As Safir Logo
المصدر:

»وقام في اليوم الثالث« أوبريت رحبانية على مسرح كازينو لبنان ضخامة مشهدية على أفكار كاريكاتورية.. والنص أضعف الحلقات

مشهد راقص عن المسرحية
المؤلف: باشا عبيدو التاريخ: 2000-05-22 رقم العدد:8604

افتتحت عروض مسرحية »وقام في اليوم الثالث« لأسامة الرحباني (فكرة وموسيقى وانتاج)، إخراج مروان الرحباني، نص منصور الرحباني، مساء الخميس الماضي. وهي تستمر يوميا، على خشبة مسرح كازينو لبنان، التاسعة مساء، ما عدا أيام الاثنين. الرواية المعروفة عن السيد المسيح في قالب غنائي استعراضي راقص. »وقام في اليوم الثالث« للرحابنة، لا تبحث في جوهر معمار العلبة الايطالية. هذا ليس مطروحا لدى مروان الرحباني وأسامة الرحباني ومنصور الرحباني. لأن النوعية المغايرة للمسرح لديهم، تقع في مفهوم الوراثة. من ذلك، يجيء اللعب على المسرحة، من داخل »الاوبريت« الرحبانية، التي تحيد هنا الى »الشو« الاستعراضي. »وقام في اليوم الثالث« أقرب الى »الشو بيزنيس« الاميركية، مع حفظ الفارق بين »الشو« اللبنانية و»الشو« الاميركية التي تتمتع بتاريخانية لا تتمتع بها اللبنانية. مروان الرحباني في »وقام في اليوم الثالث« يتخطى سقراط على الصعيد المشهدي. ولكنه في تخطيه هذا، يأخذ تكسراتنا الحضارية بعين الاعتبار. وكذلك يأخذ تابوهاتنا بالاعتبار ذاته. سوف يقودنا هذا الى التوقف أمام النص، الذي حاول الاخراج محاورته بما ملكت يدا صاحبه من رهافة وحس وخيال. اذ ان تفجير الممكن الكامن في النص، يحتاج الى حضور الممكن الكامن. في غيابه تتحول عملية الاخراج الى عملية شكلية. او يتحول الى عملية بحث دائبة عن الفكر الذي يسند الاخراج حضوره اليه. أحسب هنا، ان الفكر متضعضع الحضور في المسرحية الرحبانية الجديدة، من عنصرين مؤثرين حاسمين. الاول: التعاطي مع حكاية السيد المسيح الجاهزة، المشفوعة بحضور راسخ وأكيد لدى العامة وغير العامة. والثاني: رغبة بناء مسرحية غنائية راقصة، بطلها ليس رجلا عاديا، ولو ان المسرحية، ركزت على عاديات. ثم ان جهوزية الحكاية بنت باباً ثقيلا على عوالم المخيلة. أخلاقية المعادلات ثنائية وخطرة أمام الرحابنة. حضور المسيح ووضعه في اطار فني. التجديد القائم على محاولات سابقة او الوقوع في قوة وهجها. يغني او لا يغني، يرقص او لا يرقص. يرقص العاديون أمامه ام لا يرقصون. وضعه كإنسان او رجل قداسة. هكذا ترددت الرؤية الاخراجية، سمحت للمسيح بالغناء ولم تسمح له بالرقص. ولكنها في الحالتين، بقيت أسيرة قوة السيرة، التي اختزلت هنا، حتى بدت سيرة محض أخلاقية، تعيد إنتاج السائد والدارج عن السيد المسيح، بطرق مبسطة وليس ببساطة. والبساطة غير التبسيط. أما الاخير، فإنه أوقع معظم الشخصيات في تسطيح غير مبرر. أوقع الاحداث في ترجمة، سطحت المعاني، وحرفتها الى ميكانيكية ترجمة كاريكاتيرية. كأن يأخذ السيد المسيح قطعة عملة، عند باب الهيكل من أحد التجار، ليسأله عن صاحب صورة