As Safir Logo
المصدر:

«مارتن لوثر كنغ» .. الأسطورة والرجل

المؤلف: جابر عناية التاريخ: 2012-10-20 رقم العدد:12314

المواعظ التي كان يُلقيها مارتن لوثر كنغ في الكنائس وأمام جماهيره، أثارت تكهنات لدى البعض بأن كنغ قد يبزغ كغاندي أميركا، لكن معرفة الرجل بأفكار غاندي ومقاصده كانت لا تزال محدودة. وإذ بادر إلى تكريس نفسه لتعلّم المزيد عن هذه الشخصية التي كثرت الإشارة إليها كقدوة محتملة له، فقد قال كنغ في وقت لاحق: «هذه المسألة المتعلقة بالمقاومة السلبية واللاعنف هي رسالة يسوع، وأنا ذهبت إلى غاندي عبر يسوع». «مارتن لوثر كنغ» دراسة متقنة قدّمها مارشال فرادي (عن «دار الساقي»، ترجمة سعيد العظم)، وعمل جدير بالثناء، ومحبوك ببصيرة سياسية ونفسانية نافذة. مارشال فرادي صحافي مرموق مختص بكتابة سيرة حياة المشاهير، وهو في هذا الكتاب يرسم صورة حية لرجل أكسبته قيادته السياسية والدينية موقعاً باقياً أبداً في تاريخ القرن العشرين. يستلهم السنوات الخمس والعشرين التي أمضاها كمحلل للعلاقات بين الأعراق في الولايات المتحدة الأميركية، مقدماً وصفاً مؤثراً ومعبراً عن هذا القائد الفذّ والزمن المضطرب الذي عاش فيه، ونقرأ أنه لولا مارتن لوثر كنغ ونضاله والإرث الملهم الذي خلّفه بعد حياته القصيرة، لما صار نيلسون مانديلا رئيساً مبجلاً لجنوب أفريقيا، ولا انتُخب كوفي عنان أميناً عاماً للأمم المتحدة، ولا تحققت معجزة وصول رجل أسود كيني متحدر من أب كيني مسلم إلى سدة رئاسة الولايات المتحدة الأميركية: باراك حسين أوباما. الفصل التمهيدي وحده لفرادي، يساوي تسعة أعشار جميع الأعمال المكتوبة التي أنتجتها حركة الحقوق المدنية أو أوحت بها. إذ يبدو الآن، حين صدور هذا الكتاب عن كنغ، كأن ما يقرب من زمن جيولوجي غابر قد انقضى منذ تفتحت صفحات تلك الملحمة الأخلاقية العامرة بالإيمان والعنف في الأعماق الآسنة لجنوب الولايات المتحدة الأميركية، في غمار حركة الحقوق المدنية في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. كان فرادي حينها يعمل مراسلاً متمرناً في مكتب مجلة نيوزويك في مدينة أتلانتا، وبسبب من ذلك تسنى له إثر كل تغطية لهمهمات السود، التي أخذت بالتصاعد، سماع النبرة الاحتجاجية التي وضع كنغ نفسه في ما بعد في مواجهة لأجلها مع عصره بأكمله. كشف فرادي لأحوال خافية عن كنغ، مع الإبقاء على احترامه وحبه له، لكنه ابتعد عن تصنيمه، فكتب في إحدى الفقرات أن كنغ لم يكن منزهاً عن امتلاك قدر من غرور الاعتزاز بمظهره وقيمته الفكرية وأهميته التاريخية وحبه للأبهة المفرطة، والانتهازية السافرة، بل الجبانة أحياناً، فضلاً عن الافتقار إلى الكفاءة في إدارة منظمته: «مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية» أيضاً الهمسات التي من المتعذر ـ بحسب فرادي ـ الشك في صحتها، عن إقامته حفلات ماجنة وانحداره إلى «النفس الدنيا» التي كان يزدريها أمام جمهوره. سوى أن هذه الخصال الأقلّ نبلاً لدى روّاد الدعوة الأخلاقية الكبار في التاريخ لا تكاد تقلل من عظمة مثل هذه الشخصيات، فقد كان في وسع غاندي نفسه، وفق شهادات أدلى بها رفاقه في وقت لاحق، أن يضمر حقداً مفرطاً وأن يكون بارداً فظاً مع أفراد أسرته وسواهم من المقربين إلى شخصه، كما كان يهوى السلطة بلا حدود ويسعى إليها بلا هوادة. ثم يفنّد فرادي أقاويله هذه بأن هذه الخصال تسبغ على أشخاص من هذا النوع مدلولاً إنسانياً أعظم كثيراً من مظاهر التمجيد الشعبية الضحلة التي يحاطون بها في آخر الأمر. في كتاب فرادي القيّم فعلاً، كل المراحل التي مرّ بها كنغ، كل الأحلام، والعقبات والانتصارات والخطابات التي ألقاها، حتى موته مغدوراً، تماماً من أجل المبادئ التي رهن عمره لأجلها. عناية جابر

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة