يحتفظ أنطوان جرجورة بورقة صغيرة تتضمن خبر افتتاح والده لمعمل الألبان، الذي يعود إلى العام 1922. وهي سنة تأسيس أول تلك المعامل في منطقة شتورة، التي يصدق القول إن ذلك أحد أعمدة شهرتها، التي تعود إلى «عرايس اللبنة، والقريشة، والجبنة». ارتبطت شتورة بمحال الألبان التي راجت بفعل موقعها كمحطة للعربات. فشكلت تلك المحال استراحة للمسافرين، إلا أن تلك الصناعة تطورت مع الزمن، بالرغم من اندثار محطة العربات والخيول. وتحولت تلك الاستراحات إلى مقاصد إلزامية لزائرين يتوافدون حتى من خارج لبنان إلى شتورة للتزود باللبنة والجبنة. وتعود حكاية «عرايس اللبنة» في شتورة، وجديتا، وتعنايل، إلى ما قبل العام 1922. ويرجع أساسها إلى دير تعنايل و«ملبنته»، التي كان يعمل فيها جرجورة غطاس عيد، الذي يعد أول من أدخل صناعة اللبنة والجبنة إلى شتورة، بعدما أقام استراحة صغيرة، ليتـــوالى من بعده إنشاء الاستراحات المنتشرة من ضهر البـــيدر إلى شتورة مروراً بجديتا. وعمل جرجورة في «ملبـــنة الدير»، وعاش فيه طفلاً يتيماً. وبـــعد تركه للدير، أســـس محلاً لبيع «عرايس» الجبنة، التي كانت تقــــتصر في تلـــك الفـــترة على جبنة فرنسية، يطلق عليها اســم «كممبــير»، لاقــت طلباً ورواجاً عنـد عناصر الجــيش الفرنسي. وكان البعـــض يقوم بنـــقل الجبنة والعـــرايس إلى ثكنة رياق لبيعها. كما أسس آخرون محالاً جانب ما كان يعرف بمحطة شتورة للخيل وللعربات. وبعد انتـــهاء الانتـــداب الفرنسي، تحـــولت «كممبير»، كما يقول أنـــطوان جـــرجورة «إلى جبــنة حملت اســـم شتورة، وكنا نبيع جبنة وزبدة». ويذكر جرجورة أن صناعة الزبدة كانت المدخل لصناعة اللبنة، فما كان يتبقى من حليب بدون دسم بعد استخراج الزبدة يتحول إلى صناعة اللبن والبنة، التي أكملت تطورها حتى باتت شهرتها تتلازم مع موقع شتورة. ويتحدث جرجورة عن «الزمن الجميل»، الذي يقصد به مرحلة حكم الرئيس كميل شمعون، وبدايات حكم الرئيس فؤاد شهاب، حين «عرفت صناعة اللبنة والجبنة في شتورة ازدهاراً كبيراً، ثم تراجعت في عهد الرئيس الياس سركيس، إلا أن تلك الصناعة عادة وازدهرت وعاشت عصرها الذهبي مجدداً مع بداية اتفاق الطائف، وعهد الرئيس الياس الهراوي، الذي ترافق مع ارتفاع نشاط حركة العبور بين لبنان وسوريا، إن كان عبر خط الوفود السياسية بدءاً من الرئيس اليـــاس الهراوي، إلى رؤساء الحكومات والوزراء، واستراحاتهم في محـــال اللبنة والجبنة في شتورة، بانتطار أوان الموعد المطـــلوب». ويضـــيف جرجورة إلى ذلك «ما نتج عن حـــركة العبور بين لبنان وسوريا، التي كانت تقوم بها عائـــلات لبنانية وسورية، وأفراد، وطواقم الســفارات العربية والأجنبية العـــاملة في الشــام، والتي كانت تقصد شتورة من أجل عرايس القريشة بالعسل، واللبنة، إضافة إلى العائلات الأردنية». ومع بداية الأحداث السورية، تراجـــعت مبيعات تلك الصناعة، فانخفض استهـــلاك اللبنـــة من 200 كيلوغـــرام في اليوم الواحـــد في المحل الواحد، إلى حدود 40 كيلوغراماً، والســـبب جمود حركـــة العبور ما بــين لبنان وســـوريا، ذلك عدا عن خسارة زيارات طواقم السفارات العربية والأجنبية. رواد محال اللبنة والجبنة في شتورة «كثر ولا يحصون»، والكلام «للعم الياس»، الذي تجاوز الثلاثين سنة في لف عرايس اللبنة والجبنة والقريشة بالعسل. ويعد العم الياس جزءاً من ذلـــك التراث، فعابر شـــتورة بأي اتجاه، له محطة إلزامية علـــى طاولته وابتسامته التي تلزم مـــشاهدها بتــكرار الزيارة. يتحدث العم الياس عن ذكريات وصور لا تـــزال في الذاكرة لرؤساء الجمهورية، ووزراء لم يعبروا شتـــورة إلا واستراحـــوا في محال اللبنـــة التي باتت تشكل جزءاً أســاسياً من تاريخ المـــدينة.