النقش على أحد وجهيها. وحين يجيب التاجر، بأن الصورة هي صورة قيصر، يرد المسيح بالقول: دعوا ما لله لله وما لقيصر لقيصر. في لحظة جمالية فارقة، شهدها مشهد تجار الهيكل، أطاح النص بالقوى التعبيرية للجماليات. فأن تحدث مثل هذه الترجمة، فإن في ذلك ما يحيل العملية الوضعية التشكيلية الى عملية خاصة بإنتاج ظروف وشروط أداء هذه الجملة. وليس العكس. أي ان يتداخل الكلام في اللعبة الفنية، كجزء من هذه اللعبة. الفصل الثابت، أطاح بمجموعة كاملة من المشاهد، وبالاخص في المشهد الاول. اذ ان المسرحية في فصلين. حكاية جدة كأنني أبغي التأكيد على ان النص هو أضعف حلقات »وقام في اليوم الثالث«. وهذا صحيح. لأن فرز التوجه في سيرة قدسية تاريخية، مدغومة بإيمان جماهيري عارم بها ليس قضية عابرة. بل في منتهى الخطورة. باعتبار ان طرح سيرة السيد المسيح على بساط الكتابة المسرحية، يبقي عمليا المسرحة في أطرها الضيقة. هكذا راوحت »وقام في اليوم الثالث« عند أفكار عديدة. الدخول في خطر فكرة تجريب على السيرة. او تركها كما هي. هنا سقطت المغامرة، لأنها اذا ما وقعت تنطوي على جرأة استثنائية، تقيم فضاء استثنائيا وتغير في آليات وأساليب العمل بين أطراف الابداع المسرحي. ولأن هذا بدا مستحيلا، جاءت الحكاية كحكاية جدة تروي لحفيدها حكاية السيد المسيح في مناسبة مرور ألفي سنة على ولادته، لكي ينام. وليس لكي يصحو على حقائق تلك السيرة المدموغة بالتضحية، معطوفة على بعض الاسقاطات السياسية المباشرة، غير الثقافية. وهي إسقاطات، هدفها توليد الكوميديا، أكثر من هجاء الاطراف المقصودة بالاسقاط. هذا دأب منصور الرحباني، واحد من كبيرين أقام تجربة لافتة، في تاريخ تجربة المسرح اللبناني، إشارة توجب الانتباه إليها، لأنها لا تقيم ملاعب صبية في أفراح، قدر ما تحرف العمل عن غاياته وأهدافه الحقيقية. حدث هذا في سقراط ويحدث في »وقام في اليوم الثالث«، نبرة مواقعها أكثر وأكثر في نصوص منصور الرحباني الذي كلما اختار شخصية تاريخية، رسمها كشخصية في اللعبة اللبنانية المستمرة منذ العام 1920. وفي لعبة أصابها الاهتراء في مراحل بعيدة، اهتراء يصيب المصوغات المستلهمة سير الشخصيات لصالح الموضوعات اللبنانية. روح شبابية النص، أضعف حلقات »وقام في اليوم الثالث« النص ضعيف، لا مفاجأة فيه ولا إدهاش ولا شغل على الحكاية التاريخية، وهو يكاد يدور حول نفسه وإعياء وبحثا مضنيا في سيرة السيد المسيح، وطالما ان الاستفادة من موقع الحكاية التاريخية، لا يجري بشغل الكتابة وإحساسها من ثبات الوقائع وترديدها بدون كلل، فإن حجة المسرحية تبقى حجة مكرورة ومطروقة في الوقت نفسه لتبرير القداسة في مساحة فساد دولة، وذلك من جراء ضعف بنية الدولة وتهافت نسيجها الاجتماعي والسياسي. وصلت الرسالة، غير انها رسالة ناقصة، الدولة فاسدة وهشة وضعيفة، يبقى القديس والقداسة، بلد عاجز عن إنتاج طاقم سياسي جديد، يعجز عن إنتاج قديس حكما، ثم ان