النيّة السوريّة المعلنة عن إنتاج قمر صناعي للبثّ الفضائي، لم تأتِ من الفراغ طبعاً. خبر إطلاق هذا الخبر، كان قد انتشر على مواقع إلكترونيّة أمس، نقلاً عن «مسؤول في وزارة الإعلام السوريّة». وبدا المشروع منطقياً لكثيرين، خصوصاً أنّ الحكومة السورية باتت محاصرة من زوايا عدة، وأبرزها الزاوية الإعلامية. وقد اشتدّ هذا الحصار مؤخراً، مع منع البث الفضائي لقنوات سورية رسميّة عن أقمار «نايل سات»، «عرب سات» و«هوت بيرد». هذا الحصار، أعاد إحياء فكرة إطلاق قمر صناعي سوري أو مشترك مع دولة أخرى، قد تكون الهند أو روسيا أو إيران. وهي فكرة قديمة، دفنت لسنوات في أدراج البيروقراطيّة الحكوميّة. في اتصال مع «السفير»، نفى وزير الإعلام السوري عمران الزعبي وجود أي نية حالياً لدى حكومته، لتنفيذ مشروع مشابه، من دون أن ينفي في الوقت نفسه عملها على مشاريع أخرى، «ولكن ليس بالمستوى ذاته». وأشار الزعبي إلى أنّ «سوريا ليس لديها القدرة المالية على ذلك، رغم أنّها أجرت سابقاً تجارب لإطلاق أقمار صناعيّة نموذجيّة، وصغيرة، من إنتاج مركز البحوث العلمية». ولدت الفكرة حين بدأ الحصار على قناة «المنار» اللبنانية، بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان في تموز/ آب 2006. طرحت حينها فكرة قمر مشترك بين سوريا وإيران وروسيا أو فنزويلا وربما الهند، لمواجهة الاحتكار الخليجي والأوروبي للبث الفضائي، لكنّ ذلك الطموح لم يبلغ مرحلة النقاش العملي. الحاجة إلى إعلام فاعل، بقيت عقدة السلطة في سوريا لعقود. لكنّ ذلك الهاجس، لم يرقَ إلى حدّ التنفيذ. وبدأ السوريون التفكير بأفق لسياساتهم الإعلاميّة، في العام 2005، وبعد الحملة الإعلاميّة المناهضة للسياسة الرسميّة السوريّة، غربياً وعربياً (باستثناء محطة «الجزيرة» التي كانت لا تزال ضمن استراتيجية قطر لمواجهة الشقيقة الكبرى السعودية). هكذا، أنشأ القطاع الخاص بدعم مبطّن من السلطة، صحيفة «الوطن» اليومية، ومحطة «الدنيا» المنوعة، ولاحقاً «الإخبارية». بذل الإعلاميون العاملون في تلك المؤسسات جهوداً كبيراً، للارتقاء بالأداء الإعلامي السوري. ولكن، ظلّ الخطاب الإعلامي لا يختلف كثيراً عمّا كان عليه في السابق، ولم يتّسع هامش الحرية. وظلّ الصحافي، وخصوصاً الحريص على مصدر معلوماته في الحكم، حذراً، حتى لو أراد الحديث عن سياسي لبناني «متذبذب» العلاقة دمشق. إذ كانت الخطوط الحمراء والصفراء تمتط وتنكمش تبعاً لتصريحات هؤلاء. ويبقى السؤال: هل ثمة توجه لاستراتيجيا جديدة في الصراع الإعلامي؟ ولادة قناة «سما» من رحم «الدنيا» ومن استديوهاتها، خطوة تُحسب لوزارة الإعلام السورية، لناحية التفكير الاستباقي بقطع البث الفضائي. كما ولدت شبكات تغطية ميدانية على صفحات التواصل الاجتماعي، يديرها ناشطون بإشراف إعلاميين رسميين، لمنافسة شبكات المعارضة ولجان التنسيق وغيرها. وجاء هذا التحرّك بمبادرة من إدارة الإعلام الرسمي في سوريا، وبالتعاون مع القطاع الخاص. كما يتمّ التعويل على بعض القنوات اللبنانيّة الحليفة مثل «المنار» و«أن بي أن»، وقنوات أكبر ممولة من قوى «صديقة» كـ«الميادين»، كما يجري العمل على مشروعين تلفزيونيين، بالشكل والمضمون ذاتيهما. لكن القصور يبقى واضحاً وسيبقى ما لم يعد خطاب الإعلام السوري إلى القواعد الأصلية للمهنة، التي تقوم أساساً على احترام عقل الجمهور، والتعامل معه بشفافية عموماً. هذا بالإضافة إلى تعاطيه مع الأزمة الراهنة بمستوياتها المعقدة الكثيرة، والتي تتخطّى اصطلاح المعركة بين ملائكة وشياطين. لكن كثيرين يعتقدون ربما، أن الوقت المناسب لهذه المراجعة، ليس اللحظة الراهنة.