انه في الرابعة والسبعين اليوم، برج فازليان، أحد رواد المسرح في لبنان، بالأرمنية واللبنانية. لا تزال عربيته صعبة، على الرغم من الإقامة الطويلة في لبنان. صعوبة نطقه العربية، تصعب اللقاءات به. جلسنا طويلا، ثم جلست لمدة أطول، لكي نخرج بصورة عن بداياته، بدايات المسرح في لبنان، وفترة الستينيات. وكان لا بد ان يعرج الحديث على فيروز والرحابنة، لأنه عمل معهم لمدة 16 سنة. ويحكى بأنه كاتم أسرارهم، حتى اللحظة. ضابط »سفر برلك« في رواية صريحة هنا: { بدأت العمل في الفن في تركيا من يسر وضع العائلة. كنت ابن عائلة ارستقراطية، سمح وضعها لك ببداية ميسرة في العمل في المجال الثقافي. عائلة برجوازية، وليست ارستقراطية. أبي وأمي ولدا وعاشا حياتيهما في اسطنبول. { ما جاءا من الأناضول؟ لا. معظم الأرمن، جاءوا من الأناضول الى سوريا ولبنان واسطنبول. عائلتنا بدأت في اسطنبول ولم تهاجر إليها. { بدأت بالمسرح؟ بل بالرسم. كنت موهوبا بالرسم منذ طفولتي. جاء والدي بأستاذ رسم، لكي يعزز موهبتي بدروس خصوصية. كنت في الثامنة أو التاسعة من عمري، على ما أذكر. { أنت مواليد أي عام؟ 1926. { وكيف وصلت إلى المسرح؟ من الرسم. قصدت ذات يوم مسرح الأطفال التابع للدولة، لكي أشاهد مسرحية، لم يكن مسرحا ارتجاليا. مسارح الدولة ليست ارتجالية الحضور ولا الانتاج في تركيا. هناك شاهدت للمرة الأولى شيئا غريبا. حياة خيالية تدور وسط إطار. كأنها اللوحة التي أرسمها، بطبيعة وشخوص متحركين. أدهشتني الحركة. وإذ كنت أبحث عنها، وجدت ضالتي في المسرح. ذلك الذي حرك عناصري الجامدة في اللوحة. هتفت لنفسي، هذا هو، هذا هو ما أريده. { ثم مررت بمرحلة هواية. باشرت هوايتي للمسرح في إطار الجماعة وأنا في السادسة عشرة من عمري، العام 1942، خلال الحرب العالمية الثانية. مرحلة هواية طبعها الارتجال والحماسة. أقمت تجمعا مع ثلة من الشبان. ثم لم نلبث ان سمعنا بوجود تجمع شبابي مسرحي آخر. اجتمعنا به ورحنا نتبادل الأفكار. اقترحوا ان نباشر بالعمل على »سالومي« لأوسكار وايلد، في حين اقترحنا العمل على »كابريس دي ماريان« لالفريد دي موسيه. ملنا الى نص دي موسيه، لأننا وجدناه رومنطيقيا. { كنتم رومانطيقيين والحرب العالمية الثانية مشتعلة بكل عنفها. بالضبط. { وبعد؟ لم نتفق والجماعة الأخرى، فاندفعنا الى تنفيذ ما أردناه. حضّرنا مسرحيتنا وعرضناها في بيت. في صالون بيت بالتحديد، استعملنا مطبخه كغرفة ماكياج، قدمنا مجموعة من العروض الكومبوليه. أي بحضور 20/25 شخصا في الليلة الواحدة. لم يكن هذا قليلا في تلك المدة. { خلال مرحلة الهواية التقيت استاذك الألماني الشهير المسرحي كارل ايبرت؟ في تلك الحقبة، كان كل واحد ضد هتلر، إما يقصد أميركا أو تركيا التي كانت خارج الحرب. جاء كارل ايبرت الى تركيا لأنه ضد النازية. رجل مثقف يتكلم الفرنسية بطلاقة والقليل من التركية. جاء الى تركيا لكي يقيم أكاديمية خاصة بالمسرح. وقد باشر فورا ما أراد فعله، حين تم نشر إعلان استدراج طلاب الى امتحانات الدخول الى أكاديمية الفنون بشروط واضحة ومسبقة. لم أكن أتمتع بأي من هذه الصفات. لذلك كتبت رسالة الى الأستاذ أشرح فيها وضعي. لا بد من ان اشير هنا إلى أن تأسيس الأكاديمية المسرحية في اسطنبول تم شراكة بين ايبرت وموسين اورتوغرول (حسين اورتوغرول). جاء الجواب على الرسالة بالموافقة على مشاركتي في امتحانات الدخول. انتظرت رسالة ثانية، كما جاء في الرسالة الأولى. ثم جاءت الرسالة الثانية مشيرة اليّ بأن أحفظ مقطعا من »الملك لير« لشكسبير.حين جاء دوري انخطفت. لم أع شيئا مما قلته. وقفت على خشبة المسرح وأديت نصي. وقتها تعلمت أول درس هام في حياتي. الديسبلين، أهم عنصر في العمل المسرحي أو الفني. لا أزال أحفظ ذلك، من ذلك اليوم البعيد في الأربعينيات من القرن الماضي. أرمني في مسرح تركي { تأثرت كأرمني بالثقافة الإسلامية في اسطنبول؟ لا، لم أتأثر. لأن تركيا ليست دولة إسلامية. تركيا دولة علمانية. لا إسلام ولا مسيحية في الأجواء الثقافية والفنية. الأتراك ليسوا مسلمين فقط، انهم اتراك ثم إسلام، على عكس ما يحدث في الدول العربية، التي معظم المواطنين فيها هم مسلمون قبل ان يكونوا مصريين أو سوريين أو عراقيين أو كذا أو كذا. في الدول العربية هم مسلمون وبعد الإسلام تأتي جنسياتهم. { عوملت كأرمني في تركيا، لاحظت انك أرمني ولست تركياً من خلال المعاملة؟ درست لمدة أربع سنوات في الأكاديمية مع زملاء لي. زملائي الأتراك راحوا يتدرجون في لعب الأدوار. من الكومبارس الى أدوار هامشية وثانوية الى أدوار ثانية وأدوار بطولة. أنا لا. { هل تتذكر أول أدوارك ككومبارس في المسرح الوطني التركي؟ عام 1945 في مسرحية »يوليوس قيصر«. { الأكاديمية لها علاقة بمسرح الدولة؟ حكما. { أصبح بعض رفاقك ممثلين كبارا؟ نعم. { مثل من؟ هادي هون وتلات ارسفير وجاهيدي وغاليب أرجال. بدأ المسرح التركي مع الأرمن، ثم غُيِّب الأرمن عن المسرح التركي. { ماذا فعلت عندها؟ قصدت المدير الفني، أو مدير الادارة موسين اورتوغرول. { ذاك الممثل الكبير الذي لعب الى جانب ستانسلافسكي. هو ذاته. { وماذا قال لك؟ اسمع يا برج، أنا سعيد بأنني علمت أرمنيا. لأن أستاذي كان أرمنيا. سألني: تحب المسرح؟ تريد أن تكمل في المسرح. أعطني كلمة، لكي أكمل كلامي معك. وحين أجبته بالايجاب قال: اذهب من هنا. اترك. لا مكان لك هنا. لا تفكر بأدوار ثانوية أو مهمة. الادارة ترفض إسناد مثل هذه الأدوار إليك. سوف تبقى كومبارسا مدى الحياة. هذا حكمهم عليك. ليس لأنك لا تستحق أو لا تستأهل. بل لأنك أرمني، بكل بساطة. اذهب. عندها قصدت أحد الأصدقاء وهو كردي يدعى موجاب اوفلو، وطلبت إليه ان يساعدني على مغادرة تركيا. { ولماذا قصدت كردياً؟ لأن الأكراد اضطُهدوا، كما اضطهد الأرمن. { ولكنك لم تغادر تركيا على ضوء هذه الحادثة، غادرتها بعد ان نشرت رسوما تنتقد فيها العسكر وكنت لا تزال في مسار خدمتك العسكرية. هذا صحيح. تضافرت جملة من الظروف ودفعتني الى طلب مغادرة تركيا عن طريق التهريب. { استمر حضورك في المسرح اثر تركك الأكاديمية. عام 1945 1946، صدر قرار من الدولة يسمح بحضور مسرح باللغة الأرمنية. ألفت فرقة أرمنية، شغّلت فيها أتراكا. هذه الخلطة لم تكن بريئة. لأنني أردت ان أحترف العمل بالمسرح، والأرمن استمروا محكومين بالهواية في تركيا. بعدها استدعيت الى التجنيد الإجباري. بقيت سنتين في التجنيد. في أحد الأيام شاهدت أصدقاء قدامى، سألوني أين أنا. قلت انني في الجيش. طلبوا مني ان أنضم الى فرقة جديدة ألفوها، طلب أصدقائي الأتراك أن أعمل معهم بالإخراج في الفرقة. قدمنا سارتر للمرة الأولى. أخذنا مسرحية »العاهرة« وقدمناها في الوقت الذي بدأت فيه أميركا بالدخول في حياة الأتراك. الشباب الجديد رفض ذلك، أخذنا مسرحية سارتر، لأنها ضد أميركا. كنا في الكواليس قبل يوم من الافتتاح، حيث قصدنا رجلان يرتديان معطفين متشابهين وقبعتين متشابهتين ونظارات متشابهة، بدوَا توأمين. سألا عن المسؤول عن الفرقة، لكي يذهب معهما الى المخفر. سمينا الفرقة باسم فرقة »الساعة السادسة«، لأننا كنا نعرض في الساعة السادسة، قبل العروض الرسمية للأوبريتات في المسارح التركية التي تبدأ عند الثامنة والنصف. باختصار أصعدونا الى الطابق الثاني في المخفر. في تركيا، الطابق الثاني، هو الطابق السياسي حيث تجرى التحقيقات السياسية. أدخلنا غرفة المفوض. وهي غرفة فارغة إلا من أثاث بسيط. استقبلنا بلطف هائل، قبل ان ينقلب الموقف رأسا على عقب. لا بد وانك شاهدت »سفر برلك«. شخصية الضابط التركي التي لعبتها في فيلم الرحابنة من شخصية الضابط الذي حقق معنا. تأهل بنا، مؤكدا حاجة تركيا الى شباب مثلنا. القى خطابا صغيرا، ركز فيه على تبعات عرض مسرحية ضد أميركا.