القديسين، لا تنتجهم أوضاع فقط أرضية ولن تنتجهم إرسالات الدشات الاقرب الى السماعة، حاجة إشارات الرسل والانبياء، عمق المسرحي ساكن. عمق سكوني، يحول التجربة المسرحية الى تجارب متفاوتة القيمة، النص شيء، الموسيقى شيء ثان، الاخراج شيء ثالث، غياب مغامرة الخروج على المألوف، دفع المسرحية كلها عن الاقدام. أصبحت الموسيقى ذات قوة مضاعفة، كما أضحى الاخراج في طريق بحثه عن هويته، باستقلاله عن عملية الكتابة العادية، اللا عادية الاخراجية في مواجهة عادية الكتابة، عملية محفوفة بالمخاطر قد تفضي الى حال شكلانية، أي تشكيك يروي بدون ان يحتاج الى عناصر الرواية الشفاهية، وقد حدث هذا في أكثر من ساحة في »وقام في اليوم الثالث«، كما حدث في مشهد الصعود الى السماء، وهي شكلانية تعززت في حضور سينوغرافيا وديكور اغنيس تريبلن التي لعبت دورا بارزا في الابهار المشهدي، في الفصل الثاني، ديكور ضخم في سينوغرافيا متحولة، ترسم هيكلا كما ترسم العشاء الاخير للسيد المسيح، عنصران متداخلان يخدمان المشهدية المبنية على روح »الغرنديوز« في »وقام في اليوم الثالث« عنصران فريدان في »الميوزيكهول« او »الشو« او »الاوبريت« المعدلة، ضخامة بنية وضخامة موسيقى وضخامة رسم مشهدية. لم تقف الموسيقى عند حد الضخامة، فهي أجرأ العناصر في اللعبة المسرحية الرحبانية، أكثرها تنوعا وأكثرها حضورا وظيفيا، انها لا تحضر مجانا، لأنها تعمر حضورا ذا معنى دلالي واضح، انما تتحول الى مرموز المسرحية الاول، ولكن موسيقى في هذا المستوى، وهذه السيولة، وهذا اليسر، يعيبها استعمال هاجسها لفكرة موسيقية في مشهد كامل في فيلم »غلوري« الذي يتحدث عن كتيبة سوداء في الحرب الاهلية الاميركية. يحضر المشهد هنا، بدون ذكر المرجع، مجموعة من السود تبوح بمكنوناتها على ترداد كلمة »غاد« (الله)، جاز وبلوز وروك وروك اند روك وشرقيات ربع صوت واكورات وغامات، مصبوبة في مصوغات متعددة. اسامة الرحباني، يبرز كموسيقي في هذا العمل بتخطيه أعماله السابقة، ولو ان أغنيات بداية المسرحية ذكرت بكليباته الانتقادية أظن ان الاستعانة بغسان الرحباني تبررها كثيرا الموسيقى ذات الروح الشبابية في المسرحية. المسيح ثائر ولكنه مسالم، في مجتمع مضطرب بين سلطة رجال الدين الخائفين من دعوة المسيح وبين روما. لن يجد رجال الدين غضاضة في دعوة المحتل لكي يساعدهم في وأد ثورة المسيح. يصلب المسيح في نهاية الامر، في لقطة جمالية باهرة. النجوم ترش خلفية المسرح، تشكل خلفية الصلب. ينسحب الصليب، حتى يبقى المسيح مصلوبا في الفضاء، لعلها أجمل لحظات المسرحية وأخصبها وأقواها تأثيرا وتعبيريا، وان بقيت تدور في الروح الدينية والنبرة الايمانية. هذا ومن المقلق ان يذهب الرحابنة الى المواضيع ذات الطبائع الايمانية، ذات الروح التردادية، ثمة شعور تطهري، على الارجح، قاد الرحابنة الى اختيار حكاية السيد المسيح. غير ان الحكاية هذه، في قراءة اسامة الرحباني لها، بقيت