة لحوالى مائتين من الأعضاء السابقين لميليشيا جيش لبنان الجنوبي، كانت موضع استياء لدى الرأي العام المحلي واعتبرها بمثابة رفض من الدولة اللبنانية لقبول عودة جزين الى الحضن الوطني. هذه الاجراءات التي ما تزال قائمة منذ سنة تعادل وضع المنطقة وسكانها تحت الحصار، مما يضاعف من تأثير الازمة الاقتصادية القاسية الموجودة بالأصل هناك. أضف الى ذلك، ان أهل جزين باتوا ينظرون الى تطور السياسة الحكومية خلال الأشهر الاثني عشرة المنصرمة على اعتبار انها سياسة إذلال لا يستحقونها ولا يرحبون بها. ولكن، وعلى الرغم من معاناتهم المديدة، يستمر أهل جزين بالأمل بمستقبل أفضل، ولو سئلوا ان يضعوا آمالهم بكلمة واحدة، لكان الجواب العودة الى نمط الحياة الطبيعية، هو هدفنا الدائم والطويل الأمد: } العودة الى الحياة العادية يعني الذهاب بحرية الى صيدا والشوف، والى النبطية وصور، وكذلك لمواطنينا أيضا من كل هذه الامكنة وغيرها ان يأتوا ويزورونا من دون أية قيود في جزين. آن لنا جميعا في جنوب لبنان ان نستعيد حياتنا العادية معا، ان نتعاون سويا بمصيرنا المشترك، وان نبني سويا مستقبلا اقتصاديا أفضل، وكذلك حياة أفضل. } العودة الى الحياة العادية تعني لنا ان نرى انتشار الجيش اللبناني في منطقتنا، يضمن النظام ويوفر الحماية والأمن، ويستأنف حملات التجنيد من المنطقة التي شكلت تاريخيا أحد خزاناته التقليدية. } العودة الى الحياة العادية، هي في رؤية الحكومة مدعومة من المجتمع الدولي تقوم بدمج جزين في خطة إنماء لجنوب لبنان، مستهدفة اعادة اللحمة الى النسيج الاجتماعي الممزق، جنبا الى جنب مع إعمار البنى التحتية المدمرة. } العودة الى الحياة العادية هي في رؤية تطور آلية سياسية نزيهة عادلة وحرة، بحيث يستطيع أهالي جزين اختيار ممثليهم الى البرلمان، وانتخاب بلديات كفوءة. نحن في جزين، لم نشعر يوما اننا نعيش في جزيرة، نحن ندرك بقوة أنه ومن أجل ان تتحقق آمالنا فان الجنوب بأكمله يجب ان يخطو الى مرحلة جديدة، حيث يجب على الاسرائيليين ان يغادروا، وحيث يجب على الدولة اللبنانية ان تقوم بواجبها الوطني، نحن نتفهم المعوقات وضعف امكانات الدولة، ونأمل انه وبدعم من المجتمع الدولي، فان الدولة اللبنانية ستقوم بتنفيذ التزامها الوطني في جنوب لبنان، ولكن يجب ان نعلن بكل وضوح انه وفي حال السماح بتطور الستاتيكو السلبي الذي يحكم جزين راهنا ليمتد الى ما تبقى من جنوب لبنان فان ذلك سوف يجلب وعلى المدى القصير، إحباطا للناس، وانهيارا للاقتصاد ومن المحتمل ايضا ان يؤدي الى هجرة دائمة للعديد من الناس الذين قاوموا وبقوا هناك تحت الاحتلال. يجب ان لا تفوت الفرصة الراهنة السانحة لانسحاب اسرائيلي كامل من جنوب لبنان التزاما بالقرارين 425 و426، ويجب ان تعود المنطقة المحتلة برمتها ومع سكانها الى عهدة السلطة غير المنقوصة للدولة اللبنانية. نحن في جزين، سويا مع كل المواطنين اللبنانيين في جنوب لبنان، نأمل بقوة ان يضع الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان هذا الصيف نهاية للمرحلة المأساوية في حياتنا وفي مسيرة وطننا. انه أملنا الصادق، ورغبتنا الشديدة ان نشهد بزوغ فجر جديد على جنوب لبنان، ونحن نصبو الى المشاركة الكاملة في إطلاق حياة طبيعية وآمنة هناك. في هذا المجال، نحن مدركون تماما لدورنا، وهو في اعادة جزين الى حالتها السابقة كواحة للحوار، ومركز للقاء، ومنبر للمجتمع المدني حيث يبلور الاجماع ويعلن حول القضايا المحلية كما الوطنية على حد سواء. نحن متنبهون لدورنا في الجنوب، وجاهزون للقيام به ولدينا كل التصميم والفخر للنهوض بأعباء مسؤولياتنا الوطنية. * سفير لبناني سابق في واشنطن.