حاولت ان أقول إننا لسناخدام البروباغندا، غير انه طردنا. كنا شبابا يساريين شيوعيين وفوضويين قليلا. بعدها أخذنا قرارا بالعمل على مسرحية برنارد شو »جان دارك«. إلا أننا لم نلبث ان امتنعنا عن تقديمها، كما امتنعت عن العمل في المسرح نهائيا في تركيا، بعد ان تعرضت الى ضغوطات كبرى في خدمتي العسكرية. ذلك انني كنت أخدم أيام الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأعطل في الأيام الأخرى. رسمت ضد العسكر هذا صحيح. ولكن هناك ما سبق ذلك. اتهموني بأنني كنت أعمل في المسرح في خلال خدمتي، من دون إذن من قيادتي. أخذوني الى السجن. حبست تأديبيا، في انتظار محاكمتي. صدر قرار المحكمة بسجني سنتين وبإعادة خدمتي. أي ان أخدم لمدة سنتين إضافيتين غير اللتين خدمتهما. حبس أربع سنوات بهذا المعنى. { شكلت هذه الواقعة بداية علاقتك بلبنان. نعم. ذهبت الى البيت. أخبرت والدي بما جرى. وقلت له إنه لم يعد من بد من الرحيل الى لبنان. { ولماذا لبنان؟ بنت خالتي تزوجت في لبنان. وكنت كوّنت فكرة، بأن لبنان بلد ثقافة وانفتاح. { فررت من تركيا. هربت. { كيف؟ عبر أحد الأصدقاء الأكراد، موجاب اوفلو.أكد لي صديقي الكردي ان باستطاعته مساعدتي على الهرب الى لبنان، عبر الحدود السورية التركية المشتركة. عبر منطقة تدعى جيزرة وهي غير منطقة الجزيرة. وحين وصلت قال لي والد صديقي ان لبنان بعيد جدا عن هذه المنطقة. لذا سيحاول تهريبي الى سوريا، الى أخيه. الأخير اهتم بي. قطعت طرقا وعرة سيرا على الأقدام وعلى ظهور الحمير. حكاية خطيرة ان تهرب بواسطة الأكراد، لأنه في بداية العشرينيات جرى انقلاب كردي في تركيا رأسه الشيخ حسن، الذي قتله أتاتورك في ما بعد. لم يكن الوضع أفضل في سوريا بعد مقتل حسني الزعيم. ذلك انني كلما وطأت أرضا لوحقت بأسئلة حول هويتي وغاية وجودي في المنطقة، الوضع المضطرب حتم ذلك، لم أكن أمتلك فيزا ولا أوراق تنقل أو عبور. وصلت الى بيروت مهربا. { هنا يصح السؤال عن بداية علاقتك بالمسرح في بيروت. انتظرت، استكشفت، أم ان الظروف ساهمت في عملك مباشرة في المسرح؟ لم يكن هناك مسرح لبناني. بل فرق مصرية وفرنسية تزور لبنان وتقدم مسرحياتها في مسارح ساحة البرج. خصوصا في »التياترو الكبير«. الأرمن في بيروت كانوا حاضرين في مسرحهم ومسرحياتهم. قدمت مسرحية لموليير في المسرح الأرمني، قبل ان أؤسس مسرح بابازيان وهو مسرح محترف. وحين بدأت حركة المسرح في لبنان العام 1959 1960، اخذت قراري بالعمل في المسرح اللبناني باللغة العربية. منير أبو دبس، رحب بي. وكنت شاهدا على البداية المتفجرة للمسرح اللبناني. إذ تسنى لي أن أحضر في الوقت نفسه »ماكبث« لمنير أبو دبس »وماكبث« لأنطوان ملتقى في حركة التنافس بينهما. تحدثت مع أنطوان ملتقى، الذي تجاوب كثيرا. قال: إذا أردت ان تعمل مسرحية باللغة العربية، اعملها معي في راشانا. وافقت، قلت أوكي. قبلا قدمت »فاسكو« لجورج شحادة في المسرح الأرمني. كتبت كل الصحف عن المسرحية. الصحف الصادرة بالعربية والفرنسية والأرمنية. اثرها صرت صديقا لأنسي الحاج. سألني عن معرفتي بالأخوين رحباني. أجبته بأنني لا أعرفهما، ولو أنني سمعت فيروز. ذكر لي انهما بحاجة الى مخرج. جمعني بهما، بعد ان أقنعني بالعمل معهما. وحين التقيتهما في أحد المطاعم كان عاصي يرتدي »كاسكيت« ومثله منصور. جرت بيننا يومها أحاديث عامة حول المسرح. ثم دعاني عاصي الى مكتبهما في بدارو، ذهبت وزوجتي، حيث التقينا فيروز. الرحابنة وفيروز { وما أول ما لاحظته لدى فيروز؟ سيدة نحيلة تدور الأسئلة في عينيها، بدون توقف. { اتفقتما على العمل هناك؟ اتفقنا على المشاركة في مهرجان الأرز، بشرط ان توقع المسرحية باسم صبري الشريف. { وأنت؟ يدوَّن اسمي كمشرف فني. { قبل صبري الشريف بذلك؟ كان مريضا وقتها. { في أية مسرحية بدأت العمل مع الرحابنة؟ بياع الخواتم. { وتعمقت علاقتك بهما وبفيروز مذاك؟ بهما أكثر، بقيت على مسافة من فيروز. { لم تدرها على خشبة المسرح؟ بقيت علاقتي في حدود إدارتها. أكثر، لا. وهي كذلك. تعمقت علاقتي بها في السنة الثانية على عملي مع الرحابنة. { يقال انك مستودع أسرار الرحابنة. ماذا اكتشفت في فيروز حينها؟ فيروز شخصيتان وليست شخصية واحدة. نهاد حداد وفيروز. الثانية تحضر حين يلتبس حضور أحدهم أمامها وعليها. إذا حضر الشخص وبان هو هو، منفتحا شفافا بلا كذب أو غاية تكون نهاد حداد. المعركة دائمة بين السيدة فيروز ونهاد حداد. نهاد شخص. أما فيروز فمثال. وهذا صعب جدا. ليس لفيروز فقط، بل للناس. إنها سوبر فيديت، وكل السوبر فيديت في العالم عندهم القصة نفسها. ولكن فيروز بقيت تنتظر وهي لا تزال تنتظر من يحبها من كل قلبه. وفيروز في الكواليس، هي غيرها على خشبة المسرح. انها في الكواليس خائفة دائما، كطفلة صغيرة. ولكنها تتغير تماما على المسرح، حتى أشك بأن التي كانت ترتجف أمامي منذ لحظات، هي ذاتها على المسرح. لا تعرف كيف تتحول. تتحول ونقطة على السطر. سوبر فيديت فيروز. هذه قوتها الخاصة. { الحديث عن فيروز يدفعني الى التحول الى طامع بالاستزادة. لا أعرف، إذا ما كان يحق لي بالكلام عليها. { حق الناس أن تعرف. فيروز هي مرآة عاصي وعاصي مرآة فيروز. سوف أذيع سرا هنا، حين أقول إن عاصي يؤدي بطريقة خاطئة. يعزف على البزق بطريقة مدهشة، وإذا أراد أن يغني ما لحنه، حاد عما رسمه هو لأغنيته. فيروز وحدها، تعرف ما في رأس عاصي تماما، وتغنيه كما يريده، كما تصوره في رأسه. عاينت ذلك على مدى 16 سنة، تعرف ما في رأسه وتغنيه بطريقة صحيحة. هذه ظاهرة، فيروز ظاهرة. ذات يوم كنا وحدنا، أنا وهي فقط، عندما قالت لي: بيرج نهاد على الأرض. أما فيروز ففي السماء. { عملت مع الرحابنة وفيروز في »بياع الخواتم«، ماذا شاركتهم بعد؟ فخر الدين، الشخص، هالة والملك. وعملت معها في فيلمين. قبل مرض عاصي ذهبت الى مصر لكي أصور فيلمين مع فريد شوقي. غيبني ذلك عن العمل معهم. زعل عاصي. لأنني غبت عن بعلبك في غيابي عنهم. ولكنني حين ذهبت الى المستشفى، ولم يكن مسموحا لأحد بالدخول الى غرفته، أبلغه منصور بأنني جئت لكي أراه، لم يكن يستطيع الكلام. همهم، أصدر صوتا معناه ان يدعوني أدخل. دخلت وسط أجواء مؤثرة، عاصي أخي، أضحينا أخوين. بعد مرضه في المرحلة الأولى، انفرطت حلقة العمل. لم يعد صبري يريد أن يعمل. قال لي منصور، خذ الفرقة بيديك، قدمنا »المحطة« و»لولو« و»ميس الريم«. فيروز سيدة غريبة جدا. ذهبنا الى العراق العام 1975. ذهبت معهم وكنت قررت ان أهاجر الى كندا. لم يعرف أحد بقراري. أخذتني جانبا وقالت لي فجأة، تريد أن تتركني. ذهلت. قلت لا. لن أتركك، لن أترككم. لم يكن أحد يعرف سواي بقرار هجرتي. هي عرفت بحدسها. أحترمها كثيرا. فيروز تأتي مرة واحدة. قد يأتي غيرها في ما بعد، ولكنه يبقى »غيرها«. فيروز لا تتكرر. { قدمتم مسرحية في العراق؟ قدمنا منوعات. { بماذا كنت تتدخل في التجربة الرحبانية. كنت أرسم الإخراج، أناقش، أعطي أفكارا. ولكنني اخرجت دائما الأوبريت الرحبانية. { استفدت هنا، من الأوبريتات التركية، تلك التي شاهدتها في أيام صباك في تركيا؟ أكيد. { ولكنك لم تعمل مع الرحابنة فقط. عملت »كوميديا الأخطاء« لشكسبير مع أنطوان ملتقى، عملت مع شوشو ونبيه أبو الحسن. كنت عدت العام 1967 من مصر. وقتها قال لي شوشو انه ترك نزار ميقاتي، وسألني العمل معه. عملت مع كل الفيديت اللبنانيين. عملت »دواليب الهوا« للرحابنة مع صباح. لأن فيروز كانت حاملا وقتها بريما. { لنحدد موقعك الفكري في المسرح، أنت واقعي، تميل الى الواقعية على الخشبة أم ماذا؟ أحب الواقعية. { أية واقعية؟ تلك التي تختصر الخشبة بالممثل. عندي الممثل هو كل شيء، قبل كل شيء. في غياب الممثل، يغيب المخرج. المخرج كالمايسترو، يقود. اليوم يغيب المؤلفون في كثرة المخرجين. بلا نص لا مسرح. لأن الممثل يسند حضوره الى حضور النص الجيد. كثرة المخرجين ستشكل مرحلة، تنتهي بانتهاء ظروف قيامها. مسرحية واقعية أو عبثية أو مسرحية كوميديا ديلا آرتي، في كل الأحوال: الممثل هو الأهم. { المسرحية عندك تأخذ شكلها من موضوعها ومن حضور الممثل في النص. الرسالة هامة في المسرح. في غياب الرسالة لا شيء، نصبح كمسرح القوالين. ولكن في المسرح الرسالة هي سؤال. لا حل في المسرح، بل طرح للسؤال. الحل يعيد المسرحية إلى مسرحية وعظية. الحل يحيل المسرحية الى ميلودراما. حتى المسرحيات التي وصفت بأنها ثورية لم تحقق الرجاء منها على هذا الصعيد. حتى مسرحيات بريشت لا تقدم إجابات، بل تطرح أسئلة. لن تغير أية مسرحية، أي نظام. { أنت تختفي بممثلك على خشبة المسرح، تتقنع به؟ لا يجب أن يظهر المخرج على خشبة المسرح. المسرحية تخلق شكلها. لا أحب الشغل ضد المؤلف. خذ نصا آخر، أكتب نصك إذا لم يعجبك هذا النص أو ذاك. أما أن تعيد بناءها فهذه عملية زعبرة. لماذا تريد تكسير شكسبير أو تشيخوف. الأخير داخلي، إنساني، فكيف تكسره وتعيد كتابته. { يقال إن اورتوغول هو الوحيد الذي جرأ على زيارة ناظم حكمت في سجنه؟ هل كان شيوعياً؟ زاره، هذا صحيح. وحين سألت اورتوغول، أنت في الحزب الشيوعي، فنفى. سألته لماذا لم ينتسب. أجاب بأنه يخاف الضرب. لذا فإن توجيه ضربة إليه كفيلة بإقراره بالانتساب الى الحزب. أوفر على الحزب وعلى نفسي، قال. آخر مرة شاهدته فيها العام 1973 1974 في موسكو، آخر مرة نزور فيها موسكو، لحضور مؤتمر عالمي للمسرح مع جلال خوري وريمون جبارة وأسامة العارف. حركة مسرح بلا مسرح { بعد سنوات طويلة من العمل في المسرح في لبنان، ما هو السؤال الكبير الذي طرحته على نفسك بخصوصه؟ السؤال أكبر من كبير: هل هناك مسرح لبناني؟ هناك مسرحيون لبنانيون. هناك مخرجون أقوياء، هناك مؤلفون، هناك ممثلون. ولكن كل هذا لا يعمل مسرحا. لأن المسرح كمؤسسة غير موجود في لبنان. المسرح مؤسسة أولا. أين الفرق المسرحية اللبنانية. هناك صالتان أو ثلاث صالات فقط في لبنان: مونو وبيروت والمدينة. الصالات لا تعمل مسرحا. المؤسسة تصنع مسرحا. فرقة ومدير فني ومخرجون وممثلون، هم عماد المؤسسة المسرحية. هناك حركة مسرح لبناني في لبنان في غياب المسرح اللبناني. مسرح بريشت: مؤسسة. الكوميدي فرانسيز: مؤسسة. التياترو بيكولو: مؤسسة. الدولة لا تعطي الأموال الى أفراد، انها تعطيها الى المؤسسات وتحت شروط تبدأ بالألف باء وتنتهي بآخر حروف الأبجدية. { بماذا تميزت مرحلة الستينيات إذن من وجهة نظرك؟ نحن كلبنانيين نفكر غير ما يفكر جيراننا. نفكر 60$ كعرب و40$ كلبنانيين. هكذا نحن اجتماعيا وفكريا. ولم يكن اللبنانيون يمتلكون تراثا مسرحيا. التراث المسرحي اللبناني مصري. { كيف؟ في ذلك الوقت اكتفى اللبنانيون بمتابعة المسرح عبر بعض العروض المسرحية. كانت الفرق المصرية تجيء الى لبنان وتقدم مسرحياتها في مسارحه، كفرقة يوسف وهبي وفرقة عزيز عيد. سوف أتوقف هنا عند نقطة هامة في الستينيات، بالعودة الى سؤالك السابق، عمل اللبنانيون مسرحا غربي الشكل. ولكنه مسرح وطني لبناني عربي على صعيد الفكر. كنا جميعا هكذا ولا نزال. أنطوان ملتقى ومنير أبو دبس وأنا. أخذنا سارتر وشكسبير وبن جونسون، أقمنا علاقة بالغرب عبرهم على الصعيد الشكلي وليس على الصعيد الفكري. لأننا بقينا عربا دائما. { هذه مشكلة؟ لا. هذه ليست مشكلة. { وهل توافق على ان الترجمة لعبت دورا لازما في إطلاق تجربة المسرح في لبنان. انها شكلت البداية الصحيحة له؟ إذا لم ينجب المرء ولدا يتبنى ولدا. وإذا عنده قوة الانجاب، فلماذا يتبنى. نحن بدأنا بالترجمة في مرحلة أولى. وفي المرحلة الثانية انتقلنا الى الاقتباس. أي إعادة كتابة مسرحية. وفي المرحلة الثالثة، وصلنا الى التأليف. صار عندنا مؤلفون مسرحيون كعصام محفوظ وجلال خوري وادوار أمين البستاني. ولكن بعد سنة أو سنتين، على هذه الانجازات جاءت الحرب وتوقفت التجربة. اليوم هناك فراغ كبير، هناك عشرون سنة من الفراغ في ديارنا المسرحية الحالية. نستطيع ان نفسر ذلك، من كون المسرح فنا وحركة اجتماعية وجماعية وليس فرديا. الرسم فردي، المسرح جماعي. وحين انضربت الحياة الجماعية في لبنان، انضرب المسرح. سيادة الفكر الأميركي على العالم اثرت على التجارب الجماعية. لأنه فكر فردي، تجاربه فردية والعائلة غير موجودة فيه. المسرح تأثر بذلك. غياب الايديولوجيات اثر. غياب الصراع بين اليمين واليسار، أفضى الى الوضع الراهن. المواجهة الفكرية ولدت أشكال تعبير. الآن لا شيء. { تقول ان لا شيء حدث في فترة الحرب على صعيد المسرح. في حين ان الحرب شكلت المرحلة الأخصب في تاريخ المسرح في لبنان. خرجت تجارب محترفة وهاوية بالعشرات. تجربة الحكواتي ويعقوب الشدراوي وزياد الرحباني وريمون جبارة وشكيب خوري وغيرها. تجارب حميمة وتواجه الواقع بلغة مبلورة، صدامية وشفافة. ربما خرجت بهذا الانطباع بسبب انقطاعك عن الوضع في لبنان حين هاجرت الى كندا. اليوم، المسرح لا يعمل. الوضع الاقتصادي يؤثر. المسرح هو رحلة البحث عن أجوبة جماعية. انه كالدين، الذي يحاول الانسان من خلاله الاجابة عن اسئلته الحاضرة. صحيح ما تقوله. كل هذه التجارب حضرت في الحرب. ربما أحكي أكثر عن اللحظة الراهنة. العمل أفضل، الجمهور أقل. وقت الحرب، معك حق، كبر جمهور المسرحيات. اليوم إذا شاهد جمهور من ثلاثة آلاف مشاهد أية مسرحية، حازت ما تستحقه. »بيكنيك على خطوط التماس« لريمون جبارة. انتكست حين انتقلت الى »الأتينيه« في جونية. إذ راح ريمون جبارة يجمع المشاهدين يوما بيوم ويعرض لهم يوم السبت فقط. { سوف أعود الى الستينيات، هذه المرحلة التي لا تزال ملتبسة أمام الكثيرين، وخصوصا جيل اليوم. ما الذي ميزها، حتى كثر الحديث عنها؟ في تلك المرحلة، الارستقراطية اللبنانية أو البرجوازية اللبنانية، لم تكن تثق بالفن اللبناني. سعاد نجار ومدام كتاني وسلوى السعيد وجانين ربيز، لم يمتلكوا ثقة بالفن اللبناني، إلا بعد ان شاهدوا مسرحيات لبنانية باللهجة اللبنانية. وبعد أن وجدوا مستواها مقاربا لمستوى مسرحيات فرنسية وإنكليزية. أحبوا المسرح الفرنسي والانكليزي، ولكنهم لم يحبوا المسرح المصري. وثقوا أكثر بالآتين الى لبنان من خارجه. ثم بدأنا أنا وجلال خوري وأنطوان ملتقى وشكيب خوري ومنير أبو دبس. ثم جاء يعقوب الشدراوي وغيره. شاهدونا. ثقتهم بما شاهدوا قاد التجربة الى أبعد. ولكنهم لم يثقوا مباشرة، إلا بعد ان عاينوا مباشرة. ثقتهم لازمة. أحاطتهم بفن المسرح احتاجت الى وقت، لكي تتبلور وتصبح أقوى. وقد تميزت المرحلة تلك بإشاعة المناخات. لم تترك الصحف المسرح يوما. تابعته ولاحقته يوما بيوم. كل يوم، خبر. كل يوم مقالة نقدية أو تعليق أو متابعة. لم يكن الوضع كما هو اليوم. تكتب مقالة عن المسرحية، وينتهي الموضوع بذلك، ياوم المسرح في الجريدة. أخبار المسرحيين وجدت مطرحا، أفكارهم، مشاريعهم، طموحاتهم. اهتمت كل الصحف الصادرة بالعربية وبالانكليزية والفرنسية. غابت المادة المواكبة اليوم. حتى ان الكثيرين لم يعودوا يقصدون المسرح. المسرحية في الستينيات جاءت على شكل الحدث، اليوم المسرحية مسرحية. أبو دبس بلا ثقافة كبيرة { لم تتوقف أمام منير أبو دبس. مررت عليه مرورا