قريبة من حصاد الغربيين للشخصية، أكثر من حصاد الشرقيين لها، مما ذكر في أكثر من محطة بأعمال مسرحية ك»المسيح سوبر ستار« وشغل زيفرللي على المسيح طريقة أثيرة، وليس ميلا الى الاستسهال، لان إنتاج الذات من خلال الآخر قضية مشروعة، اذا ما أخذت هيئة الآخر بالروح البيئية الشخصية. إلا ان اللافت في »وقام في اليوم الثالث« ان شخصية السيد المسيح، كالشخصيات الاخرى، بقيت في أعطافها البسيطة. لم يمنحها ثقل وجودها الفيزيقي مشروعية حضور في حجم حضور متوقع، في خريطة واسعة. المسيح متواضع. ولكنه مجتزأ الصورة، على ما يبدو في التركيز على ولعه بقلق خارجي وطمأنينة خارجية. لم يكن في وسع الممثلين ان يفعلوا أكثر ما فعلوا، أمام المعطى الضخم لقيام المسرحية على ثلاثة عناصر جوهرية أساسية في »وقام في اليوم الثالث«. الاخراج من مروان الرحباني المتمكن اكثر. الموسيقى من اسامة الرحباني الاوضح صورة في المسرحية الجديدة والسينوغرافيا (ديكور واضاءة...). الاضاءة ممتازة في رسمها وثائر الاحداث الداخلية، انها تشد الشخصيات الى أقدارها وتروي بالوشاية. وهي إضاءة ساهمت في بناء مشاهد تشكيلية ممتازة في بعض الاوقات، كمشهد مغادرة يهوذا للعشاء السري. من واقعية العشاء الى شاعرية المطرح المرسوم كغواية مستمرة. لوحات الاكواريل كثيرة. استعمال لمادة الزيت التشكيلية السميكة. الشعر في الاضاءة أكيد. شعرية النص المنتظرة غائبة، الاضاءة تعادلها شعريا. »البلاي باك« كما النص، أثر في أداء الممثلين. صدهم في مستواه الحاضر. شخصياتهم، صور شخصيات. تمردهم على الصورة يحدث في هذا المكان وذاك. وهي صور تشكيلية ايضا، أقرب الى شخوص بوتيرو المنفوخة وفي منأى عن حجمها الاساسي. غسان صليبا (المسيح)، ليس الشخصية الرئيسية. الشخصية الرئيسية هي شخصية يهوذا (غسان الرحباني). مع ذلك بقي صليبا أمينا لشخصية كما رسمها النص والاخراج. وكذلك كارول سماحة الاكثر قربا الى صورة المغنية من صورة الممثلة من طبيعة المسرحية الغنائية الكاسحة. وهذه حال غسان الرحباني الذي لعب شخصية مركبة من عنصرين. واحد ايماني مقلوب والآخر تآمري ملتبس. انطوان بلابان في شخصية عفوية. أما الرقص، فكما النص، عند حافة الاقتحام ولا يدخل معناه. وهو متفاوت بين رقص تعبيري (دوللي صفير) وتعبير يستلهم الايقاعات الشعبية في اللف والدوران وكسرها حين يجب. رقص الجنيات أكثر حرية من الرقص في مواقعه الاخرى. »وقام في اليوم الثالث« في أيام عرضها الاولى. وأظن ان إعادة النظر في الفصل الاول واجبة، لان المراجعة وحدها كفيلة برسم توازن لازم بين الفصلين المتفاوتين بقوة لصالح الفصل الاول. كأن الفصل الاول كتمهيد ليس أكثر للفصل الثاني. ولكنه يفتقد مع ذلك، روح »الكريشندو« التي ترفع الاداء البصري والسمعي رويداً رويداً. ولكن لماذا قدم الرحابنة سيرة المسيح. لم تجب المسرحية على ذلك. هذه معضلتها الاولى.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة