يتمحور احد صفوف علم النفس في الجامعة حول التواصل غير الكلامي (لغة الجسد)، فيرسم صورة لشبكة العلاقات والمعلومات التي تتوارد من خلال الاشارات، بما في ذلك الجلوس واسلوبه، السير، النظر، بدءا من جلسات التحليل مع المعالج النفسي وصولا الى المجتمع ومواقفه.. في ما يلي »وصف وتحليل موقف« قامت به طالبة سنة ثالثة علم نفس في الجامعة اليسوعية، وهو يعبّرعن هذا النوع من التواصل داخل ملهى ليلي شبابي: »كنت داخل احد الملاهي الليلية التي تعج بالشباب وبالموسيقى المرتفعة، برفقة عدد من الاصدقاء. وعلى الرغم من »الزحمة« اللامتناهية، تمكنت من تمييز فتاة شابة تصلح ان تكون مثالا للتواصل غير الكلامي. كانت على قدر كبير من الجمال والجاذبية، ناهيك عن ملابسها المتميزة. فقد كانت ترتدي تنورة قصيرة جدا، وبلوزة سوداء ضيقة تنحسر عند الصدر بشكل يكاد ان يكون مبالغا به. كانت تنتعل حذاء عالي الكعب ومتبرجة بشكل ملحوظ. استغرقت وقتا كافيا لاظهار ملابسها وشكلها كونه، حسب اعتقادي، يفيد لفهم الموقف بدقة اكثر ويعتبر جزءا مكمّلا لتصرفاتها. كانت ترقص باسلوب مثير جدا، تظهر المواضع الجنسية في جسمها تبعا لايقاع خاص بها، مستقل عن الموسيقى، وتتلمس جسدها من وقت الى آخر وهي مغمضة العينين. في الآن ذاته، كان يحوم حولها شاب عيناه مثبتتان عليها، حاله كحال الكثيرين. ولكني اخترت هذا الشاب تحديدا للاشارة اليه لانها، حسبما لاحظت، قد تنبهت لوجوده كونه، بدوره، شابا وسيما جدا. ما ان التقت عيناهما حتى رماها بغمزة واضحة، غمزة دفعت بها الى الوقوف فوق الطاولة ومتابعة الرقص بحركات اكثر اتساعا وثقة. وقد اتضح لي ان الشاب قد وجد في حركة الفتاة اشارة ايجابية دفعت به الى التوجه نحو الطاولة التي تابعت الفتاة الرقص فوقها بكثير من الاغراء. وقد همس صديق الشاب عبارة في اذنه تمكنت من سماعها نتيجة تركيزي المفرط. قال له: "go ahead gamesس، أي »يللا جايمس«. ومن خلال لكنة الصديق والوان الشابة الفاتحة، شعرا وعينين، استنتجت انه اجنبي، انكليزي على الارجح. وقد ضاعف هذا الاستنتاج من تتبعي للموقف كوني اثق بضعف اللبنانيين تجاه كل ما هو »غير عربي«! ابتسمت الفتاة بشكل ضمني وهي تتابع رقصها سامحة للمسافة التي تفصل قدميها عن بعضهما بعضا بالاتساع. اقترب الشاب وبدأ يراقصها، وعيناه تكشفان انبهاره بها. وقد ظهرت لبعض اللحظات آثار اهتياج جنسي على الشاب لاحظتها الفتاة مما دفع بها الى مضاعفة كمية الاثارة والاغراء بشكل مفاجئ خلال الرقص. انصرف الشاب والفتاة الى الرقص كما لو انهما قد اتفقا على أمر ما، من دون تواصل كلامي، فحتى هذه اللحظة لم ترد أية عبارة بينهما. احاط الشاب الفتاة بذراعيه الطويلتين، وكان يضمها من فترة الى اخرى. وسار الامر بهدوء وتناغم حتى اللحظة التي »انزل« فيها الشاب يده لتطال مكانا »ممنوعا«، حتى ولو بدا مستباحا ومعروضا. فبعدما طال الشاب »الموقع الممنوع«، واجهته الفتاة بصفعة على الوجه وقد بانت العصبية على ملامحها. همس الشاب وهو في قمة الاحراج عدداً من الكلمات في اذن الشابة لم اتمكن من التقاطها على الرغم من شدة اصغائي،فما كان من الفتاة إلا ان اجابته بالصراخ، مما سمح لي بالتقاط بعض ادوات العراك الكلامي، ادوات ميّزتها وسط ضجيج الملهى: زI am not a bitch (...) yes but it doesnصt mean (...)" .. بمعنى: لست عاهرة (...)، نعم، لكن هذا لا يعني (...). تجزيء لعناصر التواصل غير الكلامي الحركة: الفتاة رقص مغر، حركات تتسع تباعا، توسيع المسافة بين القدمين، الوقوف على الطاولة. من خلال هذه التحركات، تعكس الفتاة ثقة عالية بالنفس واستفزازية، وتسعى لتكون مركز الاهتمام. تضاعف حركاتها المستمر يوحي بنوع من التواصل مع شخص آخر، نوع من الاحاديث التي فتحت بالصدفة وتم متابعتها وتلاشيها مع الوقت. الشاب يتوجه نحو الفتاة، يراقصها، يحضنها، يلمسها في مكان اكثر حميمية. لا بد ان الشاب قد فهم شيئا ما من تصرفات الفتاة، فانصرف الى هذه اللغة غير الكلامية في التواصل. النظرات وتعابير الوجه: الفتاة كانت نظراتها ثابتة، هائمة في بعض الاحيان.. عينان مغلقتان من وقت الى آخر.. ابتسامة صغيرة موجهة الى احد ما. الشاب نظرة ثابتة وموجهة نحو الفتاة.. غمزة.. نظرة اعجاب مطوّلة بجمالها.. نفسية مشدوهة.. وما ان وضح اهتمامه بها، التقت نظراتهما. ملابس ومظهر: الشاب ملابس مثيرة، جمال باهر، اغراء يستخدم الجمال، الملابس والتصرفات. الفتاة رجل وسيم. محاولة تحليل: نتيجة كونها جميلة، اكتسبت الفتاة على الارجح ثقة قوية بالنفس، مما يسمح لها بعرض جسدها، بصفته مشهدا كاملا، سعيا وراء اعجاب الآخرين باسلوبها بالرقص وبتبرجها. وقد تلقى الشاب الوسيم الاشارة وسحرته الفتاة فأرسل لها غمزة واضحة. هي، بدورها، تلقت الغمزة واجابت عليها بتسلق الطاولة ومضاعفة الحركات. فهم الشاب ان في ذلك رسالة موجهة له شخصيا، رسالة اقرب للدعوة، فاقترب. حتى هذه اللحظة، لا يزال بامكان الشابين التواصل بدقة من خلال لغة»ما فوق الكلام«، وقد دخلا في علاقة اساسها حركات الجسد، النظرات، اليدان... ولكن، نظرا لانتمائهما لمجتمعين مختلفين، وبالتالي لخلفيات ثقافية واجتماعية متباينة، لم يتمكنا من التطور في هذه العلاقة غير اللفظية بسلام. فقد سرح الشاب في تحليله حركات الشابة الى ابعد مما تسمح هي له وتشير به. ومن الجائز ان يكون قد فهم من خلال نظرتها وردها على غمزته موافقة منها على كل ما حمله هو لهذه الغمزة من اقتراحات. وربما كانت الاجابة بهذا النحو على الغمزة تعتبر في مجتمعه دعوة لعلاقة حميمة، في حين ان قاموس الاطار الاجتماعي الثقافي الذي تعيش فيه الشابة لا يعرّف تصرفاتها سوى بدعوة للاغراء لا اكثر. وبما ان القوانين الاجتماعية في لبنان تعتبر اكثر صرامة منها في البلدان الاوروبية، يظهر ارتياد الفتاة للنادي الليلي عملاً جريئاً كفاية ليكون تواصلها مع الآخر داخله مقتصراً على الاغراء في مقابلة اولى. لذلك، ربما كان من المؤكد وصول العلاقة بين الشاب والفتاة الى نهاية ومواجهة شبيهة، نظراً للاختلاف في قراءة رسائل هذه العلاقة غير الكلامية، اختلاف يكمن اساسه في القواميس المعتمدة.