تفضّل الدرب الأطول المحفوف بالصعوبات على الدروب السهلة
بعد مجموعة أولى لافتة، تصدر لزهرة مروة مجموعة ثانية بعنوان «الإقامة في التمهيد» (الدار العربية للعلوم ناشرون)، وفيها تأخذ الكاتبة الشابة أسئلتها إلى منطقة أخرى، غير تلك التي عرفناها في المجموعة الأولى، وكأن في التجريب، قلق يجعلها تسائل الشعر بشتى الوسائل. حول كتابها هذا كان هذا اللقاء: ما بين «جنّة جاهزة»، مجموعتك الأولى، و«الإقامة في التمهيد» (الثانية) فترة زمنية قصيرة، هل هي قصائد قديمة نشرتها اليوم، أم ثمة شيء آخر؟ ^ نعم، إنها قصائد قديمة باعتبار أني نشرت ديواني الأول «جنّة جاهزة» بعد سنة من كتابته، في هذا الوقت بدأت تتوالد عندي قصائد جديدة، أي هناك فترة سنة و8 أشهر بين الديوان الأول والثاني. شيء ما في داخلي بدأ ينضج ويحثني على كتابة قصائد جديدة. لم أشأ أن تكون مجموعتي الشعرية الثانية بمثابة تكملة لمجموعتي الأولى، بل لأقل قتلت نفسي في الديوان الأول كي أتوالد من جديد في الديوان الثاني. لذلك اعتمدت أسلوباً مختلفاً في الكتابة في تجربتي الجديدة. وبرأيي فإن على الشاعر أو الكاتب أن يسعى إلى تطوير ذاته عبر المطالعة والنقد الذاتي. ربما لن يعرف القارئ هذا، في أيّ حال، حين قررت النشر ألم تخشي أن يقال إنك على عجلة في إصدار مجموعتك الثانية؟ ^ ربما تسرعي في النشر يعود إلى خوفي من أن أنضب شعرياً، هذه الهواجس تطالنا جميعاً نحن كشعراء. أعتقد أن عطاء الشاعر يكون في أوجه في مرحلة الصبا أو الشباب، حيث تكون روح الشباب متفجرة في أعماقه ويكون ظمأه إلى الحياة في أقصاه. أردت التكمش بهذه اللحظات واستغلالها شعرياً كي لا تهرب مني. كلنا لدينا هذا الهاجس، لكن ما زلت في البداية، من أين يأتي هذا الخوف؟ ^ أنا دائماً على قلق، وأعتقد أن القلق والخوف يرفدانني شعرياً. ومن أين يأتي الشعر؟ ^ كما أجبتك سابقاً، القلق يولّد عندي الكتابة. كما أن الكتابة أو الشعر بالنسبة إليّ هي مسألة مصيرية، فأنا أعيد بناء معالم هذا العالم عبر الكتابة، أي أتصالح معه أكثر، كما أنني أتصالح مع ذاتي عبر الشعر. ربما الشعر هو تعويض عن نقص دفين فيّ. كما أن الكتابة عندي تأتي من الوحدة. أحيانا أكون محاطة بالناس وأشعر بالوحدة وبالغربة. من الصعب أن يعثر المثقف أو الشاعر على أناس يفهمون هواجسه أو يشاركونه إياها، ربما قد يتهمونه بالغرابة أو الجنون، عندها يكون القلم صديقه الوحيد. كما أني أومن بنظرية يونانية تدعى «كاترسيس» أي التطهر عبر الفن، فالفن بشكل عام يساعد على تنقية الذات وتطهيرها من المشاعر السلبية. أي عبر الشعر أعود أكثر براءة وأشعر أني دائماً «في التجربة الأولى». هل هذا القلق هو أيضاً الذي دفعك إلى تغيير «أسلوبك»، فالمجموعتان مختلفتان من حيث المقترب الأسلوبي، كيف تفهمين هذا التغيير؟ ^ نعم القلق هو الذي دفعني إلى تغيير أسلوبي في الكتابة. كما أني شعرت أيضاً بالمسؤولية ولم أرد أن أقلد تجربتي الأولى. وبرأيي، عندما يقرر الكاتب أن ينشر كتاباً جديداً، يجب أن يكون هذا الكتاب مختلفاً، أي أن لا يكرر ذاته. أنا دائما أعمل على ذاتي، وأطور نفسي شعرياً عبر المطالعة والنقد الذاتي. نعم اشتغلت كثيراً على جملتي الشعرية في ديواني الثاني وأدخلت إليها نوعاً من الحرفة. أي أن ديواني الثاني «مشغول» أكثر من الأول، طبعاً من دون أن يؤثر ذلك على عفوية اللحظة الشعرية. لكن هذه العفوية التي تتحدثين عنها، تتبدى هنا نابعة من تجربة كبيرة في القراءة، هل أتيت إلى الشعر من قراءته؟ ^ في البدء بدأت أكتب الشعر، عندما كنت في السابعة عشرة من عمري، كانت الكتابة هي الوسيلة الوحيدة للتعبير عن ذاتي في ساعات الكآبة والاختناق. بالطبع يومها، لم تكن معالم القصيدة عندي مكتملة، كانت بمثابة شذرات أو لمحات بدأت أطورها عبر السنين، عبر المطالعة. بدأت أقرأ قصيدة النثر، وبدأت تتشكل عندي القصيدة شيئاً فشيئاً. هل تشكلت؟ ^ طريق الشعر صعبة وحافلة بالمتاعب. منذ قررت دخول عالم قصيدة النثر، عاهدت نفسي على الجدية وعلى احترام ذوق القارئ، وشيئاً فشيئاً بدأت أشعر بمسؤولية أكبر تجاه الشعر. برأيي، قصيدتي لم تصل إلى اكتمالها النهائي وسأصاب بخيبة إن اكتشفت يوماً أن قصيدتي تشكلت نهائياً، لأني أفضل «الدرب الأطول»، أفضل الدرب المحفوفة بالمصاعب والمطبات على الدرب السهلة. لا دروب سهلة في الشعر، بالأحرى أفضل ما في الشعر أن المرء لا يصل فيه إلى الاكتمال. ^ بالضبط هذا ما قصدته. على الشاعر أن ينتقد ذاته باستمرار على أمل أن يصل، وربما لن يصل... وبمجرد ما وصل، سيصاب بخيبة. بالنسبة إليّ، أفضل دائماً أن يكون هناك طريق عذراء لم أسلكها من قبل أو حلم لم أحققه، لأن الحلم هو دائماً أجمل من الحقيقة وأمل الوصول هو أجمل من الوصول. إلى أين تريدين الوصول؟ ^ أريد الوصول إلى السلام الداخلي لا أكثر، وما دام الشعر لا يوفر لي متعة واكتفاءً ذاتياً، سأواظب على كتابته، وسأظل أنتقد ذاتي وأطورها. ما يهمني أكثر من أي شيء آخر هو أن أكون صادقة مع نفسي، وأن أعبر عن ذاتي بصدق. وبرأيي أن الصدق هو السبيل الوحيد على الفن، لأن الفن هو أولاً وأخراً تعبير عن الذات وسبر أغوار النفس. أجرى الحوار: إسكندر حبش