عابرا. قدم منير مسرحا على الطريقة الغربية، بلغة لبنانية. انشأ مدرسة. هذا أهم ما حققه. لم يتغير منير أبدا. بقي هو نفسه في أول مسرحية قدمها وفي آخر مسرحية له. ولكنه بدأ التجربة مع ستات مهرجانات بعلبك. أخذوا المغامرة بأيديهم. أفضل مسرحيات منير أبو دبس هي »الملك يموت«. أنطوان كرباج يقول انها انحرفت عن شكلها المفترض. علاقتها بالجمهور حولتها الى مسرحية أخرى. ولكن مدرسة منير أبو دبس خرّجت الكثيرين، هؤلاء الذين رفدوا تجربة المسرح اللبناني بالأسماء والكفاءات والمواهب، كريمون جبارة وأنطوان كرباج ورضا خوري. ممثلون أقوياء. { أنطوان ملتقى هو شريك في »فرقة المسرح الحديث«. الاثنان مهمان. منير أبو دبس لا يتمتع بثقافة كبرى. منير أبو دبس صاحب فكر كبير، ولكنه ليس صاحب ثقافة كبيرة في ما يختص بالمسرح العالمي. معرفته بالمسرح العالمي تنحصر في معرفته ببعض الكلاسيكيين. دعاني لكي أعمل معه. ولكنني لم أذهب، لأن أسلوبينا يختلفان. أنا أحترم النص، المؤلف، فكر المؤلف. أسلوبي هو في احترام النص والمؤلف وفكر المؤلف. منير شكلاني. أنا أغيب عن الخشبة وهو يحضر فوق خشبته. { مسرحك ممثل ونص. وتنظيم حضور الممثل على الخشبة من خلال العلاقة بالنص، لماذا، برر ذلك؟ لو سئلت عن اسم كبير في تاريخ المسرح اليوناني، لأجبت سوفوكليس، وعن آخر في المسرح الاليزابيتي لأجبت شكسبير. وفي المسرح الفرنسي: موليير. وفي مسرح العبث: بيكت ويونسكو. النتيجة: المسرح مسرح مؤلف. المخرج مهم. ولكن تاريخ المسرح يؤكد أهمية حضور الكاتب المسرحي. هناك مخرجون كبار في العالم. ولكن كبار التجربة هم من المؤلفين في العالم. تستطيع ان تسمي في لبنان الكثير من المخرجين. ولكنك لا تستطيع أن تسمي كثرة من المؤلفين. هذه مشكلة. { يعيب ابو دبس انه شكلاني فقط؟ ومتشائم. مسرحه بلا فرح. مسرحه يغلب عليه التشاؤم سوى في »الملك يموت« التي أضحت كوميديا بدون قصد. انه لا يعرف كيف يتعامل مع الكوميديا. الصدفة هي التي حولت »الملك يموت« الى كوميديا ناجحة، يقول أنطوان كرباج. أبو دبس شكلي »فورماليست«. { أنت قدمت جبران وهو قدم جبران في آن، منذ سنوات. لم أشاهد مسرحية منير أبو دبس. مسرحيتي كتبها ادوار أمين البستاني في خمس ساعات وبطريقة التقطيع السينمائي. فلاش باك ومونتاج. لم يكن عندنا جبرانا واحدا بل ثلاثة. طلبت تقصير مدة المسرحية الى ساعتين في حد أقصى والتخفيف من الفلاش باك في المسرحية. بنيتها على الرسم، لأنني أجد جبران في رسمه أكثر مما أجده في أدبه. انه يحب المرأة على عكس ما يشاع. ولكنه إذا ما عراها يكرهها فكريا. { ما هي أول مسرحية قدمتها باللغة العربية؟ »كوميديا الأغلاط« لشكسبير في مهرجانات راشانا (1963) بدعوة من أنطوان ملتقى والمرحوم ميشال بصبوص. ترجمة انسي الحاج. كان موجودا حين تم الاتفاق بيني وبين ملتقى على تقديم المسرحية. لم أرد في الترجمة تغيير جملة واحدة. هكذا صار. ولو أنني مازجت بين الأجواء الشكسبيرية وأجواء الف ليلة وليلة ببغداد. شارك في تمثيل المسرحية ريمون جبارة ومنير غاوي وصلاح مخللاتي وليلى غنطوس ولطيفة ملتقى وموريس معلوف والياس الياس. { لعب الشعراء اللبنانيون دورا بارزا في ترجمة المسرح، كأنسي الحاج وأدونيس ويوسف الخال وبول شاوول.. طبعا، بالتأكيد. انسي ترجم »الصعاليك« لغوركي. أردت ان أقدمها في مسرح بيروت العام 1965. بدأت بإخراجها، ولكنني لم ألبث ان تراجعت، بعد ان تبينت انها صعبة جدا. ادوار أمين البستاني ترجم فولبوني لبن. جونسون: لعبة الختيار. هذه المسرحية سجلت بداية علي الخليل. جاء إليّ طالبا منحه فرصة. منحته هذه الفرصة وبدأ. { يقول جلال خوري ان »لعبة الختيار« شكلت نقطة تحول في المسرح اللبناني، كيف ذلك؟ اشتغلت بقوة على الكاركتيرات، لعبت رضا خوري دور رجل عجوز في الثمانين من عمره. المسرحية قوية فكريا. إخراجها مضبوط، ممثلوها أقوياء. ذاع صيت ريمون جبارة في هذه المسرحية وكذلك نبيه أبو الحسن. اندريه جدعون كذلك. ثم ان »لعبة الختيار« قدمت أول مسرح يومي في لبنان، بحضور 30 40 شخصا في اليوم الواحد. { وفي »الزنزلخت« جددت أيضا في مفهوم الإخراج السائد؟ جاءني في يوم من الأيام ريمون جبارة ونبيه أبو الحسن وفيليب عقيقي ومادونا غازي. عندنا مشكل، نريد ان تساهم في حله. نريد أن نقدم »الزنزلخت« لعصام محفوظ. باشرنا التمارين عليها، وهي في مراحل متقدمة على هذا الصعيد. ولكن عصام محفوظ أراد إخراجها. بيد ان التمارين كشفت غربته عن الإخراج. أبلغناه ذلك، قلنا له: أنت لست مخرجا. لم يعد أمامنا سوى 15 يوما، لكي نقدمها، إذا وافقت على إخراجها. طلبت منهم ان يقرأوا. قرأوا. وجدتها مسرحية عبث. أردت عبرها ان نذهب جميعا الى العبث الأقصى. غيرت قليلا في شكل الكتابة لهذه الغاية. سعدون (ريمون جبارة) يبدأ من لحظة الولادة وينتهي بها. لا حلول في الحياة، هكذا أردت للمسرحية ان تقول بارتداد البطل الى الرحم. عصام يقول ان لا حرية. كنت أكثر راديكالية في طرحي في المسرحية. لم يكن في حوزتنا مال. استدعيت عارف الريس، قلت يا عارف نحن لا نملك مالا. ونريد ان تساعدنا في ديكور الزنزلخت. عندي رؤية: حديد بحديد. جئت بكميون حديد ورميناه على الخشبة. ذهب عارف في الرؤية الى حدودها القصوى. زوجتي صممت الملابس من الجنفيص الرخيص. كلفت المسرحية 500 ليرة لبنانية. أما الممثلون فقبضوا من عائدات شباك التذاكر. عند نهاية العروض، خرج كل واحد منهم بمبلغ 35 ليرة. الموسيقى مختارات من رافي شنكار. { تتذكر أهم المسرحيات في تلك الفترة؟ »الموسم« لهدى زكا. »المهرج« ليعقوب الشدراوي. »أبو علي الأسمراني« لي. مسرحية لشكيب خوري. في »أبو علي الأسمراني« جاءني شاب هو غازي قهوجي تخرج حديثا في السينوغرافيا من بلغاريا. طلب فرصة. أعطيته إياها أيضا. لقد أعطيت الشباب مجالا حيث استطعت. { لم تشاهد مسرحيات »محترف بيروت للمسرح«؟ بلى، بلى. شاهدت. »مجدلون« مسرحية هامة. وكنت أردت أن أقدم »وصية كلب« بالأرمنية. ولكنها منعت، اثر منع »وصية كلب« بالعربية لآل ملتقى. أوقفتها الدولة، بحجة التهجم على رجال دين. { يخطر لي سؤال محدد في هذا السياق، كيف يعمل أرمني بالعربية، وهو لا يتكلمها. انت لا تتكلمها جيدا حتى الآن. صحيح، لغتي العربية ضعيفة. صح. هذا أعطاني ميزة، ان لا أقع تحت سيطرة الجملة، بصلافتها. أنا انتمي بهذا المعنى الى المدرسة الجديدة، التي لا تركز على الجملة. بل تركز على الحالة. المدرسة القديمة لا تزال موجودة منذ ستانسلافسكي. انها تركز على كل جملة بجملتها. كل جملة، كل حرف، له معنى في هذه المدرسة. هذا انتهى في الراهن. لا يزال ستانسلافسكي موجودا. ولكنه أضحى »مودرن«. في أحيان نلعب ضد الكلمة، ضد الجملة. اللغة هامة، ولكن الأهمية هي أيضا لقضايا جوهرية في المسرح. سأعطي مثلا، شاهد فيلما أميركيا وانت لا تعرف الإنكليزية. العين تكشف اللغة، الصور. { أنت دراماتورج أيضا؟ ولكنني لست مؤلفا. { تتهم بترك المسرحية، اثر افتتاحها. لا تعود إليها أبدا. صحيح. { لماذا؟ كوربيزيه كان يعمل في مجال الهندسة. كل يوم يرسم ويغير. في النهاية، بدت له عملية التغيير عبثية. طلب من فريق عمله ان لا يتجاوب معه إذا ما اقترح تجديدا على خريطة. إذا أردت أن أعمل شيئا، أعمل شيئا جديدا. لماذا العودة الى القديم. { مسرحك ذو نزعة مثالية. معقول. لا. ممكن. { سوف أوضح. مثالي لأنك لم تعش المرارات التي عاشها المسرحيون اللبنانيون؟ فهمت، صح، ولكن المسرح عندي هو مسرح وليس حياة. مرآة. الإنسان عليه ليس إنسانا كما هو في الحياة. ولكنه يبقى إنسانا. الحياة على المسرح حياة، ولكنها ليست حياة كما في الحياة.