هل تأخذنا القضية المثارة اليوم حول »وليمة لأعشاب البحر« نحو نوع آخر من التساؤلات او من الانتباهات الضرورية بدل ما قد جاء في هذه الرواية من استفزاز للعقائد ومن تعد على المقدسات او حتى بدل او الى جانب الدفاع عن حق الكاتب حتى وان كنا لا نوافقه او لا نحبذ عمله من الناحية الفنية، ومن زاوية الحكم الابداعي البحت؟ قد لا يكون مثل هذا التساؤل ممكنا ولا هو منطقي او من المنتظر وروده على بال اي من المعنيين او المتنازعين حول الرواية ومعناها وحول حرية الثقافة والابداع وحدودهما، وفقط بالنسبة لأولئك الذين تربطهم بهذا الحدث وبالرواية صلة اخرى، وعلاقة غير علاقة المدافع عنها وعن كاتبها او المستنكر لها، يجوز او يمكن ان تثور اليوم تساؤلات أبعد، تتعدى الرواية والكاتب الى الأساس الذي إليه عادا ومنه استمدا قضيتهما، او الى حيث ولدت، تلك البواعث التي كانت في أصل وفي خلفية هذا العمل وفي منطلق تداعياته التي نعيشها الآن.. ولن تنشأ مثل هذه الاسئلة حتى لدى هؤلاء عفو الخاطر، ولا لغرض مفتعل، فمنذ اثنتين وثلاثين سنة ظل اولئك الذين هم أبناء هذه القضية صامتين يستمعون الى كلام أناس سواهم عنهم وعن تجربتهم التي كانوا هم صناعها وحاملي جروحها، ولم يكن ذلك الصمت الطويل الا ليفسر، فمع الإلحاح على ضرورة كتابة تلك التجربة وهو إلحاح يمكن للقارئ ان يتخيل حجمه ووطأته على مدى ثلاثين سنة وأكثر كان الزمن قد ألقى على التاريخ العراقي ثقل حقبة قامت أصلا على قتل ذلك الحدث، ولم يسبق ابدا في تاريخنا الحديث ان تهيأ من الاسباب والظروف ما قد تهيأ ضد تلك الوثبة التي انفجرت في جنوب العراق في أيار 1968 فأرادت ان تطاول الأفق وتصعد معانقة صوت السماء ونداءها، ولم يكن من الممكن آنذاك أبدا قول كلام يسبق النتائج ولا البحث في حدث مفتوح ظن الجميع انه مضى وانقضى واعتقدت بقية باقية من صناعه والمنخرطين فيه انه حي وباق يخترق الزمن.. وبينما كان ذلك الصمت قد أتاح للآخرين ليس حيدر حيدر منهم ان يفعلوا كل ما كان عليهم ان يفعلوه من الاساءة لتلك التجربة وأصحابها، باعتبار ان هؤلاء قد انتصروا على »الاغرار المتطرفين« وانهم كأعداء لتلك التجربة قد وجدوا أنفسهم معنيين بأن يواصلوا مهمتهم التي استمرت تقتل المعنى بعد قتل ذلك التألق الفريد المذبوح، فلقد غدت تلك هي السنين الاقسى، وتحمل أبناء تلك الانتفاضة وصناعها وجع القتل الطويل والعناد الذي لا يقبل التسليم ورددوا بعد طول الزمن صرخة ماركس حتى بعد ان غادروه وغادرهم الا في صدق الهموم فقالوا كل يوم وكل ساعة: »لا أتمنى حتى لأعدى أعدائي ما قد قاسيت« ومع ان زمن الكلام كان قد أصبح بعيدا وأشبه بالحلم البائد، فان كلام آخرين من غير الاعداء كان يمكن ان يسمع، وقد جرى الهمس به وروي لأناس مثل حيدر حيدر (قمت بذلك شخصيا حين رويت للكاتب تجربتي يوم التقتيه في بيروت قبل الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982) وقبل هو ان تبيت عنده ذخيرة تلقفها شريفا على قدر ما يستطيع وبقدر ما يملك من قدرات، وأطلقها للريح فأفاد لمرات عدة، مرة لنفسه فقد كتب أفضل ما كتب، ومرة ضد الردة والتزوير والادعاء ومساعي الحجر على الانتفاضة ومواصلة ذبحها، ومرة اخرى لأنه أصبح بقصد او من دون قصد هدفا للتكفير بمناسبة عراقية لا يملك من أمرها الشيء الكثير.. وها هي الساعة تأتي مباغتة مثلما يحدث في الأساطير وبعد ان كان الكلام مستحيلا لاثنتين وثلاثين سنة أجد نفسي كأحد أبطال تلك الرواية »مهيار الباهلي« وكمشارك في تلك الاحداث، مأخوذا فجأة للحديث عن نفس القضية لمرتين خلال بضعة أيام »المرة الاولى في جريدة »الحياة« في 14/5/2000« بينما تنتابني الرغبة والشعور بالحاجة لتكرار الحديث عن مختلف وجوه هذه القضية، معتقدا ان الباب قد انفتح على ذلك الأفق الذي استمر البحث عنه جاريا بلا توقف، فما حدث اليوم في مصر من دوي سببه استنكار بعض الكتاب الاسلاميين لجوانب وتعابير وردت في »وليمة لأعشاب البحر« يمكن ان يبدو مثل لحظة ضائعة انبثقت لتحفز حمية اعادة قراءة التاريخ، أملا بالعثور على إجابة ما على سؤال الهزيمة والصعود اللذين نحن بصددهما عندما نريد قراءة الرواية خارج الكلمات التي تمس المقدسات، فرواية حيدر حيدر هي رواية عن الهزيمة بعد الصعود الذي عرفته حركة التحرر العربي إثر الحرب العالمية الثانية، مع انها لا تندرج تماما في هذا السياق »البديهي« وهي ربما بدت بالمقارنة بمجمل الأعمال المكتوبة عن الهزيمة وحولها، فريدة، لأنها لا تستجيب للمفهوم السائد، لا في المضمون ولا في السياق المعتمد منذ قرنين، عن التحقيب العربي المعاصر ومركزيته التي ترهن إيقاع وتسلسل التاريخ العربي الحديث ومفاصله الكبرى والصغرى بمصر وبالساحل المتوسطي، وبما انه افترض مواضع اخرى للهزيمة وجعل لها مكانا غير ذلك الرسمي قاصدا رفيف وانكسار الجناحين البعدين، الجزائر والعراق، فان نكهة اخرى غير مألوفة قد خيمت على روايته وعلى مصيرها.. وفي هذا يكمن معنى فكري وسياسي ظل يمتحن على مدى اكثر من ثلاثين سنة مضت متجاوزا تجربة الكاتب من دون اغماط حقه، فالتواريخ متقاربة ان لم تكن هي ذاتها، والتجربة مدار الرواية والبحث بدأت هي الاخرى في سنة الهزيمة عام 1967 (في آخر تلك السنة بدأت التحضيرات التي استمرت في الاهوار حتى أواخر أيار 1968 وهنا أيضا حدث انشقاق القيادة المركزية على التيار الرسمي وقيادته) والعلامة الفارقة التي يسجلها حيدر حيدر تحولت الى إدخار للزمن عن حدث مفتوح لا ينتهي ولم تستقر ملامحه على الاطلاق، فمنذ عام 1968 تقررت هزيمة الحركة الوطنية العراقية المعاصرة ومع انقلاب القصر الذي حدث في 17 تموز 1968 وجاء بسلطة البعث الحالية، وبقايا تلك الانتفاضة ومن مثلوا الطموح الذي كان في خلفيتها هم أشبه بالأسرى، أشبه بساكني قلعة مهزومة ومستباحة، فقدت الأفق، وظلت تتخبط مضطرة برغم الانكسار، للتعايش مع تحالف قوى القهر، تقاوم وهي مضطرة للرضوخ، تراهن على أمل غامض باسم حتمية التاريخ، تجازف بصورتها بدل وجودها، وبظاهرها دفاعا عن كينونتها.. ومن الواضح ان كل شيء حسب هذا المنحى كان يتعدى رواية »وليمة لأعشاب البحر« فالصراع استمر بعدها ولم يتوقف، والتحولات دخلت مسارب جديدة وبلغت أبعادا لم تكن متوقعة، لكن الصدفة الحالية يجب ان لا تهمل، فالرواية قد عادت لتوصل الخيط، ولا بد من البحث هنا عن نبوءة موجودة في قلب التاريخ الذي في سياقه ولدت الرواية وعادت لتفجر هذا الدوي الذي هو مثل الرواية ذاتها أبعد من أغراض كاتبها، وهكذا انفتحت مناسبة لوصل ما كان يظن انه انقطاع بين لغتين وموقعين وهزيمتين، بينما أصبح من الممكن ان تستعاد نظرات ومفاهيم مطموسة، فلقد رأى حنا بطاطو ان النكسة والتراجع الذي أصاب حركة التحرر العربية بعد نهوضها المشهود في الخمسينات وأوائل الستينات يجب ان يؤرخ لها بانقلاب شباط عام 1963 وهذا الرأي الذي لا يفعل حنا بطاطو شيئا سوى انه يصادق عليه، لأنه بالأصل رأي قطاع سياسي وفكري عراقي واسع، صحيح، اذا ما تركز الاهتمام على مضامين الهزيمة التي تحولت في ما بعد الى صاعقة بعد حرب حزيران 1967 فعجز القوى العصرية والعلمانية كانت قد تأسست ملامحه في مسار ثورة 14 تموز 1958 العراقية ومآلها وبالاخص عجز وقصور قواها وأحزابها عن قيادتها. ومهما يكن شكل ذلك العجز الذي سيتخذ منحى دمويا ويخيم عليه الاضطراب والفوضى والدكتاتورية القاسية والحروب والحصارات، مع العجز عن إقامة نظام عصري وديموقراطية، فان التطورات اللاحقة في العالم العربي سارت كلها على تعدد المظاهر والاشكال التي اتخذتها، في هذا المنحى، بينما ظهر في العراق وليد ينم عن العودة على بدء فلقد كانت انتفاضة الأهوار والانشقاق في الحزب الشيوعي وفي عموم الحركة الوطنية العراقية في حينه، أشبه بولادة تأسيس لمسار آخر يشير الى ضرورة اعادة بناء الحركة الوطنية الحديثة رغم مجافاة الظروف والزمن ورغم انعدام الأفق الذي كان لا بد من مواصلة البحث عنه على مدى ثلاثين سنة لاحقة، بينما قام نظام قاهر يملك كل مقومات تصفية الحركة الوطنية وكل إمكانات دمجها في السلطة او تشتيتها واقتلاع جذورها وبقوة التدامج بين نواة سلطة قرابية عشيرية وموارد الريع النفطي وحزب »عقائدي« ذهب النظام لحد تكريس هزيمة الحركة الوطنية الحديثة وسعى حتى الى تحوير بنية المجتمع وتعدى على خصائصه وتكوينه التاريخي.. فهل الاسلام كان وقتها هو الجواب وهل وفر هذا المكون الأساسي للوعي العام في العراق والمنطقة السلاح الضروري، بينما كانت القوى العصرية والعلمانية تكشف عن فشلها وعجزها؟ قد تكون هذه هي الاسئلة الحرية بالمعالجة في مصر وبين تجليات الحركة الوطنية العراقية الفكرية والسياسية الآتية من مسار تطور التجربة التي تحدثت عنها »وليمة لأعشاب البحر«، وبغض النظر عما تحتويه الرواية من تعد على معتقدات ومقدسات او ما ينبغي الاعتراف به او تفسيره من جنايات وأخطاء قد تكون الرواية تضمنتها وبعيدا عن فجاجة شعارات »الطليعية« و»الحداثوية« المهددة من قبل قوى الظلام، فان ما قدمه الاسلام في العقدين الماضيين كان هاما جدا على صعيد الابقاء على نبض المقاومة وهذا على أية حال مظهر يخدم قضية التقدم في كل مكان، وبغض النظر عن الاستغلال غير الموفق للدين، فان كثرة من المفكرين الاسلاميين يرون هم ايضا ان مثل هذا الاستغلال لا يخدم الاسلام ولا يعزز دوره، وقد يؤخذ اليوم على الحركة الاسلامية في مصر استعمالها لرواية »وليمة لأعشاب البحر« لأغراض سياسية ولجوؤها لوسائل تهييج بدائية، الا ان هذا النقص يقابله من الناحية الاخرى نقص فاضح يستعمله العلمانيون مدللين هم ايضا على فجاجة وعلى دعاويه غوغائية.. كيف يمكن التحدث بهذه المناسبة مع الحركة الاسلامية في مصر وفي كل مكان حول خلفيات هذا الحدث وبواعثه ومآله وهل يمكن افتراض امكانية تجاوز ضروري لهذا النص الروائي القديم والذي هو قضية جزئية ومن الماضي مع انه كان ضروريا وأدى غرضا لصالح الحقيقة؟ وهل بمقدورنا من ناحية اخرى ان نكون متأكدين من ان الكاتب قد ظل في مكانه بينما تجاوزت التطورات الفكرية والسياسية في العراق تماما تلك القطيعة التي كانت تضع »العلمانية« ضد الاسلام وتضع الاسلام بمواجهة الحداثة، فهذه خرافة ثقافية ظلت معممة وهي تتراجع بمناسبة التجربة العراقية الراهنة مؤكدة ان ضرورات تحقيق الديموقراطية ضد نظام قاهر وفي مجرى الحروب والحصارات عندما تكون مسألة التغيير مسألة حياة او موت وتتوالى الاحداث لتضع ما يقارب عشرين بالمئة من السكان المعروفين بالتمسك بأرضهم وبمقتهم الشديد للتغرب خارج بلادهم هائمين على غير هدى فان أشكال الضرورة تتغير وحدود المقدس ونطاقه تبتعد كثيرا متجاوزة الحدود الضيقة التي يقررها بعض الاسلاميين المصريين اليوم. ان إسلاما حيا لم يكن يخشى المعري ولا ألف ليلة وليلة ولا المعتزلة وشطحات الصوفية الا في النادر وفي نفس سياق الصراع على السلطة ولا يجب الرضوخ لمفهوم بعينه بهذا الخصوص فالاسلام الدفاعي المحاصر هو الذي يضيق نطاق المقدس والمحرم ونحن يمكن ان نعود الى تجارب راهنة هي الاخرى تضع لبنات في مجرى الاسلام الحاضر ودوره في الحياة فمنذ محمد باقر الصدر وحركة الاسلام ودوره يشهدان تباعا تحولات مطردة تسير نحو »اجتهاد موضوعي« يقبل كل التيارات والاتجاهات الحية والفاعلة ويشكل انتقالا من »نظام الاجتهاد داخل الاسلام نفسه« الى نظام »اجتهاد شامل« يستوعب كل التعبيرات الفكرية والاجتماعية ويتيح لها مناخ الاصطراع ضمن وحدة بين اسلام يستوعب العلمانية وعلمانية لا تبتعد عن المكونات الروحية العميقة الجذور في وعي وتاريخ العرب والمسلمين وهذا بلا شك هو طريق وحدة لا طريق تناحر وصدام.. يصعب تماما إثبات ذلك وسط ما هو شائع عن وضع مؤلم وقاس الى أبعد حد، عن سلوك »معارضة« مخز ومشين وعن حالة جمود وتخبط وعقم يكرس المزيد من مظاهر القمع وانعدام المسؤولية والإيغال في ارتكاب السياسات الخرقاء والمستهترة، ولكن حادثا كهذا هو بعض من سبب ربما يأتي لكي يفسح المجال لصوت آخر مكبوت هو صوت بدايات حقه تبشر بالخروج من هزيمة كانت طويلة ومكلفة فالتجليات الحية تنمو هناك وروح الوحدة الوطنية ونداء السلم والتحول الوطني نحو الديموقراطية ينهض بدلالة محمد صادق الصدر وجملة من الظواهر العلمانية الديموقراطية النامية وفق الشروط الجديدة خارج احزابها محاطة بنهضة في الابداع والأدب خرست معها اصوات أدباء السلطة وتم تجاوز الأدب الايديولوجي بينما تسود الرؤية الملحمية وتراجع الشعر ليصبح فرعا من فروع التعبير، دليلا على بداية تبلور شخصية مجتمع بدا يعرف نفسه ويعي ملامحه.. تسقط هذه التجليات اليوم وتنهض تقاوم سلما وبالسلاح احيانا انما بغلبة الوجهة السلمية لكنها تسير قدما وتحرز كل يوم انتصارا، وانتصارها الاكبر سيكون حين تحقق طموحها الفكري الذي هو بلا ادنى ريب صوت ورواية زمن آخر سوف يقول للعصر العربي الحالي هكذا انتهت حقبة النهوض الاولى التي امتدت على طول قرنين من الزمن واستقرت على تلك الهزيمة التي منها تنبعث اليوم روائح الاستنكار الذي وقع بهذه الحدة على رأس كاتب »وليمة لأعشاب البحر« ولسوف تمر الأيام ويظهر لهذا الحدث وجه آخر فريد فهذه الرواية هي صلة وصل وهي طير بشارة عن زمن آخر يترعرع الآن في رحم العراق، طير بشارة لمصر وللعالم، ولا هم اذا ما بدا هذا الطير للبعض كريه الصوت او لاح لهم وكأنه غراب أسود.. (*) كاتب عراقي مقيم